أثار تسرب التقرير الذي كتبه كيم داروك – سفير بريطانيا في الولايات المتحدة – عن واشنطن غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. يُعلق الصحافي البريطاني روبرت فيسك على ذلك الأمر في مقال في صحيفة «الإندبندنت»، البريطانية، إذ يستعرض من وجهة نظره كيف ستؤثر تلك الواقعة الدبلوماسية على الشرق الأوسط، ويرى أن خيانته هذه – حسبما وصفها – تُرسل رسالة إلى دبلوماسيي بريطانيا في الخارج.

يقول فيسك في بداية مقاله: «دعنا ننسَ العجوز المسكين كيم داروك للحظة. ولنقفز بضعة أيام في أعقاب هذا الخبر. دعني أخبرك كيف سيكون إذلاله التام والتضحية به على يدي ترامب، وتواطؤ الرجل الذي سيكون على الأرجح رئيس الوزراء القادم في بريطانيا، مؤثرًا في الشرق الأوسط».

السعودية

كانت المحطة الأولى في مقال فيسك هي الرياض، عند شارع الخوابي حيث تقع سفارة بريطانيا التي يعمل فيها باجتهاد سايمون كوليس؛ سفير بريطانيا لدى السعودية، هو دبلوماسي مخضرم في منطقة الشرق الأوسط؛ إذ خدم سابقًا في البحرين، وتونس، وعمّان، ودبي، وقطر، ودمشق، وبغداد. كما أنه أعلن إسلامه، وهو السفير البريطاني الأول الذي يحج إلى مكة.

لكن الآن، يرى فيسك، أن كوليس سيتعين عليه التفكير مليًا قبل تقديم تقريره إلى وزارة الخارجية عن المملكة العربية السعودية، وهو التقرير الذي لا بد أن يكون شاملًا وعادلًا وصريحًا؛ إذ لن تجدي العطور العربية في التستر على سمعته إذا وصل مسرب التقارير الدبلوماسية إلى الحقيبة الدبلوماسية  في الرياض.

Embed from Getty Images

يشير فيسك إلى وجوب أن يكون كوليس هو من يبلغ عن أفعال محمد بن سلمان، المسؤول عن حرب اليمن الدموية، وعن تقطيع جثة الصحافي السعودي جمال خاشقجي وفقًا لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه).

لا يعرف فيسك ما سيقوله كوليس عن هذا الرجل شديد الخطورة، لكنه يرى أن كوليس لا بد وأنه أخبر رؤساءه بأن وليّ عهد السعودية – على أقل تقدير – مختل على نحوٍ فريد، وعديم الأهلية وغير كفء، أو أنه قال كلمات أخرى لها المعنى نفسه، وهي جميعها أوصاف من منظور فيسك «تنطبق على مذبحة اليمن وعلى تقطيع جسد خاشقجي».

يضيف فيسك أن ابن سلمان قيل عنه ما هو أسوأ بكثير مما سبق، لذلك فهو يشك في أن ولي العهد السعودي سيثور مثل ترامب إذا علم أن كوليس كتب عنه بهذه القسوة، لكنه في الوقت نفسه لا يرى أن تسريبات «التقارير الدبلوماسية» للسفير ستزيد من الدعوات المُرسلة إليه على القصر الملكي. أيضًا لن تُسهَّل التسريبات الطريق أمام دفعة الأسلحة القادمة التي تنوي المملكة المتحدة بيعها إلى «الأمير الصغير الجريء» ليستخدمها في غارات جوية محتملة في اليمن.

ويرى الكاتب أن أحدًا لن يقطع جسد كوليس، لكن غضب الأمير قد يحل على سفير أو اثنين، وفي سن الثالثة والستين – أي عامين قبل سن التقاعد – ستتوقف حياة كوليس المهنية فجأة.

مصر

بعدها ينتقل فيسك فوق الساحل الشمالي للخليج وعبر سيناء متجهًا إلى القاهرة، ومنها لوسط المدينة حيث تقع السفارة المهيبة للمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية.

وهناك في حي جاردن سيتي في القاهرة، يكتب جوفري آدمز، سفير المملكة المتحدة لدى مصر وخليفة إفلين بارينج ومايلز لامبسون التقارير الدورية إلى وزارة الخارجية البريطانية. وبحسب فيسك فيجب أن تحتوي التقارير على آخر أخبار الدولة البوليسية وأكثرها فظاعة، حيث يديرها المشير – الرئيس عبد الفتاح السيسي بكفاءة وحشية، بعدما أطاح بالرئيس السابق محمد مرسي؛ أول رئيسٍ منتخب ديمقراطيًا في البلاد.

وهنا يُعرب فيسك عن يقينه بأن جوفري لا بد وأنه أبلغ عن موت مرسي داخل قفصه بالمحكمة الشهر الماضي، ونقل وجهة نظره إلى وزارة الخارجية عن الرئيس الوحشي، وأحلام السيسي بقاهرةٍ جديدة، ومشروع «توسعة» قناة السويس عديم الفائدة، واعتقالاته الشائنة لـ60 ألف سياسي، والتعذيب الذي تمارسه الشرطة، والأساس المالي الفاسد لثروة الجيش المصري.

Embed from Getty Images

وجوفري، الذي درس في كلية إيتون وهو – بخلاف جيم داروك – مخضرم آخر في الشرق الأوسط؛ إذ عمل في طهران وجدة والقدس وتفصله ثلاث سنوات على التقاعد، لا بد له هو أيضًا، من وجهة نظر فيسك، وأن وصف السيسي – الرئيس الذي فاز في الانتخابات بنسبة 97.08% على غرار صدام حسين – بأنه – على الأقل – مختل على نحو فريد، وعديم الأهلية وغير كفء. أو كلماتٍ لها نفس المعنى.

ويتوقع الكاتب أنه في حال كان جوفري قد أقدم على فعل ذلك، وإذا وقعت «تقاريره الدبلوماسية» البليغة إلى لندن في أيدي مُسرَّب، أن لا يتقبل السيسي مفرط الحساسية جوفري بلطف.

في الواقع يعتقد فيسك أن جوفري سيجد نفسه مُستبعدًا في القاهرة من الدعوات الحكومية بأكملها. أما الإعلام المصري فشديد التملق للدولة إلى درجة جعلت مذيعي التلفاز يرتدون أزياء عسكرية عندما نظم السيسي انقلابه على مرسي، فيخشى الكاتب أنه قد يصعَّد من نقده اللاذع للسفير البريطاني. ويشير إلى أنه في المملكة المتحدة سيتوجب على جوفري ترك منصبه، سواء كان من يسحب البساط من تحته هو رئيس الوزراء المقبل الجبان أم لم يكن.

تركيا

مرة أخرى ينتقل فيسك بالقراء عبر البحر المتوسط إلى أعالي التلال القاتمة في أنقرة، حيث يتوجب على دومينيك تشيلكوت النائب السابق لسفير واشنطن والسكرتير الخاص لاثنين من وزراء الخارجية، إرسال تقارير دورية عن الحاكم الديكتاتوري والفرعوني بالدرجة نفسها، الذي اعتقل 50 ألف معارض سياسي بعد محاولة الانقلاب عليه في يوليو (تموز) 2016، بما في ذلك آلاف القضاة والمعلمين والأكاديميين والصحافيين.

أضعفت خسارة إسطنبول في الانتخابات المحلية بالكاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي تراخت قبضته على الاقتصاد، لكن ومع ذلك لا تزال دولته البوليسية تبدو أقوى من أي وقت مضى، بحسب فيسك، الذي رأى أن خطة الرئيس التركي لحفر قناة ضخمة تصل البحر الميت ببحر مرمرة شبيهة بقناة السويس «الجديدة» التي حفرها السيسي.

رجب طيب أردوغان

يذكر فيسك أن أردوغان يتعامل مع معارضيه وكأنهم نبات القرّاص الكبير السام فيقتلعهم، ويسب الاتحاد الأوروبي وروسيا بشكلٍ متهور (إلى أن هدد بوتين بتدمير اقتصاد تركيا)، ويمارس الحكم من القصر العثماني الذي طُليت مقاعده بالذهب.

ويبدي الكاتب ثقته من أن السفير دومينيك لابد وأنه وصف بدوره أردوغان بأنه مختل على نحو فريد، وعديم الأهلية وغير كفء، أو بكلمات لها المعنى نفسه، لكنه أضاف أن مُسرَّب التقارير الدبلوماسية سيُسارع إلى وضع حدٍ لمثل هذا الهراء من جانب السفير البريطاني في تركيا، مشيرًا إلى أن أردوغان لن يتردد في إعطاء دومينيك أمرًا بأنه أصبح غير مرحب به، وعليه الرحيل، سواء تخلى عنه «المهرجا» الذي سيصير رئيس وزراء بريطانيا أم لا.

إيران

بعدها يتعمق فيسك أكثر داخل الشرق الأوسط متناولًا إيران، حيث يستمتع السفير البريطاني نيكولاس هوبتون، وله خبرات دبلوماسي سابقة في الرباط وقطر وصنعاء، بحديقته في محل إقامته خلال الصيف البارد في شمال طهران، لكن تلك التقارير الدورية التي يُرسلها إلى وزارة الخارجية لابد أنها وصفت في وقتٍ ما الجمهورية الإسلامية بأكملها بالاختلال، وانعدام الأهلية والكفاءة، أو كلمات أخرى لها المعنى نفسه، مثلما يقول الكاتب.

يتخيل فيسك مُسرَّب التقارير وهو يضرب مجددًا. وفي وطن شديد الاعتزاز والفخر حيث يطغى شعور بخيانة الغرب لهم في الصفقة النووية، وهي خيانة وقعت بالفعل، يرى أن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية لن يتردد في نبذ هوبتون وتشجيعه على استقلال أول طائرة متاحة في مطار الإمام الخميني الدولي متجهة إلى لندن.

بالطبع لا يصيب السفراء دائمًا. ويُعطي فيسك مثالين على ذلك: الأول هو دعم أحد السفراء السابقين لهوبتون للشاه عام 1979 وذلك بعد فترة طويلة من تحتم إطاحته. أما الثاني هو تمكن أحد السابقين لكوليس من إقناع موظف خدمة مدنية بريطاني بالتنازل عن إجراء تحقيق في أهم صفقة أسلحة تبرمها المملكة المتحدة مع السعودية، لكنهم بصفةٍ عامة يحاولون إيصال الحقيقة، وهو أمر يستحق تذكره.

إيران

حسن روحاني

لا يرى فيسك أن خطأ كيم داروك كان وصف البيت الأبيض وإدارة ترامب بأنها مختلفة أو عديمة الأهلية أو لا تتمتع بالكفاءة، ولا كان خطأ كيم داروك بالنسبة لواشنطن هو تسرب توبيخه الخفيف نسبيًا لإدارة الولايات المتحدة.

وكذلك لم يكن له علاقة بما إذا كان داروك أو لم يكن «شديد الغباء» أو «أحمقًا متعجرفًا»، مثلما وصفه الرئيس الأمريكي المختل عديم الأهلية والكفاءة. ويقول الكاتب: «إن الدبلوماسيون العرب لطالما أخبروه أنهم يرون سفراء المملكة المتحدة متعجرفين».

ويوضح الكاتب أن خطيئة كيم – من وجهة نظره – كانت فعلته الشريرة الآثمة العظمى التي لا توصف ولا تُغتفر، ذنبه الجلي هو أنه قال الحقيقة.

ويردف أن هذا هو السبب الوحيد وراء «الأزمة» الطفولية التي تعصف برئيس الوزراء البريطاني المحتمل المقبل بوريس جونسون – المتحذلق بما يكفي لكن أكثر جبنًا من أن يساند حق كيم في الإبلاغ – وحزب المحافظين البريطاني وأنصار البريكسيت والخدمة المدنية بالمملكة المتحدة وبكل المهرجين الرُضّع الذين يعملون على إخراج بريطانيا من أوروبا، على حد وصف الكاتب.

ويوضح فيسك جدية هذه المسألة، عن طريق افتراض أنه في حال كتب كيم داروك ثناءً ومديحًا على طريقة بوريس، جعل ترامب يرد عليه بتغريدة يُعبر فيها عن إعجابه بالدبلوماسي فصيح اللسان، فحينها بالتأكيد كان رئيس الولايات المتحدة ليحث بريطانيا على تمديد تاريخ تقاعد كيم لأجل غير مسمى، وكان ليخبر بوريس جونسون أن يجعله وزير الخارجية المقبل في المملكة المتحدة، أو حتى جعله رئيس وزراء مُحتمل مستقبلًا.

ويتساءل الكاتب عما سيكون عليه الوضع ماذا إذا قرر مُسرَّب التقارير الدبلوماسية نشر التقارير الدورية – مثلما فعل مع كيم داروك – للسفراء كوليس وآدمز وتشيلكوت وهوبتون في غرفة أخبار صحيفة «الديلي ميل» البريطانية؟ كم ستكون السنوات المهنية الأخيرة لهؤلاء الدبلوماسيين سعيدة، إذا قال كل منهم عن طاغية البلد الذي يعمل فيه في الشرق الأوسط أنه «رجل صالح» – وهو وصف ترامب للسيسي – يقود بلاده بمقوماته الديمقراطية التي تترسخ ببطء نحو مرتفعات مشمسة من الحرية والعدالة؟ ويقول إنه أصبح الآن يعرف إلى أين تقود مثل هذه النوع من التصرفات.

ويعرب فيسك عن إيمانه بأن الدبلوماسيين البريطانيين لا يكتبون مثل هذه القمامة، حتى ولو شجعهم رئيس الوزراء المُحتمل المقبل على ذلك. ويقول في النهاية: إذا وصلت إلى السلطة فوق بحرٍ من الأكاذيب، فقد تسمح بعد ذلك أيضًا بأن تصير تلك الأكاذيب على مستوى عالمي. ويرى أن خيانة السير كيم، مثلما يصفها، تبعث برسالة إلى كل دبلوماسي بريطاني: لا تنتقد الطغاة أو شرطتهم أو جلاديهم. وسيتماشى ذلك مع تولي برويس جونسون رئاسة الوزراء.

ويقول فيسك في ختام مقاله إنه يعتقد أن سفراء المملكة المتحدة في الشرق الأوسط سيواصلون قول الحقيقة، لكنه ينصحهم بعد كتابة أي «تقرير دبلوماسي»، بإحكام إغلاق الوثيقة في مظروف ورقي، ووضعه وهو مكتوب باليد، وليس مطبوعًا من جهاز لابتوب في جيبٍ داخلي مُحكم الغلق، وأخذ طائرة إلى لندن، ثم سيارة أجرة إلى وزارة الخارجية؛ حتى لا يقعوا ضحايا للمُسربين.

وهناك يمكنهم، إذا كانوا يثقون بوزير الخارجية الجديد، طلب تسليم التقرير يدًا بيد إلى رئيسهم. وإذا كان بوريس جونسون هو رئيس الوزراء، فربما سيكون عليهم التأكد ألا تطير الورقة عبر الشارع إلى البناية رقم 10 حيث يقيم.

روبرت فيسك: هل ينجح لبنان في «الرقص على الحبل» بين مصالح السعودية وإيران والغرب؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد