التزموا بمبادئكم وتصالحوا مع المواجهة. القليل من الناس هكذا. وعندما يأتي أصحاب الخطوط الحمراء، سيُصبح الأمر تفاوضًا.

القائل هو «ترافيس كالانيك»، المدير التنفيذي لشركة «أوبر» Uber. ربّما يلخّص هذا الاقتباس القِيم المحرّكة للشركة، لكن من الصعب حقًا فهم كيف لم ينفجر سلوك «أوبر» الساعي إلى المواجهة في وجهها حتى الآن.

للوهلة الأولى، يبدو أن مُثل «كالانيك» التحررية ومقاومته الشرسة للرقابة التنظيمية قد آتت أُكُلها. تُقدّر شركته التي أسسها عام 2009 بحوالي 69 مليار دولارٍ اليوم، وقد أحدثت شركته تغييرًا مزلزلًا قلَبَ صناعة التاكسي – أو «عصابة التاكسي الكبرى» كما سماها كالانيك – رأسًا على عقب.

إلا أن الشركة تواجه حاليًا عددًا من العوامل التي لا تصب في صالحها، بدءًا من أجرة الرحلات والتي تغطّي 40% تقريبًا من تكلفتها، مرورًا باتهامات موجهة للشركة باحتضان ثقافة التمييز العُنصري ضد النساء وسرقة الأفكار في بيئة العمل، ناهيك عن ارتباطها المؤقت بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب والذي تسبب في فقدانها 200 ألف مستخدم، إلى جانب أسبابٍ أخرى.

لكن حتى مع إزالة هذه العوامل، تتزايد الأدلة على أن أوبر ستنهار عاجلًا أم آجلًا. بدون تحوّل درامي في أعمال الشركة، لن تعيش أوبر طويلًا. يشرح «راين فيلتون» في تقريره بموقع Jalopnik، لماذا شركة أوبر محكومٌ عليها بالفناء.

مُتعاقدون لا موظفون

واحدة من أكبر المشاكل التي يواجهها نموذج أوبر، هي مقاومة الشركة وضع سائقيها تحت تصنيف الموظفين، وإصرارها على اعتبارهم «متعاقدين». يمنح هذا الشركة أفضلية كُبرى، إذ إنّها غير مُلزمة بتوفير التأمين الصحّي، أو الوقود، أو بدلات العمل، أو مصاريف الصيانة. كل هذا سيكلّف الشركة ما يقدّر بـ730 مليون دولارٍ سنويًا.

تُدافع الشركة عن نفسها بأن سائقيها لديهم الحرية في اختيار العمل وقتما وحيثما يشاؤون، أو العمل لحساب الشركة من الأساس. لكن الحقيقة أن أوبر دفعت 20 مليون دولارٍ لتسوية مزاعم بأنها ضلّلت السائقين، ووضعت في إعلاناتها أرقامًا غير حقيقية لما يُمكن أن يجنيه السائق. أيضًا، تطلّب توسّع الشركة المتفجّر في الولايات المتّحدة وخارجها إقراض السائقين المحتملين من أجل شراء السيارات، الأمر الذي يجعلهم مدينين للشركة، ومضطرين إلى العمل من أجل توفير الدفعات الشهرية.

كذلك تبرز أحداث عنف من جانب السائقين والركاب بين الحين والآخر، على خلفيةٍ من رفض الشركة إلزامها بإخضاع السائقين لتحريّات جنائية مكثّفة، وهو ما يقوّض زعم الشركة بأنها توفّر خدمة توصيل أعلى جودة بكثير من التاكسي العادي.

العام الماضي، رفضت المحكمة تسوية تُقدّر بـ100 مليون دولار في قضية على مستوى فيدرالي تنظر في تصنيف سائقي أوبر. تُصرّ الشركة على أنّها ستُضطرّ إلى إعادة هيكلة كل عملياتها في حالة تصنيف سائقيها كموظفين. وما زالت القضية أمام المحكمة، وقضايا أخرى تُرفع بين الحين والآخر، على مستوى الولايات الأمريكية.

في مقرّ الشركة.. ليست الأمور أفضل

ليست المشاكل مقتصرة فقط على المتعاقدين. في مقر الشركة تجري الكثير من الأشياء المُريبة.

كانت «سوزان فاولز ريجيتي» مهندسة سابقًا في أوبر. وفقًا لروايتها، تعرّضت سوزان لمحاولات تحرّش جنسي من جانب مُديرها المباشر، عن طريق رسائل بريدٍ إلكتروني يلمح فيها برغبته في ممارسة الجنس معها. وعندما أبلغت سوزان عن الواقعة في قسم إدارة الموارد البشرية بالشركة، كان الرد أن هذه هي «المخالفة الأولى» للرجل، وأنّه واحدٌ من موظّفي الشركة الأكفاء.

ورغم أن كالانيك أصدر تصريحًا يستنكر فيه الفعلة، ويؤكد أنّها ضد كل ما تمثله الشركة، وأنّه يسمع عنها للمرة الأولى وأمر بالتحقيق في الأمر – رغم كل هذا فإن الفضيحة أثرت بشكلٍ كبير على الشركة في أوساط «سيليكون فالي»، وسيكون من الصعب تعيين المواهب التقنية الأفضل والألمع بعد مثل هذه الفضيحة، وفقًا لموظف سابقٍ بالشركة.

تزعم سوزان كذلك أن المناصب الإدارية العليا بالشركة تشهد حربًا سياسية شبيهة بمسلسل «حرب العروش»، يُوجه فيها الموظف الضربات لمديره المباشر بهدف الاستيلاء على منصبه. تقول سوزان إن عواقب هذه الألعاب السياسية كانت هائلة، وأدّت إلى هجر العديد من المشروعات. الصورة التي ترسمها سوزان للشركة لا تُعطي كثيرًا من المصداقية لفكرة أنّها تُوفر بيئة عملٍ محترمة تُساعدها على النجاح في المضي قدمًا.

أسطول السيارات الآلية

في مقالٍ نشرته مدوّنة Naked Capitalism لمحلل صناعة النقل هوبرت هوران، يرى هوران أن نجاح شركة «أوبر» في إثبات أن هيمنتها على صناعة التاكسي سينعكس بالإيجاب على الاقتصاد، متوقّف على نجاحها في تحقيق أرباحٍ مستدامة، وهذا بدوره متوقّف على نجاحها في تطوير أسطولٍ من السيارات ذاتية القيادة. كالانيك نفسه، صرّح بأن تطوير سياراتٍ ذاتية القيادة له أهمية وجودية بالنسبة للشركة. بالاستغناء عن قُرابة 160 ألف سائق من المعادلة، تُصبح الموازنة بين التكاليف والأرباح أسهل بكثير.

مثل العديد من شركات «سيليكون فالي»، نجت أوبر بفضل أثرياء المستثمرين ممن غطوا خساراتها على مدار الأعوام الأولى. تقدّر تحليلات هوران خسائر أوبر بحوالي ملياري دولارٍ في العام، بهامش ربح يصل إلى سالب 143%.

ليس هذا مستغربًا. في الواقع، مرَّت العديد من الشركات الناجحة الآن بهذه المرحلة في السابق، ومنها العملاق الحالي أمازون Amazon. لكن احتمالية أن تنجح أوبر في تقليل هامش الخسارة قبل أن ينفد احتياطيها النقدي المقدّر بـ13 مليار دولار مستبعدة، ما لم تصل إلى وضعٍ شبه احتكاري لسوق الولايات المتّحدة والأسواق الكُبرى الأخرى، خاصة وأن تكاليفها وأرباحها متغيرة بشكلٍ كبير، على عكس أمازون. لن تحقق أوبر ضعف الأرباح بمضاعفة الرحلات.

يعني هذا أنّ أوبر ستستمرّ في خسارة مليارٍ أو اثنين كل عام، معتمدة على تمويلات المستثمرين، حتى تصل إلى أرض السيارات ذاتية القيادة الموعودة. هل تنجح أوبر في ذلك؟ ستيفن هيل، الباحث بمؤسسة New America والذي وجّه العديد من الانتقادات للشركة ونموذجها الاقتصادي في مؤلفاته، يرى أن لا. لم يكُن حُلم كالانيك محددًا وواضحًا في ذهنه، فقط الرغبة المحمومة في السيطرة على النقل البري.

بسبب الأشياء الأخرى التي تُربك أوبر: بدلًا من التركيز على أن تُصبح شركة تاكسي جيدة في العصر الرقمي، والبحث عن طرق إنجاح هذا، تُبعثر الشركة الأموال على السيارات ذاتية القيادة وعلى الصين، والهند الآن. تعكس الشركة بشدة جنون العظمة عند «ترافيس كالانيك» وأيًا يكون ما يظن أنّه يفعل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد