العجز البريطاني في مواجهة مذابح الروهينجا يثبت ثانية أن الفظاعات التي ترتكب في حق المسلمين المستضعفين لا تعني الكثير، أو لا يؤبه لها في دواوين الغرب. هكذا افتتح الكاتب الصحافي بيتر أوبورن مقاله المنشور في موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، وفيما يلي الترجمة الكاملة لنص المقال:

«خلال ساعات من وقوع انقلاب ميانمار في الأسبوع الماضي انهالت التنديدات من كل حدب وصوب. بدأت بريطانيا تنظر في فرض عقوبات جديدة، بينما تعهد الرئيس الأمريكي جون بايدن باتخاذ إجراءات ضد القادة العسكريين الذين وجهوا الانقلاب الذي أطاح زعيمة ميانمار الحاصلة على جائزة نوبل أون سان سو تشي».

في لندن دعت وزارة الخارجية سفير ميانمار يو كياو زوار وين منبهة إلى الحاجة للعودة السلمية إلى الديمقراطية، وأدان رئيس الوزراء بوريس جونسون الاحتجاز غير المشروع للزعيمة أون سان سو تشي.

سيقول كثيرون: إنه من الصواب أن يحتج المرء على عودة الدكتاتورية العسكرية إلى ميانمار، ورغم أنني أتفق بقوة مع من يرى أن استيلاء العسكر على السلطة خطير، وينبغي أن يندد به، إلا أن هناك ازدواجية في المعايير هنا، فكل هذا الحديث عن الفضائل من قبل بريطانيا والغرب لا ينطلق من أي إيمان أو مصداقية.

المحاولة الانقلابية في تركيا

دعونا أولًا نتذكر رد الفعل الغربي على المحاولة الانقلابية ضد الرئيس رجب طيب أردوغان في تركيا في يوليو (تموز) 2016. فبينما كان الجيش التركي يحتل المطارات ويقصف البرلمان، وصفت سفارة الولايات المتحدة في أنقرة في رسالة عاجلة وجهتها إلى المواطنين الأمريكيين المحاولة العسكرية للاستيلاء على السلطة بالانتفاضة.

وقامت «بي بي سي عربي» و«سكاي نيوز عربية» وقناة «العربية» وقناة «آي تي إن» البريطانية ومختلف الشبكات الأمريكية جميعها ببث تحليلات وتعليقات تفيد بأن أردوغان قد انتهى. وكما كتب ديفيد هيرست حينها في «ميدل إيست آي»: «فقط عندما تأكد بجلاء أن الانقلاب قد فشل بادر الرئيس باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري بإصدار بيانات تساند أردوغان بشكل لا لبس فيه».

Embed from Getty Images

أذكر أنني أصبت بالدهشة الشديدة وأنا أتابع بي بي سي بينما كان أحد كبار مراسليها يقدم تقريره للمشاهدين. وكما لاحظت في حينها كان المراسل يتكلم تمامًا كما لو كان ناطقًا رسميًا باسم مدبري الانقلاب. ثلاثة بلدان فقط هي التي دعمت أردوغان منذ اللحظة الأولى: المغرب، وقطر، والسودان. أما القوى الغربية فكانت جميعها تؤثر الانقلاب ضد أردوغان، إلى أن ثبت فشله.

وتقدم مصر مقارنة لا تقل صدمًا. لم تخف الولايات المتحدة أنها في واقع الأمر كانت تدعم الانقلاب العسكري الذي أطاح بأول رئيس منتخب بحرية في البلاد، محمد مرسي في 2013. فخلال بضعة أيام أصدر كيري موافقة لا لبس فيها على تدخل الجيش، بما في ذلك جزمه بأن الجيش المصري كان «يستعيد الديمقراطية». ولذلك رفضت واشنطن وصف استيلاء العسكر على السلطة بالانقلاب.

دعم السيسي

وسارت بريطانيا على نفس النهج. صحيح أنه بعد المذبحة الفظيعة في ميدان رابعة العدوية بالقاهرة، حيث قتلت القوات المصرية ما يزيد عن 800 من المعتصمين في ساعات قليلة، تغير السلوك الغربي، وصدر أمر بتعليق رخص تصدير البضائع التي يمكن أن تستخدم في أعمال القمع الداخلي.

إلا أن تلك الهواجس ما لبثت أن تبددت واختفى كل وخز للضمير. بحثت في التصريحات التي أدلى بها جون كاسون، السفير البريطاني السابق في مصر، بعد الانقلاب. تولى كاسون مهام منصبه في شهر أغسطس (آب) من عام 2014، أي بعد شهرين من استلام الجنرال عبد الفتاح السيسي لمنصب الرئاسة. ومع ذلك لم أجد أي شكاوى حول عمليات القتل الجماعي التي كان ينفذها نظام السيسي بحق المواطنين المصريين، ولا بشأن التعذيب والاغتصاب الذي كان يمارس ضد المساجين السياسيين في معتقلات مصر.

Embed from Getty Images

بدلًا عن ذلك كان السفير البريطاني يكيل المديح لمصر لما كانت تقوم به من «بناء مستقبل أكثر استقرارًا وأكثر ثراء وأكثر ديمقراطية». بعد ذلك أبرمت مع مصر صفقات سلاح جديدة، ولم يمض وقت طويل حتى دعي السيسي إلى بريطانيا لزيارة دوانين ستريت. صدرت تلك الدعوة بينما كان مرسي يضاف إلى قائمة مصر الطويلة من أحكام الإعدام.

لم تزل انتقائية الغرب في التعبير عن سخطه إزاء قضايا حقوق الإنسان سمة دائمة من سمات تصريحات السياسة الخارجية البريطانية والأمريكية منذ الانقلاب الإيراني في عام 1953. من السهل أن يكون المرء متشككًا، ولكن تفشي النفاق الأخيرة في ميانمار يوجه رسالة أكثر سوداوية، ومفادها أن الغرب لا يبالي إطلاقًا بجريمة الإبادة العرقية.

عمليات قتل ممنهجة

كانت عمليات القتل تلك منتظمة، وخطط لها مقدمًا، ووصفها كثير من القضاة النزهاء، بما في ذلك محققو الأمم المتحدة، بأنها تطهير عرقي. في بريطانيا، كان جونسون حينها وزيرًا للخارجية. في ذلك الوقت لم يخطر بباله أن يتصل بسفير ميانمار ليشتكي. بل بدلًا عن ذلك وفر ذراعًا واقيًا لحكومة أون سان سو تشي بينما كانت المذابح مستمرة.

في لقاء طارئ حول القضية، ندد مارك فيلد، الذي كان يتحدث باسم وزارة الخارجية التي يرأسها جونسون، بالهجمات التي يشنها مسلحو الروهينجا على قوات الأمن البورمية، دون أن يذكر ولو بكلمة واحدة الاغتصاب، والقتل، والحرق، وقطع الرؤوس، الذي كان يرتكب بشكل منتظم بمباركة من الدولة.

أخذًا في الاعتبار الظروف الفظيعة، فإنني أعتقد بأن خطاب فيلد مثل واحدة من أكثر اللحظات سوداوية في التاريخ المعاصر للسياسة الخارجية البريطانية. وزاد من شناعة ذلك أن بريطانيا كانت «حامل القلم» حول ميانمار داخل مجلس الأمن الدولي.

وباعتباره رئيسًا للوزراء حافظ جونسون على لامبالاته بمعاناة الروهينجا. بل العار كل العار هو أن حكومة جونسون رفضت الانضمام إلى القضية التي رفعتها غامبيا ضد ميانمار لانتهاكها معاهدة تحريم الإبادة العرقية، وذلك ردًا على معاملة ميانمار للروهينغيا. كل التحية لغامبيا، ولكن بريطانيا كانت أحق بكونها «حاملة القلم» برفع هذه القضية.

حكمة أعمق

لدى جونسون الآن سجل محقق من الإخفاق في التصدي للإبادة العرقية، فقد أفشلت حكومته هذا الأسبوع مبادرة في مجلس العموم لمنح المحاكم البريطانية دورًا في تحديد ما إذا كان بلد ما يرتكب الإبادة العرقية.

تم ذلك من خلال أساليب تهكمية، إذ تم ترتيب عملية التصويت بحيث لو أن أعضاء متمردين من حزب المحافظين قرروا مساندة التعديل فسوف يجدون أنفسهم يساندون في نفس الوقت تعديلًا منفصلًا يتبناه حزب العمال لفرض تدقيق في وضع حقوق الإنسان قبل التوقيع على الصفقات التجارية.

يوجد هنا حكمة أعمق في التساهل السطحي الرخيص لحكومة جونسون مع السلوك غير الإنساني. تثبت قضية الإبادة العرقية للروهينجيا، تارة أخرى، أن الفظاعات التي ترتكب بحق المسلمين المستضعفين لا تعني الكثير أو لا يؤبه لها في دواوين الغرب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد