النازية واحدة، بينما الفاشية متغيرة تأخذ قوالب عدة، فالفاشية قومية متطرفة، هكذا ميز «أومبرتو إكو» الفاشية في مقالته الشهيرة بعنوان «الفاشية الأزلية». «أومبرتو إكو» فيلسوف إيطالي وروائي وباحث في القرون الوسطى*.

نشر موقع «أوبن كالتشر» تقريرًا يعرض باختصار السمات الأربعة عشر المشتركة للفاشية التي ذكرها «أومبرتو إكو» في مقالته. يقول الكاتب:

أحد الأسئلة الرئيسية التي تواجه كلًّا من الصحفيين والمعارضين الحقيقيين هذه الأيام، هي كيف نكون صادقين إذا ما صار التهوين والتسطيح سمة لحديثنا؟

هل نستطيع استخدام بعض الكلمات مثل الفاشية، بكل ما تعنيه الكلمة من معان، عند التحدث عن تاريخ العالم؟

لقد تحول هذا المصطلح بعد عقود من الحرب العالمية الثانية إلى مجرد تعبير مبتذل «خنزير فاشي»، فقد ذكر «أومبرتو إيكو» في مقالته بعنوان «الفاشية الأزلية» عام 1995، «استخدم الأمريكيين المتعصبين تلك الكلمة قبل ثلاثين عامًا في إشارة للشرطي الذي اعترض على عادات التدخين لديهم»، ومن جانب آخر، خلال فترة الأربعينيات، كان الصراع ضد الفاشية «واجبًا أخلاقيًا على كل أمريكي صالح»، وكان لا بد أن يضيف إلى هذه العبارة وكل فرد إنجليزي وفرنسي صالح أيضًا.

ترعرع «أومبرتو إكو» في ظل نظام موسوليني الفاشي، والذي «كان بالتأكيد نظامًا ديكتاتوريًا، ولكنه لم يكن نظامًا شموليًا بالكلية، ليس بسبب اعتداله، بل بسبب الضعف الفلسفي في أيديولوجيته، وخلافًا للرأي الشائع، لم تكن للفاشية الإيطالية فلسفتها الخاصة»، ولكن كان لديها أسلوبها الخاص، كان لديها «طريقة لبس أكثر تأثيرًا -بقمصانها السوداء- من أي وقت مضى، فاق تأثيرها أزياء أرماني أو بينتون أو فيرزاتشي». تشير الكوميديا السوداء في التعليق السابق إلى وجود إجماع خطير حول الفاشية، باعتبارها أحد أشكال القومية المتطرفة، وهو ما يحمل في النهاية ملامح الثقافة الوطنية التي أفرزتها أيًا كانت.

يبدو أن فرض كلمة واحدة جعلها تحمل العديد من التفسيرات الاستبدادية في الثقافات المختلفة عبر أوروبا وحتى أمريكا الجنوبية. ربما تكون إيطاليا «أول بلد أوروبي سيطرت فيه ديكتاتورية يمينية، وكان لها الحق في إقرار النظام السياسي»، لكن ما يحير «إكو» «لماذا صارت كلمة الفاشية مجازًا مرسلًا يمكن إطلاقها على أي حركات استبدادية؟»، يقول: «كانت الفاشية استبدادية مشوشة، مجموعة من الأفكار السياسية والفلسفية، كقفير يعج بالتناقضات».

وبينما كان «أومبرتو إكو» حاسمًا في ادعائه بأنه «كانت هناك دائما نازية واحدة»، يقول: «يمكن أن تتخذ اللعبة الفاشية قوالب، إلا أن اسمها لا يتغير»، ويقلص الروائي -والمتخصص في التوصيف- صفات ما يطلق عليه «الفاشية الأزلية» إلى 14 سمة «نمطية». ويقول إن تلك السمات «لا يمكن وضعها في نظام واحد، فبعضها يتعارض مع الآخر، بينما تكون متطابقة مع أنواع أخرى من الاستبداد أو الرجعية. لكن يكفي أن تتواجد أحدها فتسمح للفاشية بالتخثر حولها».

  1. عقيدة التقاليد، «يجب أن نبحث في مناهج كافة الحركات الفاشية لكي نعثر على مفكري التقليدية الأساسيين، العرفانية النازية كانت غنية بالتقليدية والتوفيقية والعناصر المستترة».
  2. رفض الحداثة، «يعد التنوير وعصر المنطق بداية الفساد الحديث، ووفقًا لهذا المنطق، يمكن تعريف الفاشية الأزلية على أنها اللاعقلانية».
  3. عقيدة الفعل من أجل الفعل، “فالفعل جميل بذاته، ويجب الأخذ به قبل أو بدون أي تفكير مسبق، فالتفكير نوع من الإخصاء».
  4. الاختلاف خيانة، «الروح النقدية تحدث نوعًا من التمييز، والقدرة على التمييز هي أحد علامات الحداثة. في الثقافة الحديثة، تشيد المجتمعات العلمية بهذا الاختلاف باعتباره وسيلة لتنمية المعرفة».
  5. الخوف من الاختلاف، «يعد أول تحرك للفاشية أو الحركة الفاشية الخديجة هو النفور من الدخلاء –الغرباء-، ومن ثم فإن الفاشية الأزلية هي عنصرية بطبيعة الحال».
  6. الإحباط الاجتماعي، «يعد أحد السمات النمطية للفاشية التاريخية هو استمالة الطبقات الوسطى المحبطة، وهو طبقة اجتماعية تعاني من الأزمات الاقتصادية، أو من مشاعر المهانة السياسية، بالإضافة للخوف من ضغط الطبقات الاجتماعية الأدنى».
  7. هوس المؤامرة، «يجب أن يشعر الأتباع بأن هناك من يتربص بهم، وأسهل طريقة للتغلب على هذه المؤامرة، هو اللجوء للخوف من الأجانب».
  8. العدو قوي وضعيف في نفس الوقت «من خلال التحول المستمر في تركيز الخطاب، الأعداء يكونون بالغي القوة والضعف في نفس الوقت».
  9. السلمية متاجرة مع الأعداء «للفاشية الأزلية لا يوجد صراع لأجل الحياة، إنما الحياة تعاش من أجل الصراع».
  10. ازدراء الضعفاء «النخبوية هي مظهر نمطي لأي أيديولوجية رجعية».
  11. كل شخص يتعلم كي يكون بطلًا «في أيديولوجية الفاشية الأزلية، البطولة هي المعيار. عقيدة البطولية تلك ترتبط بحزم بعقيدة الموت».
  12. المغالاة في القوة العضلية والتسلح «المغالاة في القوة العضلية تحمل ضمنيًا ازدراء للمرأة وتعصبًا وإدانة للعادات الجنسية غير المتعارف عليها، من العفة حتى المثلية».
  13. الشعبوية الانتقائية «يوجد في مستقبلنا شعبوية التلفاز أو الإنترنت، حيث يمكن أن تعرض ردة الفعل العاطفية لمجموعة منتقاة من المواطنين، وتقبل باعتبارها صوت الناس».
  14. الفاشية الأزلية تتحدث النيوسبيك ( لغة خيالية وردت في رواية 1984 التي كتبها جورج أورويل. وهي لغة سيطرة اخترعتها دولة أوقيانيا، باعتبارها أداة للحد من حرية الفكر والمفاهيم التي تهدد النظام كحرية الإرادة وحرية التعبير عن الذات والفرد والسلام)* «كل الكتب المدرسية النازية والفاشية استفادت من حصيلة مفردات فقيرة وتراكيب ابتدائية من أجل الحد من أدوات التفكير المعقد والناقد».

تلك القائمة المختصرة تأتينا بفضل «كوتكي» المدون، الذي كتب «لدينا تاريخ قوي من الاستبداديات المتعارضة. وأود لو أعتقد أن المعارضة تشبه رد فعل النظام المناعي الذي يتدخل».

ولعل أحد التفاصيل التي ذكرها «أومبرتو إكو» في مقاله والذي غالبا لا يلتفت إليه في وصفه لحركات المعارضة الإيطالية هو استبعاد الاندماج. تضمنت المقاومة الشيوعيين الذين «استغلوا المقاومة كما لو كانت ملكيتهم الخاصة» والزعماء مثل «فرانكي» -بطل «إيكو» في الطفولة- الذي كان «من أشد معارضي الشيوعية بحيث انضم عقب الحرب لمجموعات أقصى اليمين». ربما يكون ذلك نفسه سمة مخصوصة للمقاومة الإيطالية، معارضة لا يمكن ملاحظتها عبر عدد الأمم التي عارضت الحكومات الاستبدادية. وفيما يبدو أنه غياب تام للمصالح المشتركة بين تلك الأحزاب، يقول «إيكو» ببساطة «لا يهم!… كان التحرير عملًا مشتركًا لأجل الناس من مختلف الأطياف».

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات