سلَّطت شبكة «سي إن إن» الأمريكية الضوء على تحذيراتٍ من موجة من الانقراض الجماعي للحياة البرية، هي السادسة في تاريخ كوكب الأرض والأولى التي يتسبب فيها البشر. فكيف ستتأثر الطبيعة، كما نعرفها، بهذه التغيرات؟

أشارت الشبكة إلى أنَّ تلك الموجة تُهدِّد باختفاء الفيلة من البرية في غضون جيل، في الوقت الذي تتراجع فيه أعداد البرمائيات بالفِعل، وتزداد درجة حرارة وحموضة المُحيطات بفعل تغيُّر المناخ، مُهدّدة بإبادةً الشعاب المرجانية.

خطرٌ حقيقي: أول حالة انقراض لحيوان نتيجة التغيرات المناخية الحالية

واستشهدت بتقريرٍ أُممي أعدّه المُنتدى الحكومي الدولي للعلوم والسياسات المعني بالتنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية (IPBES). ورغم أنَّه لا جديد في النقاط الواردة بالتقرير، قالت الشبكة الأمريكية إنَّ النتائج التي خلُص إليها ما تزال عميقة ومُثيرة للقلق. وخصّت بالذكر ثلاث نتائج على وجه التحديد:

– ثلاثة أرباع الأرض: 75% من سطح الأرض «تغيَّر بشكلٍ كبير»، وأيضًا فإنَّ التنوّع البيولوجي «آخِذ في التراجع بشكلٍ أسرع من أي وقت مضى في تاريخ البشرية».

– مليون نوع: «يواجه مليون نوع بالفعل خطر الانقراض، العديد منها خلال عقود، ما لم يتم اتخاذ إجراء للحدِّ من شدة دوافع فقدان التنوّع البيولوجي. وبدون هذه التدابير، سيكون هناك تسارع إضافي في المعدل العالمي لانقراض الأنواع، الذي يفوق بعشرات إلى مئات المرات ما كان عليه في المتوسط على مدى 10 مليون عام مضت».

– 82% من الكتلة الحيوية للثدييات: الأمر لا يتعلّق بعدد الأنواع المُهددة بالانقراض فقط، لكن بالكمية الإجمالية لكتلة المخلوقات الحية أيضًا. يتم قياس ذلك عن طريق الكتلة. وبحسب التقرير، انخفضت الكتلة الحيوية العالمية للثدييات البرية بنسبة 82% منذ عصور ما قبل التاريخ. وهذه حقيقة وليست تنبّؤات.

على حافة الانهيار.. أو الانقراض

بحسب الشبكة، تُشير هذه الأرقام إلى حقيقة أساسية: من خلال تعاملنا مع كوكب الأرض على أنَّه وُجِد فقط لإسكان البشر وتنمية المحاصيل واستغلال موارد الطاقة، ساهمنا في رفع مُعدّلات الانقراض ووضعنا الطبيعة على حافة الانهيار. ويُبرز التقرير، الذي يُعد الأول من نوعه منذ عام 2005، فكرة أنَّ استمرار الوجود البشري يُهدد بسوء الوضع.

وترى «سي إن إن» أنَّ البشر يدركون ذلك، وأنَّ أعمالنا اليومية، الطريقة الاستهلاكية والاستخراجية التي يسير عليها عالمنا اليوم، تُهدد بتدمير البيئة الطبيعية كما نعرفها، التي تغيرت كثيرًا عن البيئة التي عاش فيها أسلافنا.

Embed from Getty Images

ورغم ذلك، فإنَّنا نفشل في تنفيذ التغييرات التي نعرف أنَّها ضرورية، والتي تتضمن خفض انبعاثات الكربون لإبطاء مُعدّل تغير المناخ؛ وضبط الصيادين الذين يُهرّبون قرون وحيد القرن، ويسرقون ذيول الزرافات، ويقتلون حيوانات البنجول؛ وحظر المواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد؛ والأهم من ذلك حماية نصف سطح الأرض.

وتتمثل النقطة الأخيرة بحسب الشبكة في حماية حوالي نصف الأرض والمحيطات، مع إيلاء اهتمامٍ خاص للمناطق المدارية، التي تمثل البؤر الساخنة للتنوع البيولوجي، وهي نقطة حاسمة للغاية. فمفهوم «نصف الأرض»، الذي حدّده عالم الأحياء إدوارد ويلسون وآخرون، يمكن تحقيقه باستثماراتٍ تبلغ 100 مليار دولار سنويًا على الصعيد العالمي، حسبما قال إريك داينرستاين، مدير حلول التنوع البيولوجي والحياة البرية في مجموعة «ريسولف»، الذي وصف الأمر بأنَّه «صفقة» إن فكرنا في الأمر باعتباره استثمارًا من أجل البقاء.

وفي الوقت الحالي، بحسب التقرير، يخضع للحماية 15% فقط من اليابسة وبيئات المياه العذبة، و7% من الموائل البحرية، لأنَّها «تُغطي جزئيًا مواقع مهمة للتنوع البيولوجي، ولم يتم بعد تمثيلها بيئيًا بالكامل وإدارتها بفاعلية أو إنصاف».

حلول في مُتناول اليد

ترى الشبكة الأمريكية أنَّ الخطوات الواجب اتباعها ليست بسيطة، لكنَّها في مُتناول اليد. وتشير إلى أنَّ سبب عجزنا عن التصرف تجاه الأمر يعود في أفضل الحالات إلى سوء فهمٍ كبير، ناتج عن إخفاقٍ في التواصل بين العلماء والجمهور العام.

إذ كتب أنتوني بارنوسكي، المدير التنفيذي لمحمية «جاسبر ريدج» البيولوجية بجامعة ستانفورد، في رسالةٍ بالبريد الإلكتروني: «لقد أقرَّ المجتمع العلمي بهذه الأزمة منذ أكثر من عشرين عامًا. العقبة كانت تتمثل في إيصال هذه المخاطر إلى الرأي العام وصانعي السياسة بطريقةٍ مُجدية. آمل أن يُساعد هذا التقرير في ذلك».

Embed from Getty Images

وإذا شعرت بالقلق إزاء نتائج التقرير الأخير حول التنوّع البيولوجي، يوصي بارنوسكي بالتفكير في تناول كمياتٍ أقل من اللحوم (خاصةً اللحم البقري)، لأنَّ الزراعة الحيوانية لها بصمة كبيرة على هذا الكوكب، وحيوانات مثل الماشية والثيران والخراف بالأخص تساهم في تغيٌّر المناخ بشكلٍ كبير.

وينصح بالبحث عن بدائل أخرى لتقليل انبعاثات الكربون أيضًا، نظرًا لأنَّ تغيُّر المناخ والانقراض مرتبطان في دائرةٍ مغلقة. إذ يساهم حرق الغابات أو تقطيعها في ارتفاع حرارة الكوكب لأنَّ النباتات تمتص ثاني أكسيد الكربون، وهو من الغازات الحابسة للحرارة.

وعلى الجانب الآخر، يهدد الاحتباس الحراري بعض النظم الإيكولوجية المهمة، بما في ذلك غابات الأمازون. وقال بارنوسكي: «ادعموا القادة الذي يُولون للطبيعة أولويةً ويُحاربون تغيّر المناخ».

أمَّا الشيء الخطأ، كما يُجمِع الكثير من الأشخاص، أن نفقد الأمل في حلّ المشكلة، بحسب الشبكة الأمريكية.

إذ قال ستيوارت بيم، أستاذ علم البيئة بجامعة ديوك: «هل المُستقبل قاتم؟ نعم. هل يزداد سوءًا؟ نعم. لكن هل نحرز تقدمًا؟ نعم بالتأكيد. ومع أنَّنا لم نحقق بعض الأهداف، فمن الواضح أنَّنا نقوم بأشياء جيدة. نحن نحمي أجزاء كبيرة من الكوكب، على الأرض وفي المحيطات على حدٍ سواء. وأصبحنا أكثر وعيًا بالمشكلة».

صراخ في وجه العاصفة

لكن تشير الشبكة إلى أنَّه يُمكن تحليل الأمر بمنظورٍ آخر. فربما ما يحدث مجرد سوء تواصل، وليس إشارة على عدم قدرتنا على التعامل مع التغيرات البيئية الهائلة بمثل هذه الخطوات البطيئة.

وربما يحدث الانقراض وتغيُّر المناخ وكل علامات نهاية الطبيعة بعيدًا عن مدينتنا لدرجةٍ تجعلنا لا نلاحظها، وربما تكون وتيرة التغيير بطيئةً على نحوٍ لا يجعلنا نشعر بالقلق. وربما صمَّمنا أنظمتنا السياسية واقتصاداتنا لتعمل فقط من أجل تحقيق مكاسب قصيرة الأجل، وليس للبقاء على المدى الطويل.

ورغم استمرار التحذيرات منذ سنوات، يتواصل تدمير الطبيعة.

ففي عام 1995، كتب بيم ورقةً بحثية رفعت الوعي بمُعدلات الانقراض. وألّف بيل ماكيبين كتاب «نهاية الطبيعة» في 1989. غير أنَّ الكتابة في هذا الشأن اليوم، في عام 2019، تُشبه الصراخ في وجه العاصفة حسب وصف «سي إن إن»، التي ختمت قائلةً: «لا زلنا قادرين بالكاد على السماع، لكنَّ الضجيج يصُم الآذان».

«لستِ أمًا قاسية كالوقواق».. ما الأسباب التي قد تدفع الحيوانات لقتل صغارها؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد