كانت أمواج فضيحة «ووترجيت» عالية، لدرجة أن الرئيس ريتشارد نيكسون لم يستطع الصمود أمامها، واضطر إلى الاستقالة من منصبه ومغادرة البيت الأبيض في عام 1974. مرَّت مياه كثيرة تحت الجسور، وبينما كان الرئيس دونالد ترامب يعتقد أنه قد نجا من فضيحة «روسيا جيت»، إذ به يجد نفسه في عين عاصفةٍ أخرى، متورطًا هذه المرة في فضيحةٍ «أوكرانيا جيت» التي رجَّح إلياس جرول عبر درورية فورين بوليسي بأن تُلحِق ضررًا أكبر بساكن البيت الأبيض الحالي من أي شيء آخر واجهه حتى الآن. 

استهل المقال بالإشارة إلى المزاعم القائلة بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغط على الرئيس الأوكراني المنتخب حديثًا للتحقيق في قضية متعلقة بمنافسه السياسي (جو بايدن ونجله) في مقابل الحصول على مساعدات أمريكية، فعلت في غضون أيام ما لم تفعله فضيحة روسيا خلال عامين: جعلت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي تدعم فتح تحقيقٍ مع الرئيس قد يُفضي إلى عزله.

يحاول ترامب ربط فضيحة أوكرانيا بالتحقيق في التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية عام 2016؛ ليجادل بأنه مثلما عجز المستشار الخاص روبرت مولر عن تقديم دليل قاطع على ارتكاب مخالفات، فإن أي تحقيق بشأن تعامله مع أوكرانيا سوف يلقى مصير الإخفاق ذاته. بيدَ أن الكاتب إلياس جرول، الذي تخرج في جامعة هارفارد، ويعمل في المجلة منذ عام 2002، يرى أن فضيحة أوكرانيا الوليدة تختلف اختلافًا كبيرًا عن الادعاءات المحيطة بالحملة الروسية للتدخل في الانتخابات وساعدت في إدخال ترامب إلى المكتب البيضاوي. 

الأسباب الرئيسية التي يستند إليها الكاتب هي: أن الادعاءات الجديدة ضد ترامب تضعه في قلب القصة، وتكشف تورط مساعديه الرئيسيين، وتركز على إساءة استخدام السلطة أثناء وجوده في منصبه، وتربط سلوكه الفاسد على ما يبدو بسياسة الولايات المتحدة، وتركز على مجموعة من الأفعال التي وقعت داخل الولايات المتحدة.

النص الكامل للمكالمة التي قد تنهي رئاسة ترامب

في عين العاصفة.. ترامب الآن هو بطل الرواية

عند الحديث عن التحقيق في التدخل الروسي، كانت السلطات تدرس كيف تفاعل ترامب مع حملة يديرها عملاء الكرملين لاختراق وثائق حساسة وتسريبها واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر رسائل مثيرة للانقسام استفادت منها حملة ترامب. وبينما رحب ترامب شخصيًا بهذا الجهد، وفي بعض الأحيان شجعه صراحةً، إلا أنه لم يكن هو بطل القصة الذي يقف في قلب الفضيحة (تغير هذا إلى حد ما مع بدء التحقيق في جهود ترامب لعرقلة التحقيق في التدخل الروسي، لكنه حتى ذلك الحين لم يكن الشخصية الرئيسية في المشهد). 

لكن مع رفع البيت الأبيض السريّة عن ملخص تفصيلي للمكالمة الهاتفية التي جرت بين ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينكسي، يوم 25 يوليو (تموز) الماضي، يخلُص المقال إلى أن «الزعيم الأمريكي أصبح في صدارة هذه الدراما». 

واستعرض الكاتب فحوى المكالمة قائلًا: مباشرةً بعد أن أشار زيلينسكي إلى رغبته في الحصول على مساعدة أمريكية إضافية، وشراء صواريخ أمريكية مضادة للدبابات، يبدو أن ترامب اشترط تعاون أوكرانيا في التحقيق بشأن نظرية مؤامرة يمينية مقابل تقديم المزيد من المساعدة الأمريكية. وقال ترامب، وفقًا للملاحظات التي سجلها موظفو مجلس الأمن القومي: «أود منك أن تقدم لنا خدمة… لقد مر بلدنا بأشياء كثيرة، وأوكرانيا تعرف الكثير عنها. أود منك أن تستكشف ما حدث».

وأشار ترامب إلى شركة Crowdstrike لأمن الكمبيوتر، التي حققت في الاختراق الروسي لأنظمة الكمبيوتر التابعة للجنة الديمقراطية الوطنية في عام 2016. وكانت اللجنة قد سلمت نُسخًا مصورة من أنظمة الكمبيوتر الخاصة بها إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي ، وهو الأسلوب القياسي المتبع في تحقيقات الكمبيوتر. لكن ترامب تشبث بنظرية يمينية مفادها أن مكتب التحقيقات الفيدرالي لم يسلم أجهزة الكمبيوتر المادية، وبهذا الفعل فقد المكتب الأدلة الرئيسية على أن روسيا لم تكن في الحقيقة وراء عملية الاختراق. 

وفي مكالمته مع زيلينسكي، قال ترامب: «إنهم يقولون إن الخادم بحوزة أوكرانيا»، ويبدو أنه كان يعتقد أن الحواسيب بحوزة أوكرانيا- وهو ادعاء لا يوجد دليل عليه- ويريد مساعدة زيلينسكي في تعقبها. 

في مواطن أخرى من المحادثة، حث ترامب زيلينسكي على النظر في سبب وقف المسؤولين الأوكرانيين تحقيقًا بخصوص شركة Burisma Holdings، وهي شركة طاقة أوكرانية كان هانتر، نجل نائب الرئيس السابق جو بايدن، عضوًا في مجلس إدارتها. وحول هذه النقطة قال ترامب: «يتجوَل بايدن متبجحًا بأنه أوقف سير الملاحقة القضائية، لذلك إذا كنت تستطيع النظر في ذلك.. يبدو الأمر فظيعًا بالنسبة لي». لكن الكاتب إلياس جرول استدرك: لا يوجد أي دليل على أن بايدن، الذي يتنافس الآن مع ترامب على مقعد الرئاسة، قد فعل ذلك، ولا يوجد أي دليل على وجود دوافع سياسية وراء وقف التحقيق في قضية شركة Burisma. 

في المكالمة التي أجراها مع زيلينسكي لمدة نصف ساعة صباح يوم 25 يوليو (تموز)، تطرق ترامب إلى الشهادة التي أدلى بها مولر يوم 24 يوليو، ولم يوصِ فيها صراحة بتوجيه تهم بالتواطؤ مع الحملة الروسية أو عرقلة التحقيق في هذا الادعاء. قائلًا: «كما شاهدتَ بالأمس، انتهى هذا الهراء برمته بأداء سيئ للغاية من قِبَل رجل يُدعى روبرت مولر… لكنهم يقولون إن معظم هذه المسألة بدأت مع أوكرانيا». 

وتابع المقال: جادل حلفاء إدارة ترامب على الفور يوم الأربعاء بأن المحادثة مع زيلينسكي لا تحتوي على مقايضة صريحة علَّق الرئيس بموجبها تقديم المساعدة الأمريكية على نشر (أوكرانيا) غسيل خصم ترامب القذر. لكن هذه الحقيقة وحدها توضح الطريقة التي تحوّل بها موقف ترامب في هذه الدراما. ففي فضيحة «روسيا جيت»، كان الكرملين هو مهندس المؤامرة التي هددت بتقويض رئاسة ترامب، أما الآن، فتصرفات ترامب هي الشِعار والدِثار. 

Embed from Getty Images

طبيعة الجُرم

أوضح الكاتب أن تحقيق مولر بخصوص التدخل الروسي ركز على جُرمَيْن رئيسييْن: الأول هو «التواطؤ»، الذي ليس له أي معنى قانوني، مما دفع مولر بدلًا من ذلك إلى التحقيق مع ترامب ومساعديه بالتآمر مع عملاء الكرملين. والثاني هو «العرقلة»، بالتركيز على ما إذا كان ترامب حاول تقويض تحقيق مولر.

في المسألة الأولى، وجد مولر أدلة وافية على وجود عملية تدخل روسية، لكنه لم يعثر على دليل يؤكد تآمر ترامب أو فريقه مع تلك الحملة. وفي النقطة الثانية، على الرغم من أن مولر وجد أدلة كثيرة على وجود عراقيل، إلا أنه رفض التوصية بتوجيه تهم، وقد سمحت طبيعة الاتهام لترامب وحلفائه برفض التهمة باعتبارها مصدر قلق ثانوي.

ولأن عرقلة سير التحقيق لم تكن مرتبطة بالممارسات الفعلية للتدخل في الانتخابات التي كان من المفترض أن يحقق فيها مولر، أتيحت لترامب مساحة للمناورة السياسية مكنته من رفض استنتاجات المستشار الخاص. «لكن في فضيحة أوكرانيا، يبدو أن ترامب حوّل السياسة الأمريكية إلى أداة لتحقيق مكاسب سياسية. ولم يعد مُتَّهمًا بالتآمر مع مخططٍ غير قانوني يتولى كِبره شخص آخر، بل بارتكابه شخصيًا فعلَ فسادٍ».

رجال ترامب المقربين في وجه المدفع

في سياق سعيه لربط ترامب بالحملة الروسية للتأثير على انتخابات عام 2016، لم يصل المحققون أبدًا إلى ما هو أبعد من مساعد السياسة الخارجية المغمور، جورج بابادوبولوس. كان بابادوبولوس هو أول من أُحيط خُبْرًا من أكاديمي مرتبط بالكرملين في عام 2016 بأن روسيا حصلت على رسائل إلكترونية ضارة حول منافسة ترامب الرئاسية هيلاري كلينتون، لكن بابادوبولوس كان دائمًا لاعبًا هامشيًا في حملة ترامب.

وبينما من المؤكد أن رئيس حملة ترامب بول مانافورت، وأول مستشار للأمن القومي في إدارة ترامب، مايكل فلين، انتهى بهما المطاف إلى مواجهة تهم وجهها فريق مولر، لكن التهم التي واجهوها لم تصل إلى حد التآمر مع العملاء الروس.

بيد أن المساعد الرئيس هذه المرة، ليس سوى محامي ترامب الشخصي رودي جولياني. ففي محادثته مع زيلينسكي في يوليو، قال ترامب إنه سيجعل جولياني يتابع مع الزعيم الأوكراني الجهود المبذولة لسبر غور الانتهاكات السياسية التي ارتكبها بايدن، والتحقيق في نظريات المؤامرة الأليفة التي يرعاها ترامب. وقال ترامب أيضًا إنه راغب في إشراك المدعي العام بيل بار في هذا الجهد.

وواصل الكاتب تحليله للمشهد قائلًا: توريط ترامب لجولياني وبار في محاولته لتجنيد زيلينسكي في مؤامرته؛ يضع اثنين من أهم مستشاريه في قلب هذا الجدل. إنه يرفع مستوى المخاطر المحدقة بمسؤولَيْن أسهما بشكل أساسي في نجاح ترامب السياسي، وجنًّبوه أسوأ النتائج السياسية المترتبة على تحقيق مولر، ودافعوا علانية عن سلوكه.

تأجيل المساعدات لخلق أداة ضغط على زيلينسكي

يضيف المقال: إذا كان الهدف من العملية الروسية لانتخاب ترامب هو تأمين سياسة أمريكية أكثر ليونة تجاه موسكو، يمكن القول إنها فشلت في ذلك. وعلى الرغم من مغازلة ترامب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، فقد اتبعت الإدارة موقفا متشددا إلى حد ما تجاه الكرملين، تضمن فرض عقوبات صارمة على روسيا. ومن الواضح أن سلوك ترامب المنفَّر تجاه حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، وازدرائه العام للمعايير الديمقراطية، قد أفاد الكرملين، لكن ذلك جاء على حساب الاقتصاد الروسي المتعثر الذي يرزح تحت وطأة العقوبات، التي فرضت إدارة ترامب الكثير منها. 

لكن خلال الفترة التي سبقت مكالمة يوليو، يبدو أن ترامب قد أدخل تغييرًا رئيسيًا في سياسته لاستخدامه أداة ضغط على زيلينسكي. فوفقًا لصحيفة واشنطن بوست، قبل أسبوع من المكالمة، أمر ترامب رئيس أركانه بالنيابة بتأجيل حزمة مساعدات بقيمة 400 مليون دولار لأوكرانيا. وكافح المسؤولون في الإدارة لاحقًا لتفسير هذا التعطيل، ويبدو أن التأخير يمكن أن يكون جزءًا من محاولة للضغط على زيلينسكي لنشر الغسيل القذر. وإن أطلق سراح أموال المساعدات في نهاية المطاف يوم 11 سبتمبر (أيلول).

«تسريبات ترامب»..جدران أمريكا تتهاوى أمام روسيا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد