نشر موقع «ميدل إيست آي» تقريرًا أعدَّه الصحافي أريب الله، الذي يغطي شؤون العمال المهاجرين في الخليج وسوريا وسياسة مكافحة الإرهاب والحركات الاجتماعية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يستعرض الأسباب التي دفعت بعض مسلمي بريطانيا للعزوف عن متابعة المملكة العربية السعودية في رؤية هلال شهر رمضان.

يستهل الكاتب تقريره بقصة كارين هول، التي اعتنقت الإسلام في نيجيريا عام 2001، وبينما كانت تتوق بشغف إلى بدء رحلتها الجديدة، كانت مطالع القمر آخر ما يخطر ببالها.

كان عليها تعلم كيفية الصلاة والالتزام بالمبادئ الأساسية للإسلام، من خلال حضور الدروس والتحدث إلى الأصدقاء عند عودتها إلى مسقط رأسها في ليدز بالمملكة المتحدة.

أيام مختلفة لعيد واحد

لكن لم تكد تمضِ سنوات قليلة حتى بدأت كارين، التي تعمل مديرة وتبلغ من العمر 52 عامًا، بملاحظة أن أصدقائها في المملكة المتحدة يحتفلون بنهاية شهر رمضان في أيام مختلفة.

تتذكر كارين، التي عادت إلى المملكة المتحدة بعد اعتناقها الإسلام: «كنت أرى صديقًا يحتفل بالعيد في يوم، وصديقًا آخر يحتفل في يوم مختلف تمامًا»، مشيرة إلى أنها كانت تتبع الرؤية التي يعتمدها مسجدها المحلي؛ على سبيل الاحتياط.

ترفيه

منذ شهر
أيها ستتابعه؟ أبرز 13 مسلسلًا منتظرًا في رمضان 2021

ومع ذلك، فإن السؤال عن موعد بدء شهر الصيام والانتهاء منه، والذي يُحدده رؤية هلال الشهر الجديد، طُرِح مرة أخرى عندما قال مدرس القرآن لابنها: إنه سيتبع رؤية المغرب لهلال الشهر بدلًا من السعودية.

قالت كارين: «بدأت أسأل نفسي أي هذه الرؤى أصوب. فقبل عامين، خضتُ معركة داخلية عميقة لمعرفة متى من المفترض أن أبدأ الصيام؟ وما إذا كان ينبغي لي متابعة رؤية هلال الشهر حسبما يظهر هنا في المملكة المتحدة أم في مكان آخر؟».

وأشار الكاتب إلى أن كارين شأنها شأن ملايين المسلمين حول العالم، كانت تستعد لصيام شهر رمضان المبارك هذا الأسبوع بانتظار إعلان رؤية الهلال الجديد، ويتابع موضحًا بأن شهر رمضان هو الشهر التاسع في التقويم القمري الذي يتبعه المسلمون، والذي يتألف من 12 شهرًا؛ كل شهر ما بين 29 و30 يومًا، اعتمادًا على رؤية الهلال الجديد في اليوم التاسع والعشرين من كل شهر. ويكتمل الشهر 30 يومًا حال عدم رؤية الهلال الجديد.

رمضان واستطلاع الهلال

وأوضح الكاتب أن العادة جرت على اجتماع المسلمين في منطقة لمشاهدة غروب الشمس في اليوم الـ29 من الشهر القمري، ثم ينتظرون لاستطلاع هلال الشهر الجديد في النقطة التي غربت فيها الشمس. وينتشر مستطلعو الهلال في جميع أنحاء البلاد، وتحث السلطات الجمهور على الإبلاغ عن أي رؤية للهلال الجديد.

Embed from Getty Images

وبينما تعتمد البلدان ذات الأغلبية المسلمة، مثل مصر وإيران وليبيا والمغرب وعمان وتركيا وتونس، على مستطلعيها المحليين لتحري الهلال الجديد، ينتظر عديد من المسلمين في جميع أنحاء العالم إعلان السعودية، موطن أقدس المواقع الإسلامية، عن رؤية هلال شهر رمضان.

لكن في السنوات الأخيرة، بدأت بعض الدول والمجتمعات الإسلامية في التشكيك في صحة رؤية السعودية للهلال، ذلك أن السعودية تعتمد على تقويم أم القرى، وهو تقويم قمري مختلط تحدد فيه ثمانية أشهر مسبقًا ولا تستند إلى رؤية الهلال، في حين تستند لرؤية الهلال في الأشهر الأربعة المتبقية التي ترتبط بأداء شعائر إسلامية مقدسة مثل الحج والصيام.

وفي يوم الخميس الماضي، أصدرت المحكمة العليا في السعودية بيانًا تحث فيه الجمهور على الإبلاغ عن أي رؤية للهلال يوم الاثنين الذي يوافق 12 من شهر أبريل (نيسان) بسبب «تناقضات في تقويم أم القرى» لشهر شعبان.

ونوَّه الكاتب إلى أن مخططات رؤية الهلال التي أصدرتها «هيئة استطلاع الهلال» في بريطانيا تظهر أيضًا استحالة رؤية الهلال في الخليج أو المملكة المتحدة حتى يوم الثلاثاء.

وينقل الموقع عن الباحث الإسلامي سليمان جاني من جنوب غرب لندن قوله: إن تقويم أم القرى يعني أن الرياض تستطلع الهلال «قبل يوم واحد من الوقت الذي يمكن فيه فعليًّا رؤية الهلال الجديد».

وتابع قائلًا: «تخبرنا مخططات رؤية الهلال والفلكيون بأن السعودية تخطئ في بعض الأحيان؛ فالقمر لم يكن حتى في الأفق بالنسبة للسعودية في بعض السنوات، فكيف يمكننا الاستمرار في متابعة رؤيتها؟»

كذلك حثت المراجع الدينية الرائدة في المملكة، بما في ذلك الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، مفتي السعودية، المسلمين في بريطانيا على عدم اتباع رؤية المملكة.

رؤية أقرب دولة إسلامية لمحل إقامتك

لكن الكثيرين ما زالوا يتابعون السعودية في تحديدها لبداية الشهر، أو يختارون متابعة البلدان الأقرب إلى بلادهم، مثل المغرب، الأمر الذي يضع المجتمع وحتى العائلات في وضع حرج، حين يبدأون شهر رمضان وينهونه في أيام مختلفة.

أوضح إقبال سكراني، الأمين العام المؤسس للمجلس الإسلامي البريطاني، أن قرار المسلمين البريطانيين باتباع رؤية السعودية أو المغرب أو بلدهم الأصلي بدلًا من رؤية الهلال في بريطانيا ينبع من الاعتقاد بأن سوء الأحوال الجوية في بريطانيا يمكن أن يجعل من المستحيل رؤية الهلال الجديد.

وقال سكراني، الذي لديه اهتمام خاص برؤية الهلال: «حتى فترة الثمانينيات، كان غالبية المسلمين يتبعون رؤية المغرب؛ لأن الشريعة الإسلامية تنص على أنه إذا كنت غير قادر على رؤية الهلال في بلدك، فعليك أن تتبع رؤية أقرب دولة إسلامية لمحل إقامتك».

Embed from Getty Images

وتابع: «لكن المشكلة هي أن إعلان رؤية الهلال في المغرب تصل المملكة المتحدة بعد منتصف الليل، مما يتعذر معه معرفة ما إذا كان رمضان أو العيد في اليوم التالي قبل فوات الأوان، أو أن القمر لم يكن قد ظهر في أفقنا».

لمعالجة هذه الإشكالية، جمع سكراني علماء مسلمين من جميع أنحاء بريطانيا من مختلف الطوائف والمجموعات الفرعية لمناقشة مسألة رؤية الهلال في بريطانيا وحلها خلال مؤتمر عام 1984.

وأعرب عن اعتقاده أنه إذا تمكن المسلمون من متابعة البيانات من المرصد الملكي في جرينتش لتحديد وقت الصلاة، فيمكنهم فعل الشيء ذاته فيما يتعلق بموعد بدء شهر رمضان وموعد الاحتفال بالعيد.

واتخذ المؤتمر قرارًا قال فيه إنه سيتبع الرؤية المحلية في بريطانيا لهلال رمضان وسيتبع السعودية في تحديد عيد الأضحى الذي يصادف نهاية فترة الحج. ومع ذلك، قررت بعض الجماعات الإسلامية أن تدير ظهرها للقرار وتستمر في اتباع رؤية السعودية أو المغرب.

وتابع سكراني: «من غير الواضح لماذا قرروا العودة لمتابعة رؤية السعودية أو المغرب. قد يكون ذلك بسبب الارتياح، أو لعدم فهم كيفية رؤية الهلال».

حاول سكراني مرة أخرى إثارة هذه القضية أثناء ترؤسه للمجلس الإسلامي البريطاني في عام 1997. ولكن مع انقسام عضوية الهيئة الجامعة حول هذا الموضوع، صوت المنتسبون للمجموعة لصالح السماح للمجتمعات المحلية بتحديد الخيار الأفضل بالنسبة لهم.

قال سكراني: «عندما تحدثت إلى الحكومة البريطانية في عام 1997، كانوا مستعدين لجعل العيد عطلة وطنية لأطفال المدارس، ولكن عندما سألوني في أي يوم، لم نتمكن من الاتفاق على ذلك بسبب الانقسام».

تقويم قمري جديد

الآن، قَبِل جيل جديد من المسلمين البريطانيين التحدي. ويستشهد التقرير على ذلك بقول عماد أحمد، الأكاديمي والباحث المقيم في لندن: إن الارتباك دفعه إلى تولي زمام الأمر بنفسه. مسلحًا بخرائط رؤية الهلال، صعودًا إلى نقطة مشاهدة عالية، أراد أحمد إثبات أمر واحد: «هل يمكننا رؤية الهلال في المملكة المتحدة؟».

قال أحمد، مؤسس جمعية الهلال الجديد، وهي مجموعة تهدف إلى إحياء التقاليد الإسلامية لرؤية الهلال في المملكة المتحدة: «يمكن أن يكون الجو غائمًا في لندن، لكن هذا لا يعني أنه غائم في برمنجهام أو إسكتلندا في اليوم نفسه. إذا كان هناك مستطلِعون في جميع أنحاء البلاد، فستكون هناك فرصة أفضل لرؤية الهلال إذا كان في الأفق».

Embed from Getty Images

على مدى السنوات الثلاثة الماضية، كانت جمعية الهلال الجديد تجمع بيانات رؤية الهلال من جميع أنحاء المملكة المتحدة من خلال تشجيع المسلمين المحليين على الخروج وتحري الهلال. وتأمل الجمعية في أن تساعد جمع بيانات كافية في إنشاء تقويم قمري للمسلمين في بريطانيا ليتبعوه.

وأكمل أحمد: «نأمل أن نتمكن من تحقيق ما حاول كثيرون من قبل تحقيقه لكنهم لم يستطيعوا، وهو الاحتفال بالعيد في اليوم نفسه، وذلك من خلال إنشاء تقويم قمري في بريطانيا». وتابع: «هذا جزء من قصة بناء المؤسسات الإسلامية أو المنظمات الإسلامية في المملكة المتحدة. ذات مرة، لم يكن هناك مساجد في المملكة المتحدة أو طعام حلال. يمكن أن يكون إنشاء تقويم قمري هو الجزء التالي من قصة المسلمين في بريطانيا».

منذ تأسيس جمعية الهلال الجديد، سافر أحمد في جميع أنحاء المملكة المتحدة، وقدم عروضًا للمسلمين وشيوخ المساجد حول إمكانية إنشاء تقويم قمري. وهو يعتقد أن إنشاء مثل هذا التقويم لبريطانيا يمكن أن يكون ممكنًا مع تزايد عدد رجال الدين ولجان المساجد المقتنعين بالفكرة. وأوضح أحمد أن جوهر هذا السؤال هو: ما هو الوقت ومن لديه السلطة لتحديد الوقت؟

وأردف: «لا يمكن الاتفاق على تقويم قمري إسلامي بدون المجتمع. إذا رأى المجتمع الهلال، فعليك أن تبدأ، وإذا لم يفعل، فلن تتمكن من البدء». وأضاف: «لا يمكن أن تجري هذه العملية بدون مشاركة المجتمع لأنك بحاجة إلى مستطلعي الهلال في أجزاء مختلفة من البلاد. لا يمكن لأي شخص القيام بذلك بمفرده».

صحة

منذ سنة واحدة
ماذا يحدث لجسم مريض السكر والقلب أثناء الصيام؟ دليلك من أجل صيام آمن

في إحدى الفعاليات التي نظمها أحمد التقى بكارين وغيَّر حياتها. قالت كارين: «تشعر بالرهبة في المرة الأولى التي ترى فيها هلال رمضان، وعندما تراه مرة، تريد رؤيته مرارًا» مضيفة أن رؤية الهلال تغمرك بالبهجة لأنك لا ترى الهلال الجديد كل شهر.

تتبع كارين الآن رؤية الهلال في بريطانيا منذ ما يقرب من عامين، وتمضي وقتًا كل شهر في اليوم التاسع والعشرين من الشهر القمري لتحري الهلال الجديد مع آخرين من جمعية الهلال الجديد. وهذا يعني أيضًا أنها توقفت عن الذهاب إلى صلاة العيد في مسجدها المحلي، والذي يتبع رؤية السعودية للهلال.

وتقول: «قد يكون من الصعب حقًّا عدم القدرة على بدء شهر رمضان والعيد في اليوم نفسه مع الأصدقاء، لكننا ما زلنا نرى بعضنا بعضًا ونتبادل التهاني بالعيد»، مضيفة أن الناس يشعرون بالفضول ويذهب بعضهم معها لرؤية الهلال كل شهر.

وتقول في ختام التقرير: «يرغب الجميع في توحيد بدء الصيام في اليوم نفسه، لكن السؤال يتعلق بكيفية تحقيق ذلك، وأعتقد أننا وجدنا حلًّا لجعل ذلك ممكنًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد