بعد تصويت مجلس الأمن على قرار ضد بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وما أثاره ذلك القرار من موجات من الصدمة الدبلوماسية والسياسية والإعلامية، كتب الصحافي الإسرائيلي، «باراك رافيد»، من صحيفة «هآرتس»، تحليلًا أجاب فيه عن تسعة أسئلة تلخص تلك القضية وتشرح أهم جوانبها.

هل هذا هو القرار الأول لمجلس الأمن بخصوص المستوطنات الإسرائيلية؟

لا. لكنه أول قرار، منذ أكثر من 35 عامًا، يتعامل مع المستوطنات على وجه التحديد. إنَّ آخر قرار من هذا النوع، وهو القرار رقم 465، تبناه مجلس الأمن في شهر مارس (آذار) عام 1980. شهد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني تغييرات دراماتيكية منذ ذلك الحين، إذ نما المشروع الاستيطاني الإسرائيلي بشكل ضخم، كما ازداد تركيز المجتمع الدولي ـ بشكل ملحوظ ـ على المستوطنات باعتبارها خطرًا على حل الدولتين.

هل هذه هي المرة الأولى التي يرفض فيها رئيس أمريكي استخدام حق النقض (الفيتو) ضد قرار لمجلس الأمن بخصوص إسرائيل وفلسطين؟

لا؛ فقد سمح الرؤساء الأمريكيون، منذ عام 1967، بتبني قرارات لمجلس الأمن حول الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني حتى الآن، تبنى مجلس الأمن 47 قرارًا في هذا الصدد، حدثت كلها خلال فترات رئاسة رؤساء غير «أوباما». فقد سمح الرئيس «جورج دبليو بوش» بمرور تسعة قرارات أثناء فترة رئاسته. وتبنى مجلس الأمن ثلاثة قرارات أثناء فترة «بيل كلينتون». في الحقيقة، فإنَّ هذه هي المرة الأولى التي يمتنع فيها أوباما عن استخدام حق النقض الأمريكي في مجلس الأمن فيما يتعلق بإسرائيل منذ دخوله البيت الأبيض منذ ثمان سنوات. آخر مرة عرض مشروع للتصويت حول إسرائيل كانت في شهر فبراير (شباط) عام 2011، وهو قرار متعلق بالمستوطنات الإسرائيلية أيضًا، واستخدم أوباما حق النقض ضده.

هل خالف أوباما تقليدًا يمتد لعقود، بعدم إحداث تغييرات جذرية في السياسة في الفترة الانتقالية بين إدارتين؟

لا. فقد استخدم عدد لا يستهان به من الرؤساء الفترة الانتقالية بين انتخاب رئيس جديد وتسلمه منصبه، إذ يكونون حينها متحررين من الكوابح السياسية المقيدة لإحداث تغييرات جذرية في السياسة الخارجية، بما في ذلك قضية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. فقد استخدم الرئيس «رونالد ريجان» على سبيل المثال الفترة الانتقالية عام 1988 لبدء حوار مع «منظمة التحرير الفلسطينية». واستخدم الرئيس كلينتون الفترة ذاتها لعرض «مقترحات كلينتون» التي وضع فيها مبادئ توجيهية لحل المشكلات الأساسية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

هل يغير القرار من الحالة القانونية للمستوطنات، التي هي غير قانونية بالفعل بموجب القانون الدولي؟

لا؛ فاتفاقية جنيف الرابعة تحظر على الدول نقل السكان وبناء مستوطنات في أراضي دول أخرى تم الاستيلاء عليها بعد حرب. وقد انحاز عدد مهول من الدول، لسنوات، مع الموقف القاضي بأنَّ المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، والقدس الشرقية غير قانونية وتشكل انتهاكًا للقانون الدولي.

ما هي التداعيات المباشرة لقرار مجلس الأمن هذا؟

لن يكون للقرار الذي تبناه مجلس الأمن أية تداعيات عملية لإسرائيل. فالقرار لا يتضمن أية إجراءات قسرية أو يحدد عقوبات على هذه الانتهاكات، باستثناء آلية يقوم بموجبها سكرتير عام الأمم المتحدة بتقديم تقرير حول وضع بناء المستوطنات إلى مجلس الأمن كل ثلاثة أشهر. ويرجع السبب في ذلك إلى أنَّ القرار تم تبنيه بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ومن ثم فهو غير ملزم ولا يشكل أكثر من كونه عرضًا للنوايا، وتوصيات. إنَّ هذا القرار رسالة دبلوماسية إلى إسرائيل، توضح الإجماع الدولي حول قضية المستوطنات، وتزيد من عزل إسرائيل بخصوص ذلك الموضوع. ومن أجل أن يصبح هذا القرار ملزمًا، ومن أجل السماح بالإجبار أو فرض عقوبات من قبل المجتمع الدولي، ينبغي أن يتم تبنيه بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

ما هي التداعيات المحتملة لهذا القرار على المدى البعيد؟

على المدى المتوسط والبعيد، قد يكون لهذا القرار تداعيات خطيرة بالنسبة لإسرائيل عمومًا، وبالنسبة للمشروع الاستيطاني على وجه الخصوص؛ ويرجع السبب في هذا إلى البندين الأساسيين في القرار. ينص أول هذين البندين على أنَّ المستوطنات ليس لها «أية شرعية قانونية وتشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي». تجري المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، حاليًا تحقيقًا مبدئيًا بشأن دعوى قضائية رفعها فلسطينيون ضد إسرائيل. إحدى المسائل التي أثارتها هذه الدعوى مسألة بناء المستوطنات. ولما كان القانون الدولي مستمدًا من عدة جهات، منها قرارات مجلس الأمن، فإنَّ هذا القرار، في هذا التوقيت، قد يؤثر على التحقيق المبدئي وقد يعطي سببًا للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لأن يأمر بفتح تحقيق كامل حول بناء المستوطنات الإسرائيلية.

وهناك بند ثان في القرار يدعو دول العالم «إلى التمييز في معاملاتهم ذات الصلة، بين أراضي دولة إسرائيل، والأراضي المحتلة منذ عام 1967». وهذه سابقة في قرارات الأمم المتحدة فيما يخص الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وهي في حقيقة الأمر تدعو دول العالم إلى قطع العلاقات المباشرة وغير المباشرة مع المستوطنات. ربما يشق ذلك البند طريقًا للدول، والمنظمات الدولية، مثل الاتحاد الأوروبي، والشركات، لفرض عقوبات على المستوطنات. وبحسب تقييم وزارة الخارجية، فالاتحاد الأوروبي سوف يمرر قرارًا مشابهًا على مؤسساته وسوف يبني على ذلك القرار خطوات عملية وتشريعات.

هل ستكون إدارة الرئيس المنتخب «دونالد ترامب» قادرة على إلغاء هذا القرار، أو تمرير قرار مضاد؟

نظريًا، نعم. لكن ليس الأمر كذلك على الناحية العملية. فمن أجل إلغاء القرار، سوف يتعين على ترامب أن يمرر قرارًا مضادًا، يقول بأنَّ المستوطنات قانونية، وليست عقبة أمام السلام، وينبغي أن يحصل هذا القرار على ما لا يقل عن تأييد ثماني دول أعضاء في مجلس الأمن، غير الولايات المتحدة، وضمان أنَّ روسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة لن يستخدموا حق النقض ضد هذا القرار. وأقل ما يقال عن كل هذا أنه غير محتمل. فقد كتب ترامب تغريدة بعد دقائق من تبني القرار، قال فيها إنَّ الوضع سوف يختلف في الأمم المتحدة بعد الـ20 من شهر يناير (كانون الثاني). سوف يكون ترامب قادرًا على التأثير على عمل مجلس الأمن من ذلك الحين، لكنَّ التاريخ يثبت أنَّ هناك فرصة لا يستهان بها أن ترامب، هو الآخر، سوف يتجنب استخدام حق النقض فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

هل ستوقف إدارة ترامب أو النواب الجمهوريون تمويل الولايات المتحدة لمجلس الأمن؟

بعض كبار الجمهوريين، بما فيهم «ليندسي جراهام»، الذي يشغل منصب رئيس اللجنة الفرعية للعمليات الخارجية والبرامج ذات الصلة، قد أعلن بالفعل أنهم سوف يتخذون إجراءات لقطع أو حتى الوقف الكامل لتمويل الولايات المتحدة لمؤسسات الأمم المتحدة؛ ردًا على تبني هذا القرار. وكانت الولايات المتحدة قد اتخذت إجراءً مشابهًا بخصوص «منظمة الأمم المتحدة للعلم والتربية والثقافة» (اليونسكو) عندما قبلت المنظمة فلسطين عضوًا كاملًا. ونتج عن ذلك القرار فقدان الولايات المتحدة لحق التصويت في اليونسكو، وتناقص وتأثيرها على المنظمات بشكل جذري. وقد أضر هذا بإسرائيل، التي لم يعد بإمكانها الاعتماد على الولايات المتحدة لوقف أية إجراءات معادية لإسرائيل تتخذها المنظمة.

لو أنَّ العلاقة بين نتنياهو والرئيس الروسي، «فلاديمير بوتين»، جيدة جدًا، فلم لم تصوت روسيا ضد القرار باستخدام حق النقض؟

إنًّ العلاقات الوطيدة المزعومة بين نتنياهو وبوتين ليس لها تأثير عندما يتعلق الأمر بالمصالح الروسية وحق النقض في الأمم المتحدة. ذلك أنًّ روسيا واحدة من أكبر داعمي الفلسطينيين في الخمسين سنة الأخيرة. لقد صوتت روسيا خلال هذه السنوات، وحتى الآن، ضد إسرائيل، في كل منتدى دولي ممكن. من المحتمل أن تتغير الأمور في المستقبل، لكن في تلك المرحلة على الأقل، فإنَّ الاعتماد على استخدام روسيا لحق النقض في قرار لمجلس الأمن متعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ينتمي للخيال العلمي أكثر من انتمائه للدبلوماسية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات