نشرت مجلة «فورين بوليسي» تقريرًا لـ لينسي شوتل، الكاتبة بالمجلة الأمريكية والمتهمة بتغطية الشؤون الأفريقية، تناولت فيه الحديث عن تطورات الأوضاع في أفريقيا وموقف الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة الرئيس الأمريكي جو بايدن منها، موازنةً بجهود دونالد ترامب المتواضعة في الملف الأفريقي، مؤكدة على أن بايدن يمكن أن يبني إرثًا في القارة من خلال إعطاء أولوية للأفارقة الذين تخلَّفوا عن الركب الاقتصادي والذين أُقحِموا في صراعاتٍ عنيفة.

بايدن يعدل عن سياسة ترامب الأفريقية

تستهل الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى أن علاقة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بالقارة الأفريقية اتَّسَمت بالجفاء، بدايةً من التصريحات المُحمَّلة بالبذاءات في بداية رئاسته وصولًا إلى تمكين الفساد من الاستشراء باعتباره أحد أفعال ترامب الأخيرة في مجال السياسة الخارجية.

دولي

منذ 3 شهور
«بوليتيكو»: سياسات بايدن في الشرق الأوسط لا تشبه ترامب.. ولا أوباما

ومع أنه استضاف قادة أفريقيين باعتبارهم يُمثِّلون أهمية لطموحات إدارته الأمنية، لم تطأ قدما ترامب نفسه أرض القارة الأفريقية. وتُظهِر الإدارة الجديدة التي تتَّبع إستراتيجية جديدة للسياسة الخارجية في عهد الرئيس جو بايدن بالفعل تحولًا ملحوظًا تجاه الأولويات الأفريقية.

بداية جديدة

وأبرزت الكاتبة ما قاله وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في خطاب رسَمَ فيه الخطوط العريضة لأهداف وزارته، إذ أوضح قائلًا: «نحن ببساطة لا نملك رفاهية اختيار من أين نبدأ، كما لو كانت السنوات الأربع الماضية لم تحدث (بمعنى أننا يجب أن نتعامل مع إرث ترامب). ولكننا ننظر إلى العالم من منظورٍ جديد». وتضمَّن جزء من طموح إدارة بايدن أن تعمل السياسة الخارجية على خدمة الطبقة المتوسطة الأمريكية، لكن محاولة بناء إجماع وطني بشأن القضايا الدولية ستتَّضح على نحو أكبر في البلدان التي تحظى بأولوية التعامل من جانب الإدارة الجديدة أو التي تتعرض لتجاهلها.

وتضمنت قائمة وزارة الخارجية التي تضم ثمانية مجالاتٍ للتركيز، بما في ذلك الهجرة وجائحة كوفيد-19 والعلاقات بين الولايات المتحدة والصين والأمن السيبراني، رسالةً واضحة تفيد أن الحكومة الأمريكية تخطِّط للعودة إلى الساحة العالمية. ويمكن أن تستفيد أفريقيا من التركيز الجديد لوزارة الخارجية الأمريكية على الأزمة المناخية وتعزيز الديمقراطية، ولكن التركيز على إعادة بناء تحالفات سيكون بمثابة أداة أساسية نظرًا لأن المناطق التي تمتد من منطقة الساحل الأفريقي إلى منطقة القرن الأفريقي أصبحت تمثِّل الخطوط الأمامية في الأزمات الأمنية الناشئة.

السيطرة العملية في إثيوبيا

وترى الكاتبة أن قرار وزارة الخارجية الأمريكية الذي يقضي بإثارة مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان والمذابح المُرتكَبَة في إثيوبيا بصورة علنية يُظهر استعدادًا لاضطلاع واشنطن مرةً أخرى بدورها باعتبارها صوتًا دوليًّا للضمير، وهو ما يُمثِّل تحُوُّلًا من اللامبالاة الأخلاقية الملموسة التي تبنتها إدارة ترامب تجاه أفريقيا. وفي هذا الأسبوع، وصل السيناتور كريس كونز، وهو حليف مُقرَّب من بايدن، إلى إثيوبيا «ليعرب عن القلق البالغ الذي يساور الرئيس بايدن إزاء الأزمة الإنسانية وانتهاكات حقوق الإنسان في منطقة تيجراي وخطورة عدم الاستقرار الأوسع نطاقًا في منطقة القرن الأفريقي».

التركيز على منطقة القرن الأفريقي

وفي إشارة إلى أهمية الصراع، من المتوقع أيضًا أن يختار بايدن الدبلوماسي المُخضرَم جيفري فيلتمان ليشغل منصب مبعوثه الخاص إلى منطقة القرن الأفريقي. وفي تصريح لمجلة فورين بوليسي حول تعيين فيلتمان، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية: «تبرهن مشاركتنا المستمرة على مستوى رفيع، بما في ذلك في مجالات الأمن والصحة العالمية وتغيُّر المناخ والحرية والديمقراطية وتحقيق الرخاء المُشترَك، على التزامنا بما وعدنا به، وهذا ينطبق بالتأكيد على منطقة القرن الأفريقي».

Embed from Getty Images

ومع أنَّ بلينكين لم يُحدِّد سياسته في الصومال حتى الآن، يُظهر التعيين المتوقع لفيلتمان استعدادًا لأن يضطلع بدورٍ أكثر نشاطًا في المنطقة. وفي نهاية ولايته الرئاسية اليتيمة، أصدر ترامب أوامره بسحب حوالي 700 جندي أمريكي من البلاد، حيث قدَّموا دعمًا للجيش الصومالي، بما في ذلك شَنُّ عشرات الغارات الجوية التي استهدفت حركة الشباب.

وتنوِّه الكاتبة إلى أن انسحاب القوات في يناير (كانون الثاني) جاء في وقتٍ بدا فيه أن الصومال مُعرَّض لخطر الانزلاق على نحوٍ متزايدٍ في فوضى سياسية. وفي الأسبوع الماضي، دعَت وزارة الخارجية السياسيين الصوماليين إلى طرح خلافاتهم جانبًا والمضي قُدمًا في إجراء العملية الانتخابية التي توقَّفت في فبراير(شباط).

«عَرْقنة» القضايا الأفريقية

وتستشهد الكاتبة بالنقَّاد الذين يخشون من أن يؤدي النفوذ الأمريكي في أقصى الجنوب (في أفريقيا) إلى تفاقم الأزمة الأمنية في موزمبيق وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية. وفي وقت سابق من هذا الشهر، أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية جماعات متمردة في كلا البلدين على قائمة التنظيمات الإرهابية بسبب ارتباطاتها المزعومة بتنظيم داعش. ويفسح هذا الإدراج المجال لمشاركةٍ أكبر، كما حدث بالفعل في موزمبيق، حيث ستبدأ القوات الخاصة الأمريكية في تدريب قوات الأمن الموزمبيقية.

ولا غرو؛ فقد أثارت هذه التطورات مخاوف بشأن ما يصفه أحد المحللين بـ «عَرْقنة» (أي أن الأمور تسير كما حدث في السيناريو العراقي) المنطقة من خلال رد عسكري يتجاهل الحقائق الاجتماعية والاقتصادية على الأرض لصالح ما يبدو أنه حل سريع. ويخشى محللون في جمهورية الكونغو الديمقراطية من أن الربط بين العنف وداعش قد يتجاهل الجذور التاريخية للصراع الذي دام عقودًا.

القوة الناعمة

وتستدرك الكاتبة قائلة: لكنَّ السياسة الخارجية للولايات المتحدة في أفريقيا تنطوي على أكثر من مجرد مساعدة عسكرية؛ إذ تشمل علاقة اقتصادية كانت غير متوازنة إلى حد كبير، ولكنَّها تشمل أيضًا مجموعة من السياسات الإنسانية التي أصبحت ضرورية بالنسبة لفقراء القارة.

Embed from Getty Images

وكان الرئيس السابق جورج بوش الابن قد سنَّ قانون النمو والفرص في أفريقيا وأعلن عن خُطة الرئيس الطارئة الضخمة للإغاثة من الإيدز، كما أعلن باراك أوباما عن مبادرتي الطاقة لأفريقيا والقادة الأفارقة الشباب. بل حتى ترامب، الذي تأخَّر في إدراك أهمية المنطقة، أعلن عن برنامج ازدهار أفريقيا التجاري، الذي يهدف إلى حدٍ كبير إلى اجتذاب الحكومات والأعمال التجارية بعيدًا عن مبادرة الحزام والطريق الصينية.

وتظهر أهمية هذه الصورة عند محاولة مكافحة النفوذ الصيني في أفريقيا، ولكن هذه الجهود الواسعة غالبًا ما تتجاهل مصلحة الأفارقة في سعيهم لتعزيز علاقة مع بكين على حساب واشنطن. وقد استمال أوباما شبابَ القارة، بينما كان ترامب يتمتع بشعبية مدهشة في أوساط الأنظمة الاستبدادية في أفريقيا. ويمكن أن يبني بايدن إرثًا في القارة من خلال إعضطاء أولوية للأفارقة الذين تخلَّفوا عن الركب الاقتصادي والذين أُقحِموا في صراعاتٍ عنيفة.

وتختم الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة سيناقش يوم الأربعاء الموافق 24 مارس (آذار) الأزمة في ليبيا بعد تقديم إحاطة من المبعوث الخاص ورئيس البعثة. ومن المتوقع إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية في جمهورية الكونغو يوم الجمعة الموافق 26 مارس. كما سيناقش مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يوم الثلاثاء الموافق 30 مارس التقرير الأخير الصادر عن بعثته في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد