قال الكاتب إيان ستوري في مقال على موقع «ذا دبلومات» إنه في هذا الوقت من العام المقبل، إذا سارت الأمور وفقًا للخطط التي تضعها حاليًا وزارة الدفاع البريطانية، فستنشر البحرية الملكية أكبر أسطول من السفن الحربية في آسيا منذ عشرات السنين.

ستقود أكبر سفينة حربية تابعة للبحرية الملكية على الإطلاق، وهي حاملة الطائرات «إتش إم إس كوين إليزابيث» وتقدر قيمتها بـ3.9 مليارات دولار وتبلغ 65 ألف طن مجموعة حاملة الطائرات الهجومية. ستنقل الحاملة سربًا من الطائرات المقاتلة التابعة لسلاح الجو الملكي «إف-35بي» بالإضافة إلى سرب تابع لمشاة البحرية الأمريكية «إف-35بي إس». وسترافقها ما يقرب من 9 إلى 10 سفن حربية أخرى، وهي مزيج من المدمرات والفرقاطات، وسفن الدعم والغواصات، وربما سفينة من حليف الناتو.

سيزور الأسطول جنوب شرق آسيا وسيتوجه إلى قاعدة شانجي البحرية في سنغافورة. وربما يشارك أيضًا في الأنشطة البحرية للاحتفال بالذكرى الخمسين للترتيبات الدفاعية الخمس، وهو التحالف العسكري الذي يربط المملكة المتحدة بسنغافورة وماليزيا وأستراليا ونيوزيلندا. وسيبحر عبر بحر الصين الجنوبي – ربما يشارك في مناورات مشتركة مع سفن حربية من الولايات المتحدة واليابان وأستراليا – مما سيثير حتمًا غضب الصين. وقد تنتقل الحاملة بعد ذلك إلى اليابان، وتمر على الموانئ على طول الطريق. وسيعود الأسطول إلى المملكة المتحدة بعد مرور خمسة إلى ستة أشهر.

على الرغم من أن المهمة قد أثارت اهتمامًا كبيرًا في وسائل الإعلام، فإن الأنشطة المستقبلية لحاملة الطائرات، وأنشطة شقيقتها السفينة «إتش إم إس برينس أوف ويلز» (من المقرر أن تصبح جاهزة للعمل في عام 2023)، هي الأكثر إثارة للاهتمام. بالنسبة إلى كبار الضباط في البحرية الملكية، فقد أشاروا إلى أنهم يرغبون في رؤية الحاملة تقضي وقتًا طويلًا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

البحرية الملكية ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ

في ندوة عبر الإنترنت استضافها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في يوليو (تموز)، وصف نائب الأدميرال جيري كيد، قائد أسطول البحرية الملكية، حاملات الطائرات بأنها «دليل على نية بلاده الوجود على المسرح العالمي في المستوى الاستراتيجي». وقال إن حاملات الطائرات يمكنها القيام بعدد من المهام بما في ذلك إرسال الرسائل الاستراتيجية، وإبراز القوة، والدبلوماسية البحرية والترويج التجاري.

وبحسب كاتب المقال فقد أشار كيد إلى أنه بينما تظل المنطقة الأوروبية الأطلسية مركز الثقل الاستراتيجي لبريطانيا، لا سيما بالنظر إلى التهديد الذي تشكله روسيا  فإن البحرية الملكية تعود إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وأن «طموحنا هو أن نكون مثابرين تمامًا وأن نكون في المقدمة هناك، سواء مع مجموعة حاملة الطائرات الهجومية أو بدونها».

Embed from Getty Images

تتوافق تعليقات كيد عمومًا مع السياسة البريطانية. فبعد قرار المملكة المتحدة مغادرة الاتحاد الأوروبي في عام 2016، روَّج حزب المحافظين الحاكم لرؤية بريطانيا العالمية التي تتضمن بصمة عسكرية أكبر في المحيطين الهندي والهادئ.

بين عامي 2018 و2020، أرسلت البحرية الملكية خمس سفن حربية إلى آسيا. أبحرت كل من هذه السفن عبر بحر الصين الجنوبي، وأجرت إحداها،«إتش إم إس ألبيون»، عملية حرية الملاحة على النمط الأمريكي (فونوب) في جزر باراسيل في أغسطس (آب) 2018. تعتقد المملكة المتحدة أن حرية الملاحة إحدى الركائز المركزية للنظام الدولي القائم على القواعد وتلتزم بدعمه. في سبتمبر (أيلول)، انضمت بريطانيا إلى فرنسا وألمانيا في تأييد حكم هيئة التحكيم لعام 2016 بشأن بحر الصين الجنوبي، الذي ترفض مزاعم الصين الخاصة بخط التسع شُرط على أنها غير متوافقة مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. إن استمرار الوجود البحري البريطاني في آسيا من شأنه أن يساعد في دعم حرية حقوق الملاحة في بحر الصين الجنوبي.

وجود مستمر

ويتساءل إيان ستوري في مقاله: ما هو بالضبط الوجود المستمر وكيف يمكن تحقيقه؟

«على الرغم من أنه سيكون لدينا فكرة أكثر وضوحًا عن نوايا لندن الاستراتيجية تجاه منطقة المحيطين الهندي والهادئ عندما تنشر الحكومة تقريرها المتكامل للأمن والدفاع والسياسة الخارجية في وقت لاحق من هذا العام، فإن بعض التكهنات ممكنة وكلمة (مستمر) متعمدة، فهي تعني فترة طويلة من الزمن، ولكنها ليست بالضرورة دائمة».

إن فكرة نشر حاملة الطائرات البريطانية بشكل دائم في المنطقة ليست واقعية. في مرحلة ما، سيتعين إجراء تجديد شامل لها، تاركة سفينة أمير ويلز بها، الناقل التشغيلي الوحيد في المملكة المتحدة. وبسبب أهمية المنطقة الأوروبية الأطلسية، يجب أن يكون مقرها في المملكة المتحدة، وبالمثل، عندما يجري تجديد سفينة أمير ويلز، يجب أن تبقى حاملة الطائرات الملكة إليزابيث في بريطانيا.

علاوة على ذلك فإن التكاليف المرتبطة بنشر أكثر من ثلث سفن البحرية الملكية بشكل دائم في الخارج باهظة، لا سيما في الوقت الذي تواجه فيه المملكة المتحدة أسوأ أزمة اقتصادية لها منذ 300 عام بسبب الوباء والشكوك الاقتصادية المتعلقة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في نهاية هذا العام، خاصة إذا فشلت بريطانيا والاتحاد الأوروبي في إبرام صفقة تجارية.

Embed from Getty Images

ويرجح الكاتب أن  الرأي العام البريطاني سيعارض هذه الفكرة.  فالقواعد البحرية توظف آلاف الأشخاص، وفي وقت تتزايد فيه معدلات البطالة في بريطانيا، يتساءل الناس عن سبب إنفاق ضرائبهم على توظيف العمال الأجانب بدلًا من البريطانيين.

وبجسب كاتب التقرير فإن  كلمة «الوجود مستمر» تشير أيضًا إلى أن البحرية البريطانية تتصور نشر حاملة الطائرات في المحيطين الهندي والهادئ مرة واحدة في العام أو كل عامين. ومع ذلك، فمن الممكن نشر فرقاطة أو مدمرة في آسيا على أساس دائم. تستخدم هذا النموذج بالفعل البحرية البريطانية قرب مملكة البحرين، حيث تتمركز «HMS Montrose» حاليًا لمدة ثلاث سنوات.

إلى أين ستتجه البحرية البريطانية؟

بحسب ستوري فإن جنوب شرق آسيا هو أحد الخيارات. ستكون سنغافورة وبروناي على رأس قائمة بريطانيا لأسباب تاريخية وبسبب الروابط الدفاعية الواسعة بين المملكة المتحدة وهاتين البلدين. من بين الاثنين، ستكون سنغافورة الخيار الأكثر منطقية؛ لأن البحرية الملكية البريطانية تحتفظ بالفعل بمنشأة لوجستية بحرية هناك لدعم حرية الملاحة وبسبب المرافق الممتازة في قاعدة شانجي البحرية.

ستكون أستراليا خيارًا آخر، خاصة داروين في الأقاليم الشمالية. ومع ذلك، تشير الدلائل إلى أن الموقع المفضل للبحرية الملكية البريطانية هو اليابان. وهناك ثلاثة أسباب على الأقل لهذا التفضيل.

أولًا: تحتفظ الولايات المتحدة، أقرب حليف لبريطانيا، بقاعدة بحرية كبيرة في يوكوسوكا بمقاطعة كاناجاوا. يتمركز الأسطول السابع للولايات المتحدة هناك، بما في ذلك حاملة الطائرات التي تعمل بالطاقة النووية «يو إس إس رونالد ريجان». جيث تزور السفن الحربية البريطانية ميناء يوكوسوكا بانتظام للصيانة وراحة الطاقم، بما في ذلك «إتس إم إس ألبيون» في عام 2018. في ندوة عبر الإنترنت، اقترح كيد أن الولايات المتحدة يمكنها توفير الدعم اللوجستي للمقاتلات البريطانية من مركزها في اليابان. بالإضافة إلى ميناء يوكوسوكا، يمكن استخدام ميناء ساسيبو حيث توجد «يو إس إس أمريكا»، وهي سفينة هجومية برمائية تبلغ 45 ألف طن. نظرًا إلى أنها أقرب سفينة أمريكية إلى حاملة الطائرات الملكة إليزابيث، فهناك تآزر واضح في عمل السفينتين.

ثانيًا: سيعزز وجود البحرية الملكية في اليابان في تقوية العلاقات الاستراتيجية بين البلدين. في عام 2017، اتفق البلدان على خطة تعاون دفاعي مدتها ثلاث سنوات. المملكة المتحدة هي التالية في الصف بعد أستراليا للتفاوض على اتفاقية وضع القوات مع اليابان، والتي من شأنها أن توفر الإطار القانوني للأفراد العسكريين البريطانيين للوجود في البلاد.

Embed from Getty Images

ثالثًا: من شأن الأسطول البحري البريطاني في اليابان أن يساعد في تحسين إمكانية التشغيل البيني بين أساطيل المملكة المتحدة والولايات المتحدة واليابان، وهو أمر وافقت الدول الثلاثة بالفعل على العمل من أجله. كما تقوم القوات المسلحة الأمريكية والبريطانية بالفعل بتشغيل طائرات «إف-35B»، وتخطط اليابان لشراء 42 طائرة لاستخدامها على متن حاملتي طائرات الهليكوبتر «جيه إس أيزومو» و«جيه إس كاجا» بمجرد إعادة تجهيزها. يمكن للطيارين البحريين التدرب معًا وتبادل الخبرات.

العقبات أمام الوجود البحري البريطاني في اليابان

بينما قد تكون هذه الأسباب الثلاثة مقنعة – يواصل ستوري كلامه – فإن الوجود البحري البريطاني المستمر في اليابان سيواجه عقبات كبيرة. تتمثل العقبة الأولى في التكلفة الباهظة لنشر أسطول من السفن الحربية البريطانية إلى اليابان لفترة طويلة من الزمن، حتى لو وافقت واشنطن وطوكيو على تحمل بعض هذه التكاليف.

وتتمثل العقبة الثانية في المشكلات اللوجستية. إن القاعدة البحرية الأمريكية في يوكوسوكا مزدحمة للغاية، وعلى الرغم من أن الناقلات البريطانية أصغر من نظيراتها الأمريكية، فإن المساحة المطلوبة ستظل كبيرة. يمكن بناء رصيف جديد، لكن هذا سيكلف مئات الملايين من الدولارات.

قد يكون البديل هو استخدام جانب البحرية اليابانية في ميناء يوكوسوكا – يؤكد ستوري – أو حتى وضع الحاملة البريطانية في قاعدة بحرية أخرى في اليابان مثل كوري في مقاطعة هيروشيما. إن العثور على مهبط للطائرات لإيقافها أثناء وجود الحاملة في الميناء سيكون مشكلة لوجستية إضافية، مع توفير 1600 بحار، بالإضافة إلى مئات من طاقم الدعم.

العقبة الثالثة، وربما الأكثر أهمية، ستكون تأمين دعم الحكومة اليابانية، والتي بدورها تعتمد على الرأي العام. لم تصرح الحكومة اليابانية بوجهات نظرها علنًا بشأن الوجود البحري البريطاني في البلاد – يشير ستوري – على الرغم من حرصها على توثيق العلاقات الثنائية من جميع النواحي؛ إذ أبرمت مؤخرًا اتفاقية تجارة حرة مع المملكة المتحدة.

ومع ذلك، لطالما كانت مسألة تمركز القوات العسكرية – اليابانية والأجنبية – مثيرة للجدل لدى الجمهور الياباني. في يونيو (حزيران)، على سبيل المثال، اضطرت الحكومة اليابانية إلى إلغاء نشر أنظمة «إيجيس» الأرضية بسبب المعارضة المحلية. فكيف سيكون شعورهم حيال الوجود البحري البريطاني – حتى لو كان مؤقتًا. لكن من المستبعد جدًّا أن يخاطر رئيس الوزراء، سوجا يوشيهيدي، برئاسته للوزراء من أجل طموحات المملكة المتحدة البحرية في المحيطين الهندي والهادئ.

Embed from Getty Images

مشكلة أخرى – ليست بالضرورة عقبة – ستكون رد الفعل السلبي من الصين. غضبت الحكومة الصينية من بريطانيا بشأن عملية حماية حرية الملاحة، وحذرت المملكة المتحدة من أن وضع حاملة طائرات في آسيا سيكون «خطوة خطيرة للغاية». تدهورت علاقات بريطانيا مع الصين مؤخرًا بشكل كبير بسبب شركة هواوي واحتجاجات هونج كونج، مما يثير التساؤل حول اتفاقية التجارة الحرة، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بين البلدين. سيكون الوجود البحري البريطاني المستمر في آسيا مصدر خلاف آخر في العلاقات الصينية البريطانية.

لعله لا يمكن التغلب على أي من هذه العقبات. بيد أنه يمكن التغلب على المشكلات اللوجستية، لكن هذا سيتطلب نفقات مالية كبيرة، وهو أمر ستجده المملكة المتحدة مرهقًا للغاية في حالتها الاقتصادية الحالية، حتى لو وافق الأمريكيون واليابانيون على المساعدة في تحمل التكاليف. على القدر نفسه من الإشكالية، سيتحتم على لندن إقناع طوكيو بمزايا الوجود البحري البريطاني، وإقناع الحكومة اليابانية للجمهور بأن ذلك في مصلحتهم أيضًا.

دولي

منذ 3 شهور
«نيويورك تايمز»: كيف تُغذي الأسلحة الأمريكية عالم الجريمة في بريطانيا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد