بعد عشرين عامًا من أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، يتعين على الولايات المتحدة أن تواجه الحقائق: الخطر الرئيس الذي يجب على واشنطن أن تتعامل معه، لا يُشكِّله متطرفون ينتمون إلى ما يسمَّى بـ«محور الشر»، بل يُشكِّله إرهابيون يولدون ويترعرعون في أحضانها، وأحيانًا يلتحقون بذلك الجيش الذي ترسله الولايات المتحدة إلى أقصى أركان العالم في محاولة لبناء الدول على صورتها الأسطورية، حسب ما يخلُص إليه الكاتب جين مايكل موريل في مقال نشره موقع «أورينت إكس إكس آي» الفرنسي.

أيديولوجية عِرقية

في البداية، يستشهد الكاتب بما جاء في مقال نشره موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، والذي يشير إلى أن «ما يقرب من خُمس الأفراد العسكريين يقولون إنهم لاحظوا علامات وجود نزعة تفوُّق العِرق الأبيض أو العنصرية في صفوف القوات المسلحة، مثل الاستخدام المتبجح للشتائِم العنصرية والخطاب المعادي للسامية، بل تعمُّد وضع عبوات ناسفة على شكل صليب معقوف».

دولي

منذ 5 شهور
«فورين بوليسي»: هل تنجح أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا في تشكيل جبهة موحدة؟

ووفقًا لتقرير أعدَّه مايكل جيرمان، وهو عميل سابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي، نشرته صحيفة «الجارديان» في عددها الصادر بتاريخ 27 أغسطس (آب) 2020، تسلَّل المتشددون البيض أيضًا إلى وكالات إنفاذ القانون في أكثر من اثنتي عشرة ولاية.

وفيما يختص بالشرطة، فإن هذه الأيديولوجية ليست نظرية بحتة بأي حال من الأحوال؛ فقد عبَّرت عن نفسها في جرائم القتل الوحشية مثل تلك التي تعرَّض لها جورج فلويد (40 عامًا) في مدينة مينيابوليس في عام 2020 وأتاتيانا جيفرسون (28 عامًا) في عام 2019، وفريدي جراي (25 عامًا) في فورت وورث في عام 2015، ومايكل براون (18 عامًا) في بالتيمور، وذلك الطفل تامير رايس (12 عامًا)، الذي أطلق عليه شرطي أبيض النار بينما كان يلعب بمسدس لعبة في حديقة في كليفلاند. ومن المؤسف أن هذه القائمة ليست شاملة.

وأشار الكاتب إلى أن كل هؤلاء الضحايا كانوا من الأشخاص السود. وكما يذكِّرنا فرانسواز كوست، الأستاذ في جامعة «تولوز جان جوريس»، قائلًا:

«كل ما يحدث في الولايات المتحدة له علاقة، بطريقة أو بأخرى، بإرث عصر العبودية، وبتقسيم السكان بين البيض والسود، فنظام الرقيق نظام مروِّع ووحشي لدرجة أن مالكي الرقيق والسلطات السياسية سرعان ما أدركوا أنه نظام لا مبرر له، ولكن يجب تبريره لأنه يتعين الحفاظ عليه لأسباب اقتصادية. وكانت سيادة العِرق الأبيض هي الأداة التي صاغوها لتبرير ما لا يمكن تبريره، وخاصةً عندما أرادوا تمريرها للمسيحيين المتحمسين ومحبِّي الكتاب المقدس، الذين يعتنقون فكرة أن جميع الرجال خُلِقوا في صورة الرب.

Embed from Getty Images

ولم يكن هذا التعبير الذي استخدموه في ذلك الوقت، ولكن الفكرة كانت أن هؤلاء السود، هؤلاء الأفارقة، يستحقون أن يكونوا عبيدًا، وأنه لا حاجة للشعور بالذنب حيال ذلك لأنهم كانوا أقل شأنًا، ولم يكونوا حقًا بشرًا مثل أصحاب البشرة البيضاء. ومن الناحية النفسية كانت تلك الفكرة قوية للغاية لأنها أكسبت قضية الرِّق دعم «البِيض الوضيعين الفقراء»، أي البيض الذين لم يكونوا أغنياء بما يكفي لامتلاك العبيد».

مفتاح لدارسة التهديد الإرهابي

لذلك، وحسب ما يضيف الكاتب، تظل المسألة العِرقية مفتاحًا لأي دراسة للتهديد الإرهابي للولايات المتحدة. وبغض النظر عما يسمُّونه أنفسهم وكيف يصيغون مطلبهم المتكرر لإلغاء الحكومة الفيدرالية، مصدر كل الشرور في أذهانهم، فإن العنصريين البيض (يتألفون في الغالب من «البيض الفقراء») ينفقون جُلَّ طاقتهم في محاولة لإعادة تنشيط النضالات الأساسية للمنظمات الأخوية العنصرية المعروفة باسم «كو كلوكس كلان» (KKK)؛ أسلافهم العظام في مسائل الكراهية العنصرية.

وأدَّت تلك النضالات إلى سَنِّ الولايات الجنوبية في حوالي عام 1870 لقوانين «جيم كرو» التي منعت الأمريكيين الأفارقة من ممارسة الحقوق الدستورية التي مُنحت لهم بعد الحرب الأهلية. وكانت تلك الحقوق هي التعديل الثالث عشر الذي ألغى العبودية، والتعديل الرابع عشر الذي منح الجنسية لكل فرد مولود أو متجنس في الولايات المتحدة وحظر أي قيود مفروضة على حقوقهم، والتعديل الخامس عشر الذي يضمن حقوق التصويت لجميع مواطني الولايات المتحدة؛ القوانين التي لم تُطبَّق كاملةً مطلقًا حتى عام 1964.

وإلى جانب هذا النفور من الأمريكيين الأفارقة، أضاف المتعصبون للعِرق الأبيض في الأيام الأخيرة نفورهم من اللاتينيين والمسلمين والآسيويين وبطبيعة الحال الأشخاص الذين عُرِفوا باسم مجتمع المثليين ومزدوجي الميل الجنسي والمتحولين جنسيًّا، ناهيك عن معاداتِهم للسامية، وكان هذا شكلًا آخر من إرث المنظمات العنصرية.

«رواد أعمال العنف»

وأوضح الكاتب أن هؤلاء الأشخاص قد ينتمون إلى طائفة كيو أنان ‏‎(QAnon)‎‏ الدينية المهووسة بنظريات المؤامرة أو إلى القاعدة (وهو الاسم الذي يشير إلى الأساليب التنظيمية والإرهابية لتنظيم القاعدة) أو جماعات «الأولاد الفخورون» (الذين دعاهم دونالد ترامب إلى «الاستعداد» أثناء مناظرته الأولى مع جو بايدن) أو حركة «باتريوت براير»، المؤلفة من الأصوليين المسيحيين.

Embed from Getty Images

وكما قال فيجاس تينولد، الذي يُجري أبحاثًا لمركز التطرف التابع لرابطة مكافحة التشهير، لموقع «ذي إنسايدر» إن هاتين الحركتين الأخيرتين «لديهما أيديولوجية غامضة للغاية. وكل ما يمكن قوله عنهما هو أنهما يؤيِّدان الرب والتعديل الأول» (الذي يضمن حرية التعبير). ويشترك هؤلاء الأشخاص جميعًا في قناعة واحدة مفادها أن «العِرق» الأبيض يفوق كل الأعراق الأخرى. وبما أن هذه السيادة المزعومة مهددة، وللحفاظ عليها، فإن كل شيء مسموح.

ونوَّه الكاتب إلى أن هناك نحو خمس عشرة مجموعة منشقة عن النازيين الجدد متواطئون مع هؤلاء القادمين الجدد في أقصى اليمين، مثل جبهة العاصفة، أو الحزب الاشتراكي الوطني الذي تبنى شعار هتلر «الدم والتربة».

وهناك أيضًا فرقة أتوموفن، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها، ولكن لها فروع في المملكة المتحدة وألمانيا وفي دول البلطيق. وهؤلاء الناسِ لا يتورعون عن فعل أي شيء، بما في ذلك التفجيرات الانتحارية. وفي مقال نُشِر على شبكة الإنترنت في يونيو (حزيران) 2021، أعلن أحد أعضاء فرقة أتوموفن أن «ثقافة الاستشهاد والتمرد في جماعات مثل طالبان وداعش لابد وأن تحظى بالإعجاب والتقليد في حركة النازيين الجدد الإرهابية». وفي عام 2018، اعتُقِل مؤسسها وقائدها، براندون راسل، وأُدِين لحيازته جهاز تدمير ومواد متفجرة.

كذلك تُضاف إلى تلك القائمة غير المكتملة جماعة «الإنسلز» (أي العزوبة غير الطوعية) الذين تجمعهم كراهية النساء. وانطلاقًا من تحميل النساء المسؤولية عن عزوبتهم القسرية، تأسست هذه المجموعة من الذكور المحبطين في عام 1993 ويجري تجنيدهم في جميع أنحاء العالم عبر الإنترنت. وقد أخذ مكتب التحقيقات الفيدرالي تلك المجموعة على محمل الجد، والتي ارتكبت بالفعل عدة أعمال إرهابية.

وفي مايو (آيار) 2014، قتل أحد أتباع المجموعة، ويُدعى إليوت رودجر، ستة أشخاص بسيارة في جزيرة إيسلا فيستا، بولاية كاليفورنيا، وأصاب أربعة عشر آخرين، من الرجال والنساء دون تمييز، قبل إقدامه على الانتحار.

ولن يكتمل هذا المسح المروِّع دون ذكر جماعة «البوجالوس» المهووسين بفكرة بدء حرب أهلية قبل مصادرة أسلحتهم، هذا على الرغم من التعديل الثاني الذي يحظى باحترام واسع. وغالبًا ما يُشاهدَون وهم يرتدون قمصان هاواي (يتباهون بذوقهم السيئ)، حتى إنهم تظاهروا مع الحشود احتجاجًا على مقتل جورج فلويد على أمل إثارة انتفاضة ضد السلطات (يتباهون كذلك باِضطِرابهم العقلي). وهم يؤيدون الحرب الوقائية (الأهلية)، بغض النظر عمن بدأها. ومثل كل منظري نظريات المؤامرة الآخرين، هم مدججون بالسلاح وعلى الرغم من تفكيرهم الضبابي ووديتهم، فهم خطرون.

Embed from Getty Images

وفي المجمل، يُعتقد أن عدد «رواد أعمال العنف» هؤلاء، كما أطلق عليهم العالم السياسي برتران بادي، يبلغ حوالي 100 ألف. ويبدو هذا للوهلة الأولى عدد قليل في بلد يتجاوز عدد سكانه 328 مليون نسمة، ولكنه يكفي لتطوير شبكات ضارة، وإنشاء محاور على الإنترنت مثل «ماي ميليشيا» أو «شبكة باتريوت الأمريكية».

وهي شبكات تمكن مستخدمي الإنترنت من تحديد موقع «ميليشيا» قائمة أو إنشاء واحدة، وإنشاء منصات مثل «جاب» و«ديسكورد» و«ميندس» و«بيتشيوت»، والمنتديات المفتوحة مثل «ستورمفرونت» و«أيرونفرونت» ووضع نظرياتها حول «البديل العظيم»، وزعزعة استقرار الإجراءات الديمقراطية – كما يتضح من «اقتحام» حفنة من هؤلاء الأشخاص مبنى الكونجرس – وارتكاب أعمال إجرامية على نطاق واسع.

وفقًا لتقرير نشره مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في 17 يونيو 2020، فإن المتطرفين اليمينيين مسؤولون عن ثلثي أعمال الإرهاب والمؤامرات التي أثيرت في الولايات المتحدة في عام 2019 وأكثر من 90% بين 1 يناير (كانون الثاني) و8 مايو 2020. وكانت هذه الإحصائيات المقلقة هي التي دفعت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية إلى الاستنتاج في تقرير نُشِر في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 أن «المتطرفين العنيفين ذوي الدوافع العنصرية والعِرقية، وخاصةً المتطرفين العنصريين البيض، سيظلون التهديد الأكثر استمرارًا وفتكًا داخل البلاد».

حقبة دونالد ترامب والعِرق الأبيض

وتابع الكاتب قائلًا: وفي حين طورت وزارة الأمن الداخلي برامج مصممة خصيصًا لمكافحة تهديد القومية البيضاء منذ تفجير إل باسو (تكساس) عام 2019 الذي خلَّف 22 قتيلًا؛ 14 مواطنًا أمريكيًّا و8 مكسيكيين، بذلت إدارة ترامب قصارى جهدها للحد من الوسائل المتاحة لها إلى حد تفكيك بعض الوحدات. وفي عام 2017، أعطت المظاهرة المتطرفة في شارلوتسفيل بولاية فرجينيا، والتي أعلن بعدها دونالد ترامب أن هناك «أناسًا أخيار على كلا الجانبين» دفعة للحركة التي لم تتوقف عن النمو مع مرور الوقت.

وقد عد اليمين المتطرف أن إمكانية التجول في الشوارع مع حمل أسلحة عسكرية بموافقة ضمنية من الرئيس شكلًا من أشكال الدعم، ناهيك عن التشجيع. وكان الأمر كما لو أن أحدهم كان جالسًا في البيت الأبيض. كما لم يتردد الرئيس آنذاك في إعادة نشر تغريدات من حسابات النازيين الجدد أو المتطرفين على «تويتر».

وخلال الحملة الرئاسية لعام 2016، التي اتَّسمت بالمواجهات اللفظية العنيفة على نحوٍ غير عادي، لم تفوت بطانة ترامب أبدًا فرصة لتشجيع هذا الاتجاه المتزايد الذي يفضل التعبير عن وجهة نظره بالبنادق الآلية والمركبات التي تستخدم في السطو واختطاف الأشخاص. وجاءت أفضل لحظاتها مع تعيين ستيف بانون لإدارة حملة دونالد ترامب الرئاسية.

Embed from Getty Images

وبانون هو رئيس مؤسسة «بريتبارت»، إمبراطورية إعلامية تعمل بوصفها حالة عرض لحركة اليمين البديل، التي أسسها ريتشارد سبنسر في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، والتي تدين بكثير من الفضل لأفكار آلان دي بينويست، المنظر الفرنسي لـ«اليمين الجديد» منذ أربعين عامًا، وكذلك لجين راسبيل، كاتب قومي فرنسي.

وبعد أن تولى زمام الأمور من المحافظين الجدد، الذين فقدوا مصداقيتهم إلى حد كبير بحلول ذلك الوقت، جعل بانون شغله الشاغل بث أفكاره المزعجة في الحزب الجمهوري. وكانت تلك هي اللحظة التي اختارها ترامب لينقل عبر «تويتر» فكرةً من أحد منتديات «اليمين البديل» تُظهر هيلاري كلينتون محاطة بأوراق نقدية من فئة المائة دولار ونجمة داوود، مع تعليق: «المرشح الأكثر فسادًا على الإطلاق!»

ويؤيد ريتشارد سبنسر شكلًا سلميًّا من أشكال التطهير العِرقي، وقد أعلن، وفقًا لمجلة «ماذر جونز»، الدعوة إلى «عنصرية هادئة».

ومع ذلك، تصدر «اليمين البديل» عناوين الصحف بأكثر الطرق غير اللائقة الممكنة في 12 أغسطس (آب) 2017 في شارلوتسفيل عندما تظاهر أعضاؤها إلى جانب النازيين الجدد وأعضاء المنظمات الأخوية العنصرية، مرددين شعارات مثل «حياة البيض مهمة» أو «لن يحل اليهود محلَّنا». ونُظمت التظاهرة تحت عنوان «توحيد اليمين» احتجاجًا على إزالة تمثال للجنرال الكونفدرالي روبرت إي لي. ومن بين المتظاهرين المناهضين للفاشية، قُتلت امرأة وأصيب عدد آخر.

دولي

منذ 9 شهور
كيف تعامل رموز اليمين الأمريكي وإعلامه مع اقتحام الكونجرس؟

وما إن تولى جو بايدن منصبه حتى شمَّر عن ساعديه لمواجهة المشكلة مباشرةً، مُعلنًا في خطابه الافتتاحي: «الآن يطل علينا التطرف السياسي وتفوق البيض والإرهاب الداخلي بوجوههم القبيحة التي يجب أن نواجهها وسنهزمها». وفي يونيو 2021، كان بايدن أول رئيس يذهب إلى منطقة جرينوود في تولسا، أوكلاهوما، والمعروفة باسم «بلاك وول ستريت» حيث قُتل المئات من الأمريكيين الأفارقة على يد البيض في عام 1921.

وفي تلك المناسبة أعلن: «بعض المظالم شنيعة ومرعبة ومؤلمة للغاية، ولا يمكن أن نُهِيل التراب عليها مهما حاول الناس فعل ذلك جاهدين»، وأضاف قائلًا: «إنَّ ما حدث في جرينوود كان عملًا من أعمال الكراهية والإرهاب الداخلي الذي لا يزال يطل برأسه حتى اليوم».

Embed from Getty Images

كما أرسل إلى مجلسي النواب والشيوخ تقريرًا يفيد بأن العنصرية العنيفة المتزايدة من العنصريين البيض يمكن أن تتحول إلى هجمات قاتلة ضد المدنيين. وأعلن وزير الأمن الداخلي، أليخاندرو مايوركاس، أن الإرهاب الداخلي أخطر تهديد يواجه الولايات المتحدة اليوم، مضيفًا أن إدارة بايدن جعلته أحد أولوياتها.

وأكَّد الكاتب في ختام مقاله أن خطوة بايدن ضرورية، واستدرك متسائلًا: لكن ألا يجب على الولايات المتحدة أن تسأل نفسها أيضًا، بعد عشرين عامًا من الهجوم الأكثر تدميرًا الذي تعرضت له على أراضيها، لماذا لم يعُد الإرهاب يأتي من الخارج بل من أعماق داخلها؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد