يقول الكاتب إنه عندما جاء إلى واشنطن في عام 2002، كانت وزارة الدفاع من أفضل أصدقاء تركيا داخل الحكومة الأمريكية. اعتبر البنتاغون تركيا حليفًا قويًّا، وكان أفراد يرتدون الزي العسكري الأمريكي لديهم عاطفة عميقة بالنسبة لتركيا، بسبب التعاون الأمريكي التركي في الحرب الباردة، وفي البلقان في التسعينيات.

اليوم، فقدت وزارة الدفاع ولعها بتركيا. هذا التغيير هو نتيجة لشعور أمريكا بحدوث تغير في هوية تركيا ودورها في حلف شمال الأطلسي. لا يجب التفكير في الأمر على أن ثمة عداءً صريحًا بين البلدين. فما تزال تركيا رسميًّا حليفة لواشنطن.

بل إن العلاقات العسكرية حتى تزدهر. فالضباط الأمريكيون يحترمون نظراءهم الأتراك ويرغبون في العمل معهم، ولدى تركيا أصدقاء في أماكن أخرى في الحكومة الأمريكية. ومع ذلك، فإن الجيش الأمريكي لم يعد ينظر إلى تركيا كما كان يفعل في السابق.

ما سبب الخلاف؟

إن التحول في وضع تركيا في نظر الجيش الأمريكي هو نتيجة للآليات التركية والأمريكية المختلفة. في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، غدت حكومة الولايات المتحدة، بما في ذلك الجيش، مشغولة بتحديد الحلفاء المسلمين المعتدلين. استفادت تركيا من هذا المسعى مع فوز حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم في انتخابات عام 2002، فشكل الحكومة بناءً على فكرة الاعتدال.

لكن حزب العدالة والتنمية أغضب حلفاءه المحتملين في واشنطن، وذلك عندما رفض مساعدة واشنطن في الحرب على العراق في عام 2003. يرى البعض أن الجيش الأمريكي لم يتعاف تمامًا من هذا الخلاف، على الرغم من أن بقية الحكومة طبعت العلاقات مع الحزب في نهاية المطاف.

على أي حال، جرى استعادة العلاقات الثنائية تدريجيًّا بمجرد أن بدأت أنقرة في مساعدة الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان، وفي الحرب ضد تنظيم القاعدة.

في ظل زعامة حزب العدالة والتنمية في العقد الماضي، أصبحت تركيا مركزًا لوجستيًّا للعمليات الأمريكية في الشرق الأوسط وخارجه. وفي المقابل، بدأت واشنطن في تقديم المساعدة الاستخبارية لتركيا في حربها ضد حزب العمال الكردستاني المحظور في عام 2007، وبدأت العلاقات بين أنقرة وواشنطن تتوطد.

يمكن القول إن الجيش الأمريكي كان على استعداد لنسيان الخلاف الذي نشب مع تركيا بسبب حرب العراق، ولكن أزمة عام 2010 بين تركيا وإسرائيل بددت هذا الأمل. أدى انهيار العلاقات بين حليفين رئيسيين للبنتاغون في الشرق الأوسط إلى إحباط الجيش الأمريكي وإغضابه أيضًا من دور حكومة حزب العدالة والتنمية في إزكاء أزمة أسطول الحرية، التي أدت إلى انهيار العلاقات التركية الإسرائيلية في مايو من عام 2010.

القشة التي قصمت ظهر البعير

اهتزت ثقة الجيش الأمريكي في تركيا في عام 2013، عندما قررت تركيا شراء نظام دفاع جوي صيني، مما أثار اعتراضات علنية نادرة من واشنطن. كما حذر حلف شمال الأطلسي من أن الحلف لن يدخل النظام الصيني في نظام الدفاع الجوي الخاص به.

من وجهة نظر واشنطن، زادت تركيا “الطين بلة” بهذه الخطوة – وكانت أنقرة قد لجأت للتو إلى حلف شمال الأطلسي لنشر صواريخ باتريوت داخل تركيا لصد التهديد السوري في ديسمبر من عام 2012. وبالتالي، من جهة، لم يكن لدى تركيا مشكلة في الاعتماد على الدعم العسكري لحلف الناتو، بينما من جهة أخرى، اشترت نظامًا لا يمكن استخدامه لدعم حلفاء تركيا في حلف شمال الأطلسي.

منذ ذلك الحين، حاولت أنقرة عكس الضرر، كما أن هناك دلائل تشير إلى أن تركيا قد تشتري نظام دفاع جوي أوروبي، ولكن الضرر قد وقع بالفعل. ويرى البنتاجون هذه الحلقة كمثال آخر على الأيديولوجيا التي يتبعها حزب العدالة والتنمية التركي مع خصوم أمريكا.

وتبعًا لنمط من الصعود والهبوط، ومع بداية الربيع العربي، جدد التعاون التركي مع واشنطن في ليبيا الآمال في استعادة علاقات الجيش الأمريكي مع تركيا. ولكن الأحداث على الأرض بددت هذا الأمل مجددًا. عندما وصل الربيع العربي إلى سوريا، التي تقع على عتبة تركيا، في عام 2011، قفزت أنقرة لدعم الانتفاضة السورية قبل واشنطن.

ومع ذلك، فقد غضت الطرف أيضًا عن الجهاديين الذين كانوا في طريقهم إلى سوريا لمحاربة نظام الأسد. وكانت على استعداد لتجاهل هذه التهديدات لأن هدف أنقرة الأساسي في سوريا هو الإطاحة بنظام الأسد.

ولكن كي نكون منصفين، لم تقصد تركيا أبدًا دعم الجهاديين. بدلًا من ذلك، اعتقدت أنقرة وما تزال تأمل أن “الأسد سيسقط، وسوف يتولى الأخيار حكم البلاد، ومن ثم سيقضي أولئك الأخيار على الأشرار”.

ولكن بالطبع، لم يحدث ذلك. وفي غضون ذلك، دشن بعض من الأشرار الذين عبروا الحدود إلى سوريا الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش). وقد زاد عجز أنقرة على التنبؤ واستباق ردود فعل الجهاديين من مخاوف البنتاغون اتجاه تركيا.

الوضع الحالي

اليوم، يرى الكثيرون في الجيش الأمريكي تركيا كبلد يعمل مع خصوم أمريكا في سوريا. أنقرة، من ناحية أخرى، تنظر إلى عملية التطرف في سوريا بشكل مختلف، وتلقي باللوم على عدم وجود دعم من جانب الولايات المتحدة للمتمردين المعتدلين، وأن ذلك هو السبب الرئيسي في ظهور الجهاديين في الصراع.

ومن المفارقات، على الرغم من نهجهما المختلف، أن التهديد الذي يمثله تنظيم داعش أعاد التقارب بين تركيا وواشنطن، ويعمل البلدان الآن على مكافحة التنظيم على المستوى الثنائي. وبالمعنى التقني، فإن العلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة وتركيا تزدهر.

ولكن ما تزال هناك خلافات عميقة وراء هذه الهالة من التعاون العميق. على سبيل المثال، حليف تركيا على أرض الواقع في سوريا هو تنظيم أحرار الشام، وهي جماعة تختلف قليلاً جدًّا عن تنظيم القاعدة. وعلى العكس، فحليف أمريكا على الأرض في سوريا هو حزب الوحدة الديمقراطي، وهو حزب يختلف قليلاً جدًّا عن حزب العمال الكردستاني.

وقد أثرت ثلاثة عشر عامًا من الخلافات السياسية بين أنقرة وواشنطن على وجهات نظر الجيش الأمريكي نحو تركيا. حيث يرى الكثيرون في وزارة الدفاع الأمريكية تركيا ليس بوصفها حليًفا قويًّا، ولكن كدولة ضالة في منظمة حلف شمال الأطلسي تخبئ الدين والعقيدة في جعبتها، في انتهاك ميثاق الحلف.

يشبه اجتماع الناتو حفل عشاء مهذبًا ولا مجال فيه للمناقشات الدينية، بينما يشبه حزب العدالة والتنمية الضيف غريب الأطوار الذي يصر على مناقشة الدين على حفل العشاء. ربما تتعاون كل من واشنطن وأنقرة معًا عسكريًّا، لكن ولع الجيش الأمريكي بتركيا انتهى، وذلك على الأقل في الوقت الراهن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد