قضى «جون ناجل» الحاصل على درجة الدكتوراة في الأنثروبولوجيا من جامعة كوينز، حوالي أربعة أشهر أستاذًا زائرًا في إحدى الجامعات الإماراتية، ويروي في مقال نشر على موقع «the conversation» ما تعلمه من تلك التجربة، لا سيما بعد القبض على أحد طلاب الدكتوراة في الإمارات بسبب موضوع بحثه، جدير بالذكر أن الكاتب ذكر على هامش المقال أنه لا يعمل لحساب أي شركة أو منظمة قد تستفيد من هذا المقال، وأنه كذلك لم يتلق أي تمويل من أي مؤسسة.

يقول الكاتب إن قضية «ماثيو هيدجز» طالب الدكتوراة الذي اعتقل ووضع في الحبس الانفرادي بتهمة التجسس، تكشف عن القيود الشديدة حد التطرف المفروضة على الحرية الأكاديمية في الإمارات العربية المتحدة، وعلى الرغم من بشاعة مأزق «هيدجز»، فإنه ليس صادمًا في سياق المراقبة المتمرسة في النظام الملكي في دول الخليج الغنية بالنفط.

يذكر الكاتب أنه بعد قضاء أربعة أشهر أستاذًا زائرًا في الجامعة الوطنية في الإمارات العربية المتحدة، ووجد العديد من الجوانب التي تستحق الإعجاب في الجامعة، حيث يقوم طاقم الجامعة بإجراء الأبحاث في حرم الجامعة المزودة بمرافق رفيعة المستوى لدرجة إثارة الرهبة، والتقدير، وكذلك الغيرة في نفوس الأساتذة الزائرين، فضلاً عن أن الطلاب المتحمسين للغاية يجعلون التدريس مثمرًا.

صورة «ماثيو هيدجز» طالب الدكتوراة الذي اعتقل ووضع في الحبس الانفرادي بتهمة التجسس

إلا أن تلك المميزات تأتي على حساب الحرية الأكاديمية، إذ عادة ما يمنع الأكاديميون من دخول البلد بسبب تصنيفهم بـأنهم «تهديدات أمنية»، ويجد الأكاديميون أنفسهم قيد الاعتقال والحبس التعسفي بسبب نشاطهم في مجال حقوق الإنسان، علاوة على تطبيق نظام المراقبة بانتظام على الأكاديميين أنفسهم، وكذلك الأحداث العلمية، ويقول إنه شهد بنفسه خلال فترة تواجده في الإمارات، فرض بعض القيود غير المعلنة على الإنترنت واستخدام برنامج سكايب.

يشير الكاتب إلى أن تلك القيود المفروضة على الحرية الأكاديمية مدفوعة بشدة من هوس السلطات بقمع أي نشاط يشتبه في تهديده الأمن والسلطة؛ بطبيعة الحال، ثارت حفيظة الدولة بسبب الفوضى التي أطلقتها احتجاجات ومظاهرات الربيع العربي، وصارت على استعداد لفعل أي شيء لوقف تصديرها إلى بلدهم.

يشير الكاتب إلى أن أي محاولة تنديد أو معارضة موجهة ضد النخب الإماراتية، أو حتى المطالبة بالمزيد من الحريات، يمكن أن تؤدي إلى حملات أمنية، ولا شك أن المساحات التي بإمكانها تعزيز الديموقراطية على الإنترنت، لا سيما وسائل التواصل الاجتماعي، تعد موضع شك بصفة خاصة، ففي عام 2012، جعل القانون السيبراني السجن عقوبة مقبولة لأي خطاب يشتبه في كونه «مضرًا بالدولة».

الخلاف القطري

يبدو أن دولة قطر المجاورة هي من تثير غضب الإمارات العربية المتحدة في الوقت الحالي، إذ تتهم الأخيرة قطر بأنها ترعى الإرهاب لزعزعة استقرار المنطقة، وتصاعدت حاليًا هذه الادعاءات لتشكل أزمة دبلوماسية متكاملة تشمل فرض عقوبات، ومقاطعة، وحصارًا كبيرًا ضد قطر، تشترك فيه كل من المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، بحيث اجتمعت جميعها على قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر.

إلا أن ما يزكي عداء الإمارات العربية المتحدة ضد قطر هو شبكة الجزيرة الإعلامية التي تمولها دولة قطر، فالشبكة تمثل شوكة في حلق ممالك الخليج بسبب بثها قصصًا وأخبارًا محرجةً بشأنهم، وفي خضم سعيها الحثيث لإسقاط منافستها، التمست الإمارات المساعدة من حلفائها.

يذكر الكاتب أن في الولايات المتحدة الأمريكية قامت مجموعة من المحققين التابعين للمستشار والمحقق الخاص «روبرت مولر» بالتنقيب عن معلومات بشأن محاولات إماراتية لاكتساب نفوذ سياسي، من خلال تحويل أموال خلسة إلى حملة دونالد ترامب الرئاسية عام 2016، وفي مارس (آذار) هذا العام، حصلت شبكة بي بي سي البريطانية على رسائل بريد إلكترونية، تبين جهود الضغط التي تبذلها الإمارات من أجل إقالة «ريكس تيلرسون» وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب عدم دعمه الإمارات ضد قطر.

يعود الكاتب إلى قضية «هيدجز»، ويذكر أن المدعي العام لدولة الإمارات أعلن أن «هيدجز» -طالب الدكتوراة- متهم «بالتجسس لصالح دولة أجنبية وبالنيابة عنها»، وأنه عرض «الأمن العسكري والاقتصادي والسياسي لدولة الإمارات المتحدة» للخطر، يقول الكاتب إن بحث «هيدجز» معني بالتحقيق في أثر الربيع العربي على الإستراتيجية الأمنية لدولة الإمارات العربية المتحدة، إذ يضرب بوضوح عصبًا حساسًا لدولة الإمارات، علاوة على أن القبض عليه يعد رسالة قوية مفادها أن الدولة على استعداد لتقليص حرية تعبير الأكاديميين.

حدود الحرية الأكاديمية

يقول الكاتب إنه بصفته أكاديميًّا متخصصًا في مجال العلوم الاجتماعية، تعود على التفكير بتفاؤل بشأن الجامعات باعتبارها حصونًا لحرية التعبير والتفكير النقدي، وبعد قضائه عددًا من الشهور في جامعة الإمارات الوطنية، سرعان ما اكتشف أن التعليم في الإمارات له يوظف بطريقة مختلفة إلى حد ما، فبدلاً من تشجيع التفكير النقدي، يعتمد التعليم هناك على المنطق التكنوقراطي، ومن المفترض أن التعليم في المجتمع يساعده على حل مشكلاته الاجتماعية المعقدة، والحفاظ على الوضع الراهن.

على سبيل المثال، حوالي 90% من الطلاب بجامعة الإمارات الوطنية، هم من النساء، ويتم فصل الذكور عن الإناث في الحرم الجامعي، وبالتالي، بعد الدراسة الجامعية من المفترض أن تكتسب المرأة المهارات العملية التي تساعدها على الاندماج في القوى العاملة دون أن تفقد دورها التقليدي باعتبارها أمًا وزوجة.

إلا أن الحكومة بتوجهها هذا، ربما تخوض معركة خاسرة، إذ تنخفض معدلات الزواج في الإمارات العربية المتحدة، علاوة على أن نسب الطلاق في الإمارات هي الأعلى في المنطقة، إذ تطالب النساء بمزيد من الاستقلال، ومن خلال خبرته في التدريس، وجد أن الطالبات الإناث تعملن بجد واجتهاد بشكل مذهل، وطموحين للغاية تدفعهم زيادة فرص العمل، وبالتالي احتلت قضية حرية التعبير مركزًا تاليًا لدى الطلاب.

إغراء الإمارات للمؤسسات العالمية

يقول الكاتب نظرًا لأن ثمة العديد من الطلاب الأثرياء الذين يحرصون على اكتساب مؤهلات من المؤسسات العالمية، تعد الإمارات العربية المتحدة وجهة جذابة للجامعات البريطانية التي تعاني من ضائقة مالية، ففي سبتمبر (أيلول) على سبيل المثال، افتتحت جامعة برمنجهام حرمًا لها في دبي، إلا أن الحرية الأكاديمية مسألة حتمية ستواجه تلك المؤسسات العالمية، إذ برز عدد من القضايا الشهيرة المشابهة في جامعة نيويورك في أبوظبي، منذ افتتاحها في عام 2008.

يؤكد الكاتب أنه استمتع كثيرًا بخبرته الأكاديمية، والوقت الذي قضاه في الجامعة الوطنية بالإمارات العربية المتحدة، وليس لديه أي شكوى شخصية بشأن تجربته هناك، لكنه سرعان ما تعلم حدود الحرية الأكاديمية، ويعبر عن رغبته في العودة مجددًا، إلا أنه يخشى أن حتى كتابة مثل هذا المقال كفيلة بأن تضعه تحت بند المعارضة، ومخالفة السلطات الإماراتية.

ويختتم ومؤكدًا على أن بعض الأكاديميين البريطانيين الموجودين في المملكة المتحدة منعوا بالفعل من دخول دولة الإمارات، بسبب تأييدهم لانتقادات للحكومة، وكما يتضح من قضية «هيدجز»، فإن البحث في موضوعات تعتبر حساسة للسلطات الإماراتية تؤدي بالضرورة إلى عواقب مخيفة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد