نشر موقع «أوراسيا ريفيو» تحليلًا للكاتب جيمس م. دورسي، كبير باحثي الدراسات الدولية في جامعة نانيانج التكنولوجية في سنغافورة، حول تورط القوى الأجنبية المختلفة في الصراع الليبي، حيث تدور رحى حرب بالوكالة يحاول كل طرف فيها تحقيق مصالحه، بينما يدفع الشعب الليبي الثمن الباهظ لذلك.

عربي

منذ 3 أسابيع
ما الذي تخسره الإمارات اقتصاديًا بهزيمة حفتر في ليبيا؟

صداع أوروبا يتفاقم

يستهل الكاتب تحليله بالقول: إن صداع أوروبا تفاقم؛ ففي حين تكافح أوروبا للسيطرة على جائحة كورونا وعكس منحنى تداعياتها الاقتصادية، باءت جهودها لاحتواء الحرب الدائرة على عتبة بابها في ليبيا وسوريا بالفشل أيضًا.

يتابع الكاتب: امتدت الحروب بالوكالة، التي تضع الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر في مواجهة ضد قطر وتركيا، من ليبيا وسوريا إلى شرق البحر الأبيض المتوسط ​​بأسره.

وتشعر الدول الأوروبية، ومن بينها فرنسا، واليونان، وقبرص، بالتهديد من استخدام تركيا لليبيا لبسط سيطرتها على المياه الإقليمية الغنية بالغاز، منتهكة بذلك القانون الدولي. ونتيجة لذلك، أصبحت نزاعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مشكلات أوروبية.

وكانت حكومة الوفاق الإسلامية الليبية، المعترف بها دوليًا والمدعومة عسكريًا من تركيا، قد أجبرت قوات خليفة حفتر، الذي تدعمه روسيا ومصر وفرنسا والإمارات العربية المتحدة، على التراجع في الأسابيع الأخيرة من غرب ليبيا، والقتال فقط للحفاظ على سيطرته على المدن الرئيسية وسط البلاد. وعبَّر بيان أصدره وزراء خارجية فرنسا، واليونان، وقبرص، والإمارات، ومصر الشهر الماضي عن مخاوفهم بوضوح (من تطورات الأوضاع في ليبيا).

ودان البيان «الأنشطة غير القانونية» لتركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط، ودعاها إلى «الاحترام الكامل للسيادة والحقوق السيادية لجميع الدول على مناطقها البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط».

غابت إسرائيل بصورة جلية عن الحدث؛ إذ لم تكن من بين الموقّعين على البيان، على الرغم من أنها تتمتع بعلاقات وثيقة مع جميع الموقعين. وحذر معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، وهو مركز أبحاث إسرائيلي بارز، من أنه «بالنظر إلى أن علاقات إسرائيل مع تركيا تتسم بوجود إشكاليات صعبة للغاية، وأن العلاقات مع روسيا لا تزال حساسة، فإن تل أبيب بحاجة إلى التأهب لإمكانية استمرار وتنامي النفوذ الإقليمي لكلا البلدين، لا سيما في ظل إحجام واشنطن المستمر عن الاضطلاع بدور دبلوماسي أو عسكري أكثر فاعلية».

Embed from Getty Images

وكذلك الحال بالنسبة لأوروبا، التي بقيت حتى الآن -على مستوى الاتحاد الأوروبي- على الهامش، بما يعرضها للخطر.

تحول السياسة الأوروبية تجاه ليبيا أصبح ضرورة

في هذا الصدد، ينقل المقال عن الباحث في الشؤون الليبية، ولفرام لاشر، قوله: «الآن، بعد أن اتضحت العواقب الوخيمة لتقاعس أوروبا عن اتخاذ إجراء، ولم يعد أمام حفتر فرصة للاستيلاء على السلطة، أصبح حدوث تحول في السياسة (الأوروبية) أمرًا ممكنًا ولا غنى عنه».

وأشار لاشر إلى «أن هناك هدفين رئيسيين يجب أن يوجها السياسة الأوروبية: أولًا: حماية وحدة ليبيا، وثانيًا: التصدي للنفوذ الروسي في ليبيا باعتبارها مسألة ذات أولوية. وتشارك الولايات المتحدة في كلا الهدفين، لكن الأوروبيين لن يكونوا قادرين على العمل في تناغم إلا إذا تخلى الموقف الفرنسي عن تساهله النسبي تجاه روسيا وموقفه العدائي من تركيا».

يعلق الكاتب: يبدو أن السيد لاشر يؤمن بأن مواجهة روسيا لن تساعد في التصدي للتهديد الذي تشكله موسكو فحسب، بل سيمنع أيضًا كل من تركيا وروسيا من تقسيم ليبيا إلى مناطق نفوذ، إن لم يكن إلى دولتين منفصلتين.

ونظرًا لأن الاتحاد الأوروبي لم يعد بإمكانه أن يقف موقف المتفرج، نصح السيد لاشر الاتحاد الأوروبي أن يفرض عقوبات على السيد حفتر، في محاولة لتقويض الدعم الروسي لقواته.

وأضاف: «بالتوازي مع هذه الخطوة، يجب على الدول الغربية في النهاية أن تدفع باتجاه مصالحها المرجوة في ليبيا المستقرة بقوة أكبر عند التعامل مع مؤيدي حفتر من القوى الأجنبية الأخرى، خاصة مصر والإمارات، لثنيهم عن مزيد من التعاون مع روسيا».

الإمارات والإسلام السياسي

يمثل عزم الإمارات العربية المتحدة المدعوم من السعودية على إعاقة تركيا؛ جزءًا من حملة الإمارات العالمية الحازمة لمواجهة كل مظاهر الإسلام السياسي. وتتلقى الإمارات المساعدة في هذا الأمر من مصر، التي وصل رئيسها عبد الفتاح السيسي إلى السلطة في عام 2013 عبر انقلاب عسكري دعمه الإماراتيون أطاح رئيسًا منتخبًا من جماعة الإخوان المسلمين.

يواصل الكاتب: إلى جانب الاتفاقية التي وُقعت بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، والتي نصت على توسعة الحدود البحرية للبلدين في شرق البحر الأبيض المتوسط، يبدو أن المشاركة التركية في الحروب في ليبيا وسوريا غذت الجهود الإماراتية لجرّ أوروبا، وفي نهاية المطاف الولايات المتحدة، إلى صراعها مع تركيا.

Embed from Getty Images

وفي إطار الجهود لتطويق التحركات التركية، وقعت اليونان وإيطاليا -التي كان يعتقد أنها كانت تدعم حكومة الوفاق الوطني قبل تدخل تركيا- اتفاقية حدود بحرية جديدة هذا الأسبوع. إذ يعترف الاتفاق بحقوق المياه اليونانية الإقليمية قبالة جزرها العديدة وفقًا لقانون البحار الدولي، بينما يتجاهل الاتفاق التركي-الليبي هذه الحقوق لعدد من الجزر اليونانية. وكان من المتوقع أن تدعم الإمارات وشركاؤها في شرق البحر المتوسط ​​الاتفاق اليوناني-الإيطالي.

ولكن الإمارات العربية المتحدة تعتمد على حقيقة أن علاقات تركيا التقليدية مع حلفائها في الناتو -أوروبا والولايات المتحدة- متوترة بسبب مجموعة من القضايا، بما في ذلك التدخل العسكري التركي في ليبيا، ومصير الملايين من اللاجئين الذين تستضيفهم تركيا، ومعظمهم من سوريا، وعلاقة تركيا بروسيا وحيازتها لنظام الدفاع الروسي المضاد للصواريخ S-400.

ويذكّر الكاتب بأن دولة الإمارات العربية المتحدة وضعت اللبنات الأساسية لتعزيز النفوذ في شرق البحر المتوسط ​​لبعض الوقت، حيث تمثل العلاقات الوثيقة بصورة متزايدة مع إسرائيل -التي تتسم علاقاتها مع تركيا بالتعقيد- حجر الزاوية بالنسبة للإمارات. وكذلك الأمر بالنسبة لمشاركة الإمارات في التدريبات العسكرية السنوية التي تقودها اليونان، والتي تشارك فيها إسرائيل، وقبرص، وإيطاليا، والولايات المتحدة.

خط أنابيب الغاز الإماراتي يشعل الصراع

يذكر التحليل أن تطويق تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط اكتسب ​​أهمية أكبر بعد أن تبددت آمال الإمارات في إقامة خط أنابيب (إيست ميد) والذي كان من شأنه أن ينقل الغاز الطبيعي من الحقول الإسرائيلية، والقبرصية، واللبنانية عبر اليونان إلى إيطاليا. وكان خط الأنابيب هذا يهدد باستبدال ما يصل إلى نصف الصادرات القطرية إلى أوروبا بغاز شرق البحر الأبيض المتوسط.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه من بين الدول المعارضة لقطر، يعتقد أن الإمارات هي الأكثر مقاومة لإيجاد حل وسط، ينهي المقاطعة التي قادتها الإمارات والسعودية منذ ثلاث سنوات لهذه الدولة الخليجية.

وتأجل العمل على مشروع خط الأنابيب الذي تبلغ تكلفته 7 مليار دولار أمريكي ويبلغ طوله 2200 كيلومتر، بسبب التداعيات الاقتصادية لجائحة فيروس كورونا المستجد وانهيار أسعار النفط.

وكان من المتوقع أن يوقف الائتلاف التجاري الذي تقوده شركة «توتال الفرنسية ويضم شركة النفط والغاز الإيطالية الكبرى «إيني»، وشركة «نوفاتيك» -ثاني أكبر منتج للغاز في روسيا- الحفر بعد أن ثبت أن البئر الأول الذي حفرته جاف.

Embed from Getty Images

وعلقت كل من شركتي «إيني» و«توتال» أيضًا خططًا لست عمليات حفر قبالة ساحل قبرص، بينما أخرت شركة «إكسون موبيل» استكشاف بئريها في المنطقة. ومن المرجح أن تحذو شركة الأستكشاف الأمريكية «نوبل إنيرجي» مع شركة «شل» وشركة «ديليك دريلينج» ومقرها هرتسليا حذوهم في حقل أفروديت الإسرائيلي.

ويخلُص التحليل إلى أن كل هذا لا يبدو أنه يردع تركيا، إذ أعلنت الجريدة الرسمية للبلاد في 30 مايو (آيار) أن شركة النفط المملوكة للدولة «تركيش بتروليم» أو النفط التركي منحت 24 رخصة استكشاف تشمل التنقيب في المياه قبالة سواحل الجزر اليونانية مثل: كريت ورودس.

وحذر وزير الخارجية اليوناني «نيكوس دندياس» من أن بلاده سترد على ما أسماه «الاستفزاز التركي» إذا مضت تركيا قدمًا في خططها، الأمر الذي من شأنه جر أوروبا إلى مزيد من الفوضى المفاجئة والسريعة في شرق البحر الأبيض المتوسط. في حين أن هذا التطور من شأنه أن يعزز الجهود الإماراتية لتحقيق مزيد من التحجيم لتركيا دوليًا، وإن كان من المحتمل أن يضعف ذلك احتمالات توجيه ضربة لقطر.

عربي

منذ شهر
بعد ليبيا.. هل تنقل تركيا ساحة معاركها إلى اليمن؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد