لم تكتف المملكة المُتحدة بتوفير الأسلحة للقتال في اليمن، بل وصل بها الأمر إلى توفير الأفراد والخبرات اللازمة لاستمرار حرب اليمن؛ لذا أعدَّ آرون ميرات، الصحافي المُستقل والباحث المُتخصِّص في الشأن الإيراني، تحقيقًا مُطوَّلًا يكشف خلاله دور بريطانيا الحقيقي في تلك الحرب المُميتة.

ونشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية التقرير للإجابة عن التساؤل حول ما إذا كانت الحكومة البريطانية تنتهك القانون بتحويلها «الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس» إلى طرفٍ في النزاع.

أوضح ميرات في مُستهلِّ تقريره أنَّ الغارات الجوية السعودية الوحشية قصفت اليمن على مدار أكثر من أربع سنوات، فأودت بحياة عشرات الآلاف، وأصابت مئات الآلاف، وشرَّدت الملايين؛ مما أدَّى إلى خلق أكبر أزمةٍ إنسانيةٍ في العالم. وتُؤدِّي الأسلحة البريطانية دورًا كبيرًا في عمليات القتل، إذ تتعرَّض اليمن يوميًّا للقصف بالقنابل البريطانية، التي تُسقِطها الطائرات البريطانية، والتي يقودها طيَّارون تلقُّوا تدريبهم في بريطانيا، ويعكُف آلاف المقاولين البريطانيين على صيانتها وإعدادها داخل المملكة السعودية.

أورد تقرير «الجارديان» أنَّ التحالف العسكري الذي تقوده السعودية، ويشمل الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والكويت، «استهدف المدنيين… على نطاقٍ واسع ومُمنهج»، بحسب الأمم المتحدة، إذ أسقطوا قنابلهم على المُستشفيات، والمدارس، والأعراس، والجنازات، وحتى مُخيَّمات النازحين الفارِّين من القصف.

مترجم: هذه الشركات الأمريكية ساهمت بشكل مباشر في تدمير اليمن

توريد الأسلحة.. تعاونٌ واضح

الحقيقة أنَّ السعودية تعاقدت بالفعل مع أمريكا وبريطانيا من أجل الاضطلاع بأجزاءٍ حيوية من حربها ضد حركة الحوثيين في اليمن، بحسب التقرير. ولا تكتفي بريطانيا بتوفير الأسلحة اللازمة لهذه الحرب فقط، بل تُوفِّر أيضًا الأفراد والخبرات اللازمة لإبقاء الصراع مُستمرًا.

إذ نشرت الحكومة البريطانية أفراد سلاح الجو الملكي لشغل وظائف المُهندسين، وتدريب الطيَّارين والمُستهدِفين السعوديين. في حين تُؤدِّي شركة «بي أيه إي سيستمز»، أكبر شركات السلاح البريطانية، دورًا أكبر في تلك الحرب. إذ تعاقدت معها الحكومة البريطانية من الباطن لتوفير الأسلحة والصيانة والمُهندسين داخل المملكة.

وقال جون ديفيريل، الموظف الكبير السابق في وزارة الدفاع، وملحق الدفاع إلى المملكة العربية السعودية واليمن، لميرات: «يعتمد القادة السعوديون على شركة (بي أيه إي سيستمز) اعتمادًا كاملًا. ولا يستطيعون فعل شيءٍ دون مُساعدتنا». وقالها أحد مُوظفي «بي أيه إي سيستمز» صراحةً في برنامج «ديسباتشز» على «القناة الرابعة» البريطانية: «في حال خروجنا من المعادلة، لن تكون هناك طائرةٌ واحدةٌ في السماء خلال أسبوعين على الأكثر».

وأوضح ميرات أنَّ إنتاج القنابل البريطانية التي تُمطر اليمن يجري داخل ثلاث بلدات: جلينروثز في أسكتلندا، وهارلو وستيفيناج في جنوب شرقيّ إنجلترا. وتنطلق القنابل من خطوط الإنتاج المملوكة لفرع شركة «رايثيون» في بريطانيا و«بي أيه إي سيستمز».

وتعاقدت الحكومة مع تلك الشركات لتصنيع قنابل بيفواي المُوجَّهة بالليزر (27,897 دولارًا أمريكيًّا للقنبلة الواحدة)، وصواريخ بريمستون الجو- أرضية (133,148 دولارًا للصاروخ الواحد)، وصواريخ ستورم شادو الجوَّالة (1,001,783 دولارًا للصاروخ الواحد)، وبيعها للقوات الجوية الملكية السعودية. وتقوم شركة «بي أيه إي» بتجميع الطائرات التي تُسقِطُ تلك القنابل، بموجب عقدٍ حكومي، داخل حظائر الطائرات على مشارف قرية وارتون في مدينة لانكشاير.

ولا ينتهي الدور الذي تُؤدِّيه بريطانيا بمجرَّد وصول تلك الأسلحة إلى السعودية، بحسب التقرير؛ إذ يفتقر الجيش السعودي إلى الخبرات اللازمة لاستخدام هذه الأسلحة، وخوض حربٍ جويةٍ مُتواصلة، لذا تُوفِّر شركة «بي أيه إي» ما يُعرف باسم «الخدمات داخل الدول»، بموجب تعاقدٍ آخر مع حكومة المملكة المتحدة.

وهذا يعني عمليًّا أنَّ هناك قرابة 6300 مُقاول بريطاني يتمركز داخل قواعد العمليات الأمامية في السعودية. وهُناك يُدرِّبون الطيارين السعوديين، ويُجرون أعمال الصيانة الأساسية ليلًا ونهارًا على الطائرات التي أنهكها الطيران لآلاف الأميال فوق الصحراء السعودية في الطريق إلى أهدافها داخل اليمن. ويُشرفون كذلك على الجنود السعوديين أثناء تحميل القنابل على الطائرات، ويضبطون صماماتها حتى تصل إلى أهدافها المنشودة.

أورد التقرير الذي نشرته «الجارديان» أنَّ هناك أيضًا قرابة 80 من أفراد سلاح الجو الملكي البريطاني داخل المملكة السعودية، يعملون أحيانًا لمساعدة «بي أيه إي» في تجهيز الطائرات والحفاظ عليها، وأحيانًا أخرى يشغلون دور المُراقبين لضمان وفاء «بي أيه إي» بشروط تعاقداتها مع وزارة الدفاع. إلى جانب «ضبَّاط الاتصال» التابعين لسلاح الجو الملكي، والذين يعملون في مركز القيادة والتحكُّم الذي يُحدِّد الأهداف داخل اليمن.

ولم يسبق أن نجحت الطائرات وحدها في دحر التمرُّد وسط حرب عصابات، وفقًا لميرات. وازداد الدعم الذي يحظى به الحوثيون على الأرض، رغم الفظائع التي ارتكبوها، نتيجة الغضب الناجم عن القصف السعودي المُستمر منذ سنوات.

واستجابةً لمُتطلبات الواقع؛ قرَّرت السعودية إنزال أعدادٍ لا بأس بها من القوات البرية بطول الحدود العام الماضي، وهي المهمة التي لم يتخلَّف عنها البريطانيون أيضًا؛ إذ أُرسِلَ عددٌ غير معلوم من الجنود البريطانيين إلى اليمن في مايو (أيار) عام 2018، من أجل مُساعدة قوات المُشاة السعودية. ومنذ ذلك الحين، بدأت العديد من الصُحف نشر تقارير عن إصابة أفرادٍ من القوات الخاصة البريطانية خلال معاركٍ بالأسلحة داخل الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

Embed from Getty Images

ردود الأفعال الرسمية

أوضح ميرات في تقريره أنَّ القانون البريطاني لا يُرخِّص تصدير الأسلحة في حال كان من المُمكن استخدامها عمدًا أو بتهورٍ ضد المدنيين -أو بما ينتهك القانون الدولي الإنساني، بعبارةٍ قانونية. وهُناك أدلةٌ دامغة على أنَّ السعوديين ينتهكون ذلك القانون انتهاكًا صارخًا، ولكن حين يطرَح البرلمان الأسئلة حول الدور الذي تُؤدِّيه بريطانيا في الجرائم المُرتكبة داخل اليمن، يقصر الوزراء المُحافظين إجاباتهم على ثلاثة ردودٍ مُبتذلة.

أولًا، يزعمون أنَّ بريطانيا تُدير «واحدًا من أقوى أنظمة تصدير الأسلحة في العالم». وثانيًا، يقولون إنَّ بريطانيا تُسلِّح السعودية، لكنَّها لا تختار الأهداف في اليمن. وثالثًا، يقولون إنَّ التحالف الذي تقوده السعودية يُحقِّق بالفعل في انتهاكاته المزعومة للقانون الدولي الإنساني.

لكن هذه الردود فقدت فاعليتها، من وجهة نظر ميرات، نتيجة الحقيقة الدموية لحرب اليمن. وفي الواقع، تسارعت وتيرة قتل المدنيين في ظل استمرار الصراع. وتضاعفت نسبة الضربات التي أصابت المدنيين على يد القوات التي تقودها السعودية بين عام 2017 و2018، بحسب لاري لويس، مسؤول وزارة الخارجية الأمريكية السابق الذي أُرسِلَ إلى السعودية عام 2015 في مُحاولةٍ للحدِّ من الأضرار التي تلحق بالمدنيين.

شبَّه ميرات حُجَّة الحكومة البريطانية، التي تقول إنَّها لا تختار الأهداف في اليمن، بمنطق لوبي السلاح الأمريكي الذي يزعم أنَّ الأسلحة لا تقتل البشر، ولكن البشر الذين يستخدمونها هُم من يفعلون ذلك.

وألغت العديد من الدُول، أو أوقفت، بيع الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية منذ عام 2016 -ومنها النمسا وبلجيكا وألمانيا وفنلندا وهولندا والنرويج والسويد وسويسرا. لكن بريطانيا والولايات المُتحدة، التي تُشكِّل طائراتها المُقاتلة العمود الفقري للأسطول القتالي السعودي، ما تزال مُتمسكةً ببيع الأسلحة.

إدانةٌ قضائية مُحتملة

رجَّح ميرات في تقريره أن تتغيَّر الأوضاع قريبًا؛ إذ يدرس ثلاثةٌ من كبار القضاة في بريطانيا الآن مدى قانونية ترخيص الحكومة لبيع أسلحةٍ بمليارات الجنيهات الإسترلينية إلى القوات الجوية الملكية السعودية. وربما يُؤدِّي حُكم محكمة الاستئناف، المُنتظر هذا الأسبوع، إلى إجبار الحكومة على تعليق التراخيص التي تُحافظ على تدفُّق القنابل وقطع الغيار إلى المملكة السعودية؛ مما سيُعرقل نصف قوة الأسطول الجوي السعودي في غضون أسابيع.

وربما يُقرِّر القضاء الآن عرقلة قدرة بريطانيا على الحفاظ على استمرارية الحرب الجوية السعودية المُدمِّرة التي ستنتهي بالفشل، بحسب التقرير. ومن المُحتمل أن تُقرِّر حكومتا بريطانيا والسعودية إرسال المزيد من المُساعدات لإغاثة 24 مليون يمني الذي يعتمدون الآن على صندوق الإغاثة التابع للأمم المتحدة، والذي يُعاني نقصًا في التمويل. لكن ذلك لن يُعيد إلى أجيال اليمنيين عائلاتهم ومنازلهم وتعليمهم وسُبل معيشتهم التي فقدوها.

وتطرَّق التقرير إلى زيارة أندرو ميتشيل، النائب البرلماني المُحافظ، مدرسة في العاصمة إبان رحلةٍ إلى اليمن عام 2016. إذ قال إنَّ تلك المدرسة بُنِيَت بمساعداتٍ بريطانية، ولكنَّها دُمِّرت في نهاية المطاف باستخدام قُنبلةٍ بريطانية على الأرجح.

وحين التقاه ميرات في مكتبه بمنطقة وستمنستر، استرجع ميتشيل ذكريات تلك الزيارة قائلًا: «سألت مُضيفي عن الأغنية التي يُردِّدها الأطفال، فأجابه بأنَّ معناها: الموت للسعوديين، الموت للأمريكيين. وأضاف أنَّهم لم يُردِّدوا المقطع الثالث اليوم احترامًا لزيارتك».

وبعد يومٍ واحد من سقوط أول القنابل على اليمن في 27 مارس (آذار) عام 2015، قال وزير الخارجية فيليب هاموند للمراسلين إنَّ بريطانيا ربما «تدعم السعوديين بكل الوسائل العملية المُمكنة، دون المشاركة في الأعمال القتالية». ولكن الأحداث التالية أثبتت أنَّ هذا التصريح يبخس الدور البريطاني حقه، على حد تعبير ميرات.

أفاد التقرير أنَّ وتيرة خطوط إنتاج شركتي «بي أيه إي» و«رايثيون» داخل بريطانيا تسارعت لمُواكبة عمليات القصف السعودية. ومن المُستحيل تحديد أعداد القنابل التي أرسلتها المملكة المتحدة إلى اليمن، لأن الحكومة في عامي 2013 و2014 منحت شركة «بي أيه إي» ثلاثة تراخيص خاصة لتصدير الأسلحة، وتسمح تلك التراخيص بتصدير عددٍ لا نهائي من القنابل إلى المملكة العربية السعودية دون إلزامٍ بالكشف عن العدد المُباع فعليًّا.

ونتيجةً لذلك، ما يزال الحجم الحقيقي لبرنامج إعادة التسلُّح البريطاني طيَّ الكتمان. وبغض النظر عن تلك التجارة السرية، فإنَّ الصادرات العسكرية البريطانية إلى الرياض تضاعفت 35 ضعفًا في غضون عامٍ واحد، إذ ارتفعت من 105.144 مليون دولار أمريكي في عام 2014 إلى 3.68 مليار دولار أمريكي في عام 2015.

Embed from Getty Images

خبراتٌ للبيع

تستطيع المملكة السعودية تحمُّل نفقات شراء هذه الأسلحة بصفتها أكبر مُصدِّرٍ للنفط في العالم، لكن تقرير «الجارديان» أوضح أنَّها تفتقر تقليديًّا إلى المهارات والقوى العاملة اللازمة لنشرها. ومزح مسؤول دفاعٍ أمريكي مُتقاعد قائلًا إنَّ اختيار طيَّاري المملكة في السابق كان حكرًا على أفراد عائلة الملك المُباشرة فقط؛ لأنَّهم «الوحيدون الذين يُمكن الثقة بهم أن لا يُسقِطُوا قنبلةً على قصرهم».

وأدَّى الموظفون البريطانيون دورًا رئيسيًا في سدِّ الثغرات. إذ يُنفِّذ المقاولون الحكوميون قرابة 95% من المهام اللازمة للقتال في الحرب الجوية، بحسب ما أفاد به موظَّفٌ سابق في شركة «بي أيه إي» لبرنامج «ديسباتشز» على «القناة الرابعة» البريطانية، وهي التقديرات التي أكَّدها مسؤولٌ بريطاني بارز سابق، عَمِلَ داخل السعودية إبان الحرب الجوية، لميرات.

وهُناك آلاف المُقاولين البريطانيين الذين يعملون داخل قواعد العمليات الأمامية السعودية، بحسب ميرات، من أجل الحفاظ على استمرار حركة آلة الحرب. ويُنسِّقُ المُقاولون البريطانيون توزيع القنابل وقطع غيار الطائرات. ويُديرون مستودعات الأسلحة التي يتم التحكُّم بدرجة حرارتها، ويعملون في نوباتٍ من أجل ضمان إرسال القنابل في الوقت المناسب لتنفيذ الغارات الجوية.

ويعكُف المقاولون البريطانيون على تدريب الطيَّارين السعوديين، إلى جانب أفراد سلاح الجو الملكي البريطاني، من أجل تنفيذ غارات القصف الجوي الخطيرة فوق الجبال الشمالية الوعرة والمُدن في اليمن. ويُديرون أنظمة إلكترونيات الطيران والرادار لضمان وصول الطائرات السعودية إلى أهدافها وعودتها بسلام، حتى يتمكَّنوا من تنفيذ الصيانة العميقة للطائرات، واللازمة لإبقائها تُحلِّق فوق اليمن.

وأفاد التقرير أنَّ الحكومة البريطانية تحرص على تأكِّيد أنَّها لا تُؤدِّي دورًا في الاستهداف، وتُصِرُّ على أنَّ المملكة السعودية هي المسؤولة الوحيدة عن اختيار الأهداف التي يتم ضربها في اليمن. ولكن لا خلاف على أنَّ المُقاولين البريطانيين هُم المسؤولون عن تمكين السعودية من ضرب أهدافها، وأنَّ بريطانيا تُدرِكُ جيدًا طبيعة تلك الأهداف.

استهداف المدنيين

أجرى مايكل نايتس، خبير الشؤون العسكرية الخليجية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، زيارتين منذ اندلاع الحرب إلى القاعدة الجوية السعودية في خميس مشيط بالقرب من الحدود مع اليمن. وقال نايتس لميرات إنَّ الطائرات في هذه القاعدة شنَّت «حملة قصفٍ إرهابي جوية، قسرية، مُتكاملة» على مدينة صعدة في عامي 2015 و2016.

وأضاف: «يستحيل أن تضرب أهدافًا مدنيةً أكثر من ذلك»؛ لأنَّ قادة الجيش السعودي «شقُّوا طريقهم بطول قائمةٍ من كافة أهداف البنية التحتية الوطنية على غرار ما فعلناه (إبان قصف الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للعراق في حرب الخليج) عام 1991… وهذا يعني قصف كل شيء: الرافعات والجسور والوزارات… ومحطات مُعالجة المياه».

وانتقدت مجموعات حقوق الإنسان التحالف الذي تقوده السعودية؛ لأنَّه استخدم «الهجمات المُزدوجة» المزعومة -والتي يجري خلالها إسقاط قنبلةٍ ثانية بعد دقائق من إسقاط الأولى- لاستهداف المدنيين والمُستجيبين لحالات الطوارئ الذين اندفعوا إلى موقع الانفجار الأول. وأفاد التقرير أنَّ إحدى تلك الهجمات وقعت في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2016، حين أصابت القنابل جنازةً داخل صنعاء وراح ضحيتها 155 من المُشيِّعين وأُصيبَ 525 آخرين على الأقل.

وضربت هجمةٌ مزدوجةٌ أخرى حفل زفافٍ في قرية واحجة في 28 سبتمبر (أيلول) عام 2015، وراح ضحيتها 131 مدنيًا. وقال محمد بوسايبيس، والد العريس، في حديثه إلى جماعة «مواطنة» اليمنية لحقوق الإنسان: «تناثرت أجزاء الجثث بين الأشجار»، مُضيفًا أنَّه علم بمصرع والدته حين رأى ندبة مألوفةً لها فوق ساقٍ مقطوعة وسط موقع القصف. وتابع: «لماذا يُهاجموننا؟ لا شيء هنا. لا توجد مُعسكراتٌ حربية أو مركز شرطةٍ حتى».

وصرَّح المسؤول البريطاني السابق لميرات أنَّه أُصيب بالذهول نتيجة الاستهتار السعودي في عمليات الاستهداف بالقصف. مُضيفًا: «هذا ما يحدث عادةً. ونحن جالسون لتناول طعام الغداء، يستقبل أحد اليمنيين (من الحكومة في المنفى) رسالةً على تطبيق واتساب تحتوي على علامةٍ في خرائط جوجل تُشير إلى وجود الحوثيين هُناك. وعلى هذا المنوال، تجري الكثير من عمليات الاستهداف بالقصف دون التحقُّق من صحة المعلومات على الإطلاق».

في حين وصف لاري لويس، مستشار وزارة الخارجية لحماية المدنيين، عمليات الاستهداف السعودية بأنَّها «فضفاضةٌ للغاية؛ إذ نمتلك عمليات رسمية للغاية في ما يتعلَّق بالغارات الجوية داخل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. لكن هذا التحالف لا يخضع لتلك العمليات… وتحدث أمورٌ سيئة للغاية حين تعُمُّ الفوضى».

وقال لويس إنَّه نقل مخاوفه إلى رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة السعودية، في سبتمبر عام 2016، قبل أسابيع قليلة من القصف الذي ضرب الجنازة: «أوضحت له كافة الإجراءات العملية التي يستطيع تنفيذها للحدِّ من الإضرار بالمدنيين. لكن رئيس هيئة الأركان لم يبد مُهتمًا… ولم يستجب ببساطة».

وأصدر ولي العهد محمد بن سلمان، مُهندس الحرب الجوية، مرسومًا ملكيًّا في يوليو (تموز) الماضي، يأمر بـ«إعفاء كافة الأفراد العسكريين الذين شاركوا في عملية (إعادة الأمل) من العقوبات العسكرية والتأديبية التي وُقِّعَت عليهم»، بحسب التقرير.

Embed from Getty Images

العمليات البرية

يرى ميرات أنَّ السعودية قرَّرت إطلاق عمليتها البرية في شمالي اليمن، والتي شملت آلاف الجنود السعوديين إلى جانب مجموعةٍ مُتنوعة من المُقاتلين اليمنيين والأجانب والقوات الخاصة البريطانية، وذلك حين أدركت المملكة أنَّها لن تنجح في هزيمة الحوثيين بالاعتماد على الضربات الجوية فقط.

ولم يجر الاعتراف رسميًّا بتواجد القوات الخاصة البريطانية داخل اليمن، لكن الأمر تحوَّل إلى سرٍ معروف وسط دوائر الدفاع. إذ صرَّح دبلوماسي بريطاني بارز، في حديثه إلى ميرات، قائلًا إنَّ قرار السماح بمُساعدة السعودية عسكريًّا خرج في أعقاب لقاءٍ بين الوزراء البريطانيين وابن سلمان إبان زيارته الرسمية للمملكة المتحدة في مارس عام 2018، حين ألتقى بالملكة ووقَّع مُذكِّرة إعلان نوايا لشراء 48 طائرة إضافية بقيمة 12.68 مليار دولار، من أجل تحديث أسطول طائراته الذي أنهكته الحرب.

وأصدر بوريس جونسون، وزير الخارجية آنذاك، بيانًا صيغ بعناية حول تخصيص عددٍ غير معلوم من الجنود البريطانيين لتوفير «المعلومات، والمشورة، والدعم»، من أجل «تخفيف» وطأة التهديدات التي تتعرَّض لها السعودية نتيجة الصواريخ الحوثية. وذلك في 23 مايو عام 2018، بعد شهرين فقط من زيارة ولي العهد إلى لندن، بحسب ما أورده التقرير.

وترفض الحكومة البريطانية تأكِّيد أو نفي حقيقة نشرها لجنودٍ داخل اليمن. إذ طالب مارك فيلد، وزير الخارجية، بفتح تحقيقٍ في المسألة حين سُئِلَ أمام البرلمان بشأن الادعاءات التي نشرتها صحيفة «ميل أون صنداي» البريطانية حول قتال القوات الخاصة البريطانية إلى جانب المُجنَّدين الأطفال المدعومين من السعودية في اليمن. ولكنه رفض في الوقت نفسه تأكِّيد صحة خبر وجود جنودٍ بريطانيين داخل اليمن من عدمها، وفقًا لميرات.

النفوذ مُقابل الأسلحة

تطرَّق ميرات في تقريره إلى احتفاء جيريمي هانت، وزير خارجية بريطانيا، بالذكرى الرابعة لتدخُّل المملكة العربية السعودية في اليمن بفضل المُساعدات الجسورة التي قدَّمتها وزارة الدفاع البريطانيا خلال الصراع في مارس من العام الجاري. إذ أكَّد هانت، في تقرير رأي نشرته مجلة «بوليتيكو»، أنَّ التوقُّف عن بيع الأسلحة للسعوديين سيكون موقفًا «مُفلسًا من الناحية الأخلاقية».

وتعلَّل هانت بالحُجَّة غير المنطقية التي تقول إنَّ سعي بريطانيا لإحلال السلام في اليمن يستوجب من الحكومة مواصلة بيع الأسلحة لأحد أطراف الصراع. وحذَّر من أنَّ أي تصرُّف يُخالف ذلك سيُؤدِّي إلى «التضحية بنفوذنا وإقصائنا بعيدًا عن مسار الأحداث داخل اليمن».

وباختصار، يرى ميرات مبيعات الأسلحة البريطانية بمثابة وسيلةٍ لشراء النفوذ على المملكة، وهو النفوذ الذي تستطيع بريطانيا استغلاله لاحقًا للمُطالبة بالسلام.

وأشار هانت إشارة غير مُباشرة إلى «المُحادثات المُنفتحة» التي أجراها مع نُظرائه السعوديين بشأن حقوق الإنسان، بالتزامن مع دفاع الحكومة عن مبيعات الأسلحة داخل ساحات المحاكم، بحُجة أنَّ «التدريب البريطاني المُكثَّف» للطيَّارين والمُستَهدِفين السعوديين يُمثِّل سعيًا لتقليل الإضرار بالمدنيين، إلى جانب تواجد ضُبَّاط الاتصال التابعين لسلاح الجو الملكي البريطاني الذين يعملون داخل مراكز العمليات الجوية السعودية «من أجل ضمان الامتثال السعودي للقانون الدولي الإنساني».

لكن ميرات يعتقد أنَّ الفكرة القائلة إنَّ بريطانيا لها تأثيرٌ طيب في الحرب الجوية، تفقد صحتها في مُواجهة الحقيقة الواضحة التي تقول إنَّ أعداد الهجمات على المدنيين تزايدت مع تقدُّم الحرب، بحسب تقريرٍ يُحلِّل بيانات الضربات الجوية من إعداد لاري لويس.

ونُشِرَ ذلك التقرير في مايو لصالح مركز أبحاثٍ مدعومٍ من الحكومة الأمريكية. ويرفض مسؤولون بريطانيون آخرون، من ذوي الخبرة المباشرة في ما يتعلَّق بالعمليات العسكرية السعودية، التلميحات بأنَّ دور بريطانيا على الأرض في السعودية يصنع أيَّ فارق.

إذ وصف مسؤولٌ بريطاني بارز سابق، عَمِلَ داخل السعودية، تلك التلميحات بأنَّها «محض هُراء. اختفى نفوذنا في ظل وجود محمد بن سلمان. لقد كان في عجلةٍ من أمره، وأحاط نفسه بشخصياتٍ ليست جاهزةً للتشكيك في حُكمه. الجيوش أشبه بالبصل، إذ تجد أنَّ المركز هو المكان الذي يتَّخذ القرارات النهائية بشأن الاستهداف… ونحن لا نستطيع الوصول سوى إلى الطبقة الرابعة أو الخامسة. ولا نستطيع الوصول مُطلقًا إلى السعوديين الذين يختارون الأهداف. ولا يستطيع اليمنيون فعل ذلك أيضًا»، وهو بذلك يُشير إلى أعضاء الحكومة اليمنية في المنفى، وهُم الأشخاص الذين تُخاض هذه الحرب نيابةً عنهم في الظاهر.

وذكر ذلك المسؤول أنَّ المُشاركة على أعلى المستويات انحصرت في تذكير السعوديين بأنَّ بريطانيا لديها «مخاوف» بشأن مصرع المدنيين: «ستقول: حكومتي تطلب مني تأكِّيد ضرورة امتثالكم للقانون الإنساني الدولي -وإليكم نسخة مكتوبةً من الطلب باللغة العربية في حال تعذَّر عليكم فهم كلامي. وهذا كل شيء».

وقال جون ديفيريل، مُدير دبلوماسية الدفاع السابق في وزارة الدفاع، الذي عَمِلَ مُلحقًا للدفاع في السعودية واليمن بين عامي 2001 و2003: «نميل نحن البريطانيون إلى الحيطة أحيانًا، رغم نفوذنا الكبير على السعوديين». وأضاف أنَّ البوادر المثيرة للقلق لن تكون فعَّالة، إلَّا في حال كانت بريطانيا مُستعدةً «لاستخدام تهديد سحب مبيعات أسلحتها وأفرادها المُرتبطين بالحرب في اليمن. ونحن نخشى أنَّ مُواجهة السلطة بهذا الصدد ستُهدِّد العلاقة التجارية بين البلدين».

Embed from Getty Images

المال قبل كل شيء

تُبقي هذه العلاقة التجارية على بريطانيا مُتورطةً في حرب اليمن، من وجهة نظر بيرات. وهي العلاقة التي تعتمد في أساسها على صفقة أسلحة حكومية بقيمة مليارات الدولارات، وقعتها حكومتا البلدين في عام 1985 تحت مُسمى «اليمامة».

وتُوفِّر تلك الصفقة الصيانة، والتدريب، وإعادة التسليح البريطاني لأيّ طائرة بريطانية تُباع إلى السعودية، في زمن الحرب والسلم. وهي صفقةٌ مفتوحة، أي إنَّ شروطها التي انطبقت على شركة «تورنيدو إيركرافت» في الثمانينيات، أصبحت تُغطِّي الآن صادرات المُقاتلات تايفون الأحدث من شركة «بي أيه إي».

وأورد تقرير «الجارديان» أنَّ الحكومة رفضت مُؤخرًا الإفصاح عن إجمالي دخل عقد «اليمامة»، ردًّا على سؤالٍ برلماني؛ لأنَّ ذلك «يُمكن أن يمس، أو سيمس على الأرجح، العلاقات بدولةٍ أخرى». لكن مايك تيرنر، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «بي أيه إي»، قدَّر دخل ذلك التعاقد بأنَّه تخطّى الـ50.76 مليار دولار في عام 2005. في حين يُقدِّر نيك جيلبي، الباحث الذي كتب كتابًا عن الصفقة، حجم المبيعات الحالي بأنَّه «76.15 مليار دولار على الأقل» بناءً على بيانات وتقارير «بي أيه إي» السنوية.

وبموجب شروط الصفقة، تُسدِّد السعودية الأموال لتعويض وزارة الدفاع البريطانية عن طريق الدفع إلى «بي أيه إي» مُباشرةً من أجل تسليح وصيانة القوات الجوية الملكية السعودية، بالإضافة إلى رسومٍ بنسبة 2% مُقابل الوقت الذي يقضيه الموظفون الحكوميون المدنيون في إدارة المُشتريات.

وتعتمد شركة «بي أيه إي» على هذا التعاقد الحكومي من أجل بقائها، بحسب التقرير، بل تحظى بسطوةٍ هائلة داخل الحكومة بصفتها المُنفِّذ الرئيسي لهذه الصفقة التي تُقدَّر بمليارات الدولارات. لدرجة أنَّ روبن كوك، وزير الخارجية البريطاني الأسبق، وصف الشركة ذات مرة بأنَّها تمتلك «مُفتاح حديقة مكتب رئيس الوزراء».

ووصف ميرات صفقة اليمامة بأنَّها مثابة حجر الأساس الذي تقوم عليه العلاقة المالية الأعمق بين لندن والرياض، رغم أنَّ العقد في حدِّ ذاته لا يُدِرُّ دخلًا مُباشرًا على الخزانة البريطانية. ويستخدم آل سعود عائدات النفط لشراء الأسهم والسندات والعقارات الفاخرة داخل بريطانيا، إذ أنفقوا 118.03 مليار دولار داخل البلد الأوروبي في عام 2017 فقط.

ويُقدِّر ديفيد ويرنج، المُتخصِّص في العلاقات البريطانية- السعودية بكلية رويال هولواي، أنَّ الأموال السعودية تُموِّل خُمس العجز في حسابات المملكة المُتحدة الجارية وتُساعد في «استقرار الجنيه الإسترليني الضعيف على نحوٍ مُتزايد».

وأفاد ميرات أنَّ أحد الوزراء المُحافظين السابقين أخبره أنَّ الرياض أبلغت لندن سرًّا بأنَّها ستضغط بريطانيا ماليًّا في حال تراجع حكومتها عن التعاون العسكري، وذلك قبل أن تبدأ المملكة في قصف اليمن عام 2015. وقال الوزير السابق: «في البداية، برَّروا إلزامية الأمر بأنَّهم يرون الدعم البريطاني بمثابة اختبارٍ أساسي. أي إنَّهم (بريطانيا) سيخرجون من الصورة في حال فشلهم، وذلك في ما يتعلَّق بالفرص التجارية والنفوذ مُستقبلًا».

وذكر ميرات أنَّ قواعد صفقة اليمامة أُرسِيَت إبان الحقبة الإمبراطورية البريطانية. وفي الستينيات، موَّل آل سعود حربًا غير رسمية ضد الجنود المصريين الذين احتلُّوا اليمن، لأنَّهم مثَّلوا تهديدًا للحكم السعودي والمستعمرة البريطانية في عدن. إذ استغلَّ ديفيد سترلينج، مُؤسِّس القوات الجوية الخاصة، نفوذه لدى الملك السعودي للتوسُّط في صفقةٍ تشتري المملكة بموجبها مُقاتلات لايتنينغ البريطانية وأنظمة الرادار والخدمات داخل البلد.

وبعد مرور عقدٍ كامل، ساهمت الأحداث في زيادة التقارب بين السعودية وبريطانيا. إذ استولى المُتشدِّدون الدينيون على المسجد الحرام في مكة عام 1979، للمُطالبة بإسقاط الملك السعودي – بعد أشهرٍ من إطاحة الثورة الإيرانية بالشاه وقيام الجمهورية الإسلامية التي تحدَّت آل سعود علنًا.

وحينها كانت بريطانيا تَمُرُّ بضائقةٍ مالية، إذ لم تستطع آنذاك تحمُّل تكلفة شراء طائرة تورنيدو القتالية التي طوَّرتها بالتعاون مع إيطاليا وألمانيا. لذا كانت بريطانيا بحاجةٍ إلى مُشترٍ أجنبي ثري لدعم تكلفة أسطولها، في حال كانت لندن راغبةً في الاستحواذ على سلاح ردعٍ جوي مُستقل بحسب التقرير. ومثَّلت العائلة الملكية غير الآمنة، التي تجلس فوق عرش بلدٍ يحوي أكبر احتياطيات النفط في العالم، عميلًا مثاليًّا في ذلك الوقت.

وكانت السعودية ترغب في شراء أفضل طائرةٍ يُمكن شراؤها مُقابل المال: إف 16 الأمريكية. إذ كانت إيران تمتلك الطراز السابق مُباشرة، إف 14، لكن إسرائيل عارضت بشدة حصول دولةٍ عربية على طائرات تُنافس طائرات إف 16 الخاصة بها.

وتوصَّلت الولايات المتحدة إلى حلٍ يتمثَّل في دعم صفقة تصدير مُقاتلات التورنيدو البريطانية لآل سعود، بموجب إطار عملٍ يُشرِفُ عليه حلف الناتو، مما سيُبقي السوفييت خارج منطقة الخليج ويخفض تكاليف ترقية بريطانيا لأسطولها الخاص. ويرى ميرات أنَّ تلك الجهود أسفرت عن الخروج بصفقة اليمامة، التي كانت أكبر صفقة أسلحة في العالم، وأدَّت إلى إنقاذ صناعة الأسلحة في بريطانيا.

وتطرَّق ميرات إلى رسالة مارجريت تاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك، «الشخصية والسرية» إلى الرئيس الأمريكي رونالد ريجان؛ والتي كشفت خلالها أنَّ السعودية منحتها تأكيدات بعدم استخدام الأسلحة البريطانية للعدوان على الدُول الأخرى.

ورفضت حكومة تاتشر نصائح مسؤولي وزارة الخارجية الذين أوصوا بعدم إلزام بريطانيا ببندٍ يُجبرها على إعادة تسليح السعودية في حال خوضها حربًا، بحسب تقرير مايك لويس، مُفتِّش الأسلحة السابق في الأمم المتحدة. إذ قال المسؤولون إنَّ ذلك سيُعرِّض البلاد لاتهامات بالتورُّط في «مغامرات عسكرية غير قانونية».

Embed from Getty Images

اعتراضاتٌ وتحايُل

في مارس، حضر ميرات مُؤتمرًا حكوميًّا في فارنبوروغ، بحضور شركات الأسلحة التي تُريد اقتحام أسواق التصدير المُربحة. وناقش رؤساء تلك الشركات مع مسؤولي الحكومة مسألة منطقة نمو الصادرات، وهم يتناولون شطائر الدجاج بالفلفل الحلو. وشهد ميرات أيضًا «مُتحدثًا تحفيزيًا من القوات الجوية الخاصة» وهو يُثني على أهمية الموقف العقلي الإيجابي.

وتضمَّن المؤتمر عرضًا تقديميًّا حول تفاصيل قانون مراقبة الأسلحة، قدَّمه مسؤولٌ بارز من وكالة ترخيص الصادرات التابعة للحكومة البريطانية. وقال المسؤول للحضور: «الجهل ليس مُبرِّرًا لخرق القانون». وبعدها سأل ميرات المسؤول عن الكيفية التي أصدرت بها إدارته – «الوحدة المشتركة لمراقبة الصادرات» تحديدًا- موافقات شاملة على تصدير الأسلحة المُستخدمة في اليمن.

فأجاب المسؤول: «لا أعلم، هذا ما حدث. أنا أُنفِّذ ما يُملى علي، وأُؤدِّي وظيفتي. ولكنَّني أعلم للأسف أنَّ أدولف أيخمان (أحد المسؤولين الكبار في الرايخ الثالث النازي) قال الجملة نفسها أيضًا».

وأعرب إدوارد بيل، رئيس الوحدة المشتركة لمراقبة الصادرات، عن عدم ارتياحه إزاء إعادة تسليح الحملة الجوية السعودية، بحسب التقرير. إذ كتب في رسالةٍ بالبريد الإلكتروني إلى ساجد جاويد، الذي كان الوزير المسؤول عن ترخيص الأسلحة آنذاك، في عام 2016: «يُخبرني حدسي أنَّ علينا تعليق (الصادرات إلى السعودية)». لكن جاويد تجاهل نصيحة بيل.

وكان فينس كيبل، سلف جاويد، قد أخَّر تصدير شُحنة قنابل بيفواي مُتَّجهة إلى السعودية في عام 2015، في أعقاب تقارير تزعم أنَّ الحملة الجوية استهدفت مستشفيات داخل اليمن. لكن كيبل أفضى إلى ميرات أنَّه سُرعان ما تعرَّض لضغوطات من مايكل فالون، وزير الدفاع، وديفيد كاميرون، رئيس الوزراء، لإطلاق سراح عن الشُحنة.

وردَّت الحكومة البريطانية على مُنتقدي مُشاركتها، إبان المراحل الأولية للحرب الجوية، مُوضحةً أنَّها أجرت تحقيقات في مزاعم هجوم السعودية على المدنيين في اليمن. ولكن الحكومة ناقضت نفسها في عام 2016، حين راجعت البيانات الوزارية السابقة التي قالت إنَّها حقَّقت في الأمر بالفعل، بدعوى أنَّ «التعبير قد خانها».

وحين تعرَّضت للضغوطات بشأن استخدام الأسلحة البريطانية في جرائم الحرب المزعومة داخل اليمن، أشارت الحكومة بدلًا من ذلك إلى أنَّ التحالف الذي تقوده السعودية يُحقِّق في الأمر بنفسه بحسب التقرير.

ويضطلع «الفريق المُشترك لتقييم الحوادث»، وهو عبارةٌ عن هيئةٍ تتألَّف من قرابة الـ20 ضابطًا عسكريًّا من السعودية والإمارات، بمهمة التحقيق في تقارير الوفيات بين المدنيين داخل اليمن.

وقال لاري لويس، المسؤول الأمريكي الذي شجَّع السعوديين على تشكيل الفريق، لميرات إنَّ الفريق لا يملُك باحثين على الأرض داخل اليمن؛ لذا فهو يعتمد بالكامل على المعلومات التي تُوفِّرها القوات الجوية الملكية السعودية. وأضاف: «يُسافرون في رحلات إلى اليمن من آنٍ لآخر، عند التحقيق في الحوادث البارزة للغاية».

وأوضح لويس أيضًا أنَّ هذا الفريق «شُكِّل لتقليل الأخطاء الشائعة»، مثل ضرب أهدافٍ على قائمة حظر القصف – ومنها الآبار والمستشفيات والمدارس. ومن المفترض أيضًا أنَّ يكون الفريق مسؤولًا عن تقليل فُرص «فشل القوات السعودية في تنفيذ الصبر التكتيكي»- مثل قصف رجال الميليشيات الحوثية حين يتوقفون داخل أحد الأسواق، بدلًا من انتظار مُغادرتهم لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين.

ولكن لويس يقول الآن إنَّ الفريق فشل في تنفيذ الشروط التي وضعها، لأنَّ وزارة الدفاع السعودية تجاهلته بكل بساطة، وفقًا لتقرير «الجارديان».

لكن «الفريق المُشترك لتقييم الحوادث» يُزوِّد الحكومة البريطانية بغطاءٍ مُناسب للاستمرار في ترخيص صادرات الأسلحة إلى الرياض، بحسب التقرير. واتَّهم الباحثون في «بيلينجكات»، وكالة التحقيقات مفتوحة المصدر، التحالف بالتضليل «في الغالبية العُظمى من تقييمات الفريق».

وصرَّحت روان شريف، التي ترأس مشروع اليمن في الوكالة، بأنَّ «مصدر المعلومات التي تعتمد عليها المملكة المتحدة هو شريكٌ تدعمه مُباشرةً في الصراع، ويكذب عليها بشأن غالبية الضربات الجوية».

وفي حالة اثنين من الهجمات الجوية المُميتة التي وقعت خلال شهري مايو ويوليو عام 2015 تحديدًا – وراح ضحيتهما أكثر من 100 شخص نتيجة قصف الأسواق الخارجية في مدينة زبيد وحي الفيوش داخل عدن- أصرَّ «الفريق المُشترك لتقييم الحوادث» على أنَّ التحالف لم يقصف تلك المواقع، رغم تقارير الأمم المتحدة وشبكة «بي بي سي» و«هيومن رايتس ووتش» و«منظمة العفو الدولية»، إلى جانب مقاطع الفيديو التي التقطتها كاميرات الهواتف المحمولة من مواقع القصف لتُؤكِّد وقوع الهجمات الجوية.

وأوضح ميرات أنَّ «الفريق المُشترك لتقييم الحوادث» برَّر الضربات التي وقعت على مواقع أخرى بالتأكِّيد الصريح على أنَّ أهدافها كانت عسكرية. وأصدر الفريق بيانًا يزعم فيه أنَّ التحالف استهدف «قادةً حوثيين» وهم يستقلّون شاحنةً صغيرة، إثر انتشار تقارير حول مقتل عددٍ من المدنيين في ضربةٍ جوية على محافظة الجوف خلال شهر سبتمبر عام 2016.

لكن الأمم المتحدة وجماعة «مواطنة» اليمنية لحقوق الإنسان قامتا بزيارةٍ مُستقلة للموقع، لتكتشفا أنَّ الضحايا هم امرأةٌ تقود سيارتها مع نسيبتيها و12 من أطفالهن.

وأفاد تقرير «الجارديان» أنَّ مسؤولية التدقيق البرلماني في امتثال بريطانيا لقوانين الرقابة على صادرات الأسلحة، يقع على عاتق «لجان مراقبة صادرات الأسلحة». ورئيس هذا التجمع مُتعدِّد الأحزاب – الذي يشمل 18 نائبًا برلمانيًا- هو جراهام جونز، نائب البرلمان العُمالي، الذي انتقد «تضليل» المنظمات غير الحكومية التي تنشر التقارير حول انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن، وكتب تقريرًا لصالح بن سلمان والتحالف الذي تقوده السعودية، ووصف دور «بي أيه إي» بأنَّه «دورٌ حيوي» من أجل فُرص العمل والاقتصاد في دائرة لانكشاير الانتخابية الخاصة به.

في حين اتَّهمت الدكتورة آنا ستافرياناكيس، الأكاديمية التي تبحث في شؤون تراخيص الأسلحة بجامعة ساسيكس وتمنح «لجان مراقبة صادرات الأسلحة» الكثير من الأدلة بانتظام، جونز بأنَّه أبقى على اليمن خارج جدول أعمال لجنته. وقالت آنا في حديثها إلى ميرات: «تتعمَّد الحكومة تعبئة الشك والغموض حين يتعلَّق الأمر بانتهاكات القانون الإنساني الدولي داخل اليمن. ويعمل رئيس اللجان على دعم سياسة الحكومة، بدلًا من التدقيق فيها بحيادية».

وردَّ جونز، في رسالةٍ بالبريد الإلكتروني إلى «الجارديان»، قائلًا إنَّ مُنتقديه هُم «يساريون ماركسيون مُتشدِّدون، ويدعمون ميليشيا عنيفة وعنصرية وإسلامية» داخل اليمن. وأضاف أنَّه «كان في طليعة المُناقشات الدائرة حول القضايا اليمنية».

Embed from Getty Images

هل حرب اليمن انتهاكٌ للقانون؟

أورد ميرات أنَّ حُكم محكمة الاستئناف، المُنتظر يوم الخميس، سيُحدِّد ما إذا كانت الإرادة السياسية للحكومة في تسليح السعودية تُمثِّل انتهاكًا للقانون. واستمع ثلاثة قُضاة إلى القضية التي رفعتها «حملة مُناهضة تجارة الأسلحة»، وهي مُنظمة غير حكومية، في التاسع من أبريل (نيسان).

وتعتمد النتيجة على تفسير كلمتين: «خطر واضح». إذ يحظر القانون البريطاني ترخيص الأسلحة في حال وجود «خطرٍ واضح» بأنَّها ربما تُستخدم في «انتهاكٍ خطير للقانون الدولي الإنساني». وسيُقرِّر القُضاة الثلاثة ما إذا كانت الحكومة قد انتهكت هذا القانون وفقًا للصحيفة البريطانية.

وقالت روزا كيرلينج من «لي داي»، مكتب المُحاماة الذي يتلقى التعليمات من «حملة مناهضة تجارة الأسلحة»: «لا أعتقد أنَّ هناك قضية ذات أدلةٍ واضحة ومُقنعة مثل هذه القضية. وفي حالة كان تصدير الأسلحة قانونيًّا في هذا السيناريو، فمتى يُصبح الأمر غير قانوني إذن؟».

وجادلت الحكومة بأنَّ لديها معلومات، شاركتها مع القُضاة سرًّا، تمنحها ثقةً في عدم وجود «خطرٍ واضح» بأنَّ السعودية تقتل المدنيين دون داعٍ. وردَّ مُحاميو «حملة مناهضة تجارة الأسلحة» قائلين إنَّ هناك أدلةً أكثر من كافية في المجال العام لإثبات وجود ذلك الخطر. وخسرت الحملة قضيتها الأولى عام 2017، بحسب التقرير، حين حكمت المحكمة العليا لصالح الحكومة بعد استماعها إلى أجزاء من دفاع الحكومة سرًّا.

ويقول فيليب ساندز، مستشار الملكة الذي لا علاقة له بهذه القضية، إنَّ الوزراء يجب أن يقلقوا شخصيًّا بشأن احتمالية التعرُّض لشُبهةٍ جنائية نتيجة دورهم في تسليح السعودية. وصرَّح ساندز لميرات قائلًا: «في حال كانت المملكة المُتحدة تُوفِّر أسلحة تُستخدم في ارتكاب الجرائم، فلا يُمكن استبعاد احتمالية استدعاء الوزير الذي وقَّع على صفقة البيع – مع علمه بنتائجها- أمام محكمةٍ قانونية وطنية، أو دولية، مُستقبلًا».

وأفاد تقرير الصحيفة أنَّ القانون القضائي البريطاني ينُصُّ على أنَّ توفير الأسلحة المُستخدمة في ارتكاب جريمة -مع العلم بذلك- يعني أنَّ مُورِّد السلاح مسؤولٌ أيضًا عن تلك الجريمة.

وقالت ديربلا مينوج، من «جلوبال ليجال أكشن نيتورك» التي تتعاون مع «بيلينجكات» في التحقيق بشأن انتهاك بعض الضربات الجوية في اليمن للقانون الدولي: «يزعم التحالف أنَّه يستهدف الحوثيين فقط، وأنَّه يُحاول جاهدًا تجنُّب الخسائر في صفوف المدنيين، لكن الأدلة تُشير إلى عكس ذلك. ويجب على المواطنين البريطانيين المُشاركين في نقل الأسلحة في هذه الحالة أنَّ يقلقوا بشأن الأمر».

Embed from Getty Images

وأوضح وين جورداش، مُستشار الملكة، أنَّ مسؤولي الحكومة سيُواجهون خطرًا أكبر بالتعرُّض للمُقاضاة في حال ثبُت أنَّ بريطانيا «أصبحت طرفًا في النزاع»، وهي عبارةٌ قانونية – تبدو غير ضارة- تعتمد على الخدمة المدنية بوصفها دليلًا على الخسائر التي تكدَّست في صفوف المدنيين. وقال أحد مسؤولي الحكومة في حديثه إلى ميرات خلال شهر أبريل: «هُناك الكثير من الجهود التي تُبذل حتى لا نتحوَّل إلى طرفٍ في النزاع».

وينُصُّ القانون الدولي على أنَّ كونك طرفًا في النزاع يعني توفير الدعم العسكري، أو المالي، أو اللوجستي، الذي يُقوِّض القدرة العسكرية للأطراف المُتحاربة الأُخرى، ويُضعف قدرتها على شنَّ الهجمات العدائية.

في حين صرَّح مُتحدثٌ باسم «اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، خلال حديثه إلى ميرات، قائلًا إنَّ الصليب الأحمر اتَّخذ قرارًا بشأن مسألة كون بريطانيا طرفًا في حرب اليمن – ولكنه أوضح أنَّه لا يستطيع الإفصاح عن القرار علنًا- لأنَّ الصليب الأحمر ما يزال وسيطًا بين الأطراف المُتحاربة ولا يرغب في المخاطرة بالإضرار بتلك العلاقات.

ويقول الوزراء للبرلمان عادةً إنَّ بريطانيا ليست طرفًا في النزاع. إذ قال أليستر بيرت، وزير بريطانيا لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا آنذاك، أمام البرلمان في يناير (كانون الثاني): «اسمحوا لي أن أُؤكِّد بوضوحٍ على أنَّنا لسنا طرفًا في النزاع… وأنَّ هذا ليس موقف المملكة المُتحدة على الإطلاق». وهو التأكِّيد الذي كرَّره بيرت في مقابلته مع ميرات خلال شهر أبريل.

في حين قال مارك فيلد، وزير الخارجية، أمام البرلمان في مارس: «ما نزال مُتمسِّكين برأينا الراسخ أنَّنا لسنا أطرافًا في ذلك النزاع».

لكن المصدر الدبلوماسي البريطاني البارز، الذي استشهد بالتوجيه القانوني الداخلي لوزارة الخارجية، قال لميرات إنَّ «أيّ شخصٍ يقول ذلك فهو على خطأ». مُضيفًا أنَّ مجلس الوزراء قرَّر تقديم «المساعدة العسكرية» للسعودية في العام الماضي، مُشيرًا بذلك إلى نشر القوات الخاصة، «وبهذا نتحوَّل إلى طرفٍ في النزاع».

الحقيقة الواضحة

وصف ميرات التفاف الحكومة البريطانية حول الحقيقة لإخفاء تورُّطها في حرب اليمن بأنَّها تُشبه الألعاب البهلوانية. إذ ربطت الحكومة بريطانيا وجيشها واقتصادها بأغنى دولةٍ في العالم العربي، إبان حربها على أكثر الدول العربية فقرًا. وتُشير التقديرات إلى إنفاق السعودية بين 60 و70 مليار دولار سنويًا على حربها الفاشلة، أي قرابة ضعف الناتج المحلي الإجمالي في اليمن الآن، وهي الأموال التي تكفي لتأمين سُبل عيش جيلٍ كامل من اليمنيين.

في حين تحدَّث فاريا المسلمي، ابن مُزارعٍ يمني يعمل الآن في مركز «تشاتام هاوس» البارز لأبحاث الشؤون الخارجية البريطانية، إلى ميرات حول الأثَّر الذي خلَّفته الحرب داخل بلاده قائلًا: «غدًا سينتهي بك الأمر واقفًا فوق رُفات جُثةٍ اسمها اليمن. ولن يرغب أحدٌ في تنظيفها أو دفنها، وحينها سيُدرك السعوديون والحوثيون والبريطانيون أنَّهم يُحاربون من أجل شيءٍ لا وجود له».

«سي إن إن» تكشف رحلة السلاح الأمريكي من السعودية والإمارات إلى القاعدة وإيران

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد