«ينبغي على الولايات المتحدة التعاقد مع جيش من المرتزقة من أجل إصلاح الوضع في أفغانستان». مقترحٌ يجري الآن الترويج له في أروقة واشنطن. يقف خلف هذا المقترح، كما هو متوقع، كِبار رجال الأعمال في القطاع العسكري الخاص: إيريك برينس، مؤسس «شركة بلاك ووتر»، وستيفن فاينبرج، مالك شركة التعاقدات العسكرية العملاقة «دين كورب انترناشونال»، بطلبٍ من ستيف بانون، كبير الاستراتيجيين في البيت الأبيض، وجاريد كوشنر، كبير المستشارين وصهر الرئيس، وفقًا لتقريرٍ نشرته صحيفة «نيويورك تايمز».

شون ماكفيت، الزميل الرفيع بمؤسسة المجلس الأطلسي البحثية، يكتب في مجلة «ذي أتلانتك» عن الفرصة الجديدة التي تحاول شركات القطاع العسكري الخاص انتهازها في أفغانستان، كما انتهزتها من قبل في العراق.

اقرأ أيضًا: كيف تجند دول العالم (مرتزقة) لها داخل الدولة المعادية لسياساتها؟!

حاكم أمريكي على أفغانستان

في افتتاحية كتبها مؤسس بلاك ووتر بصحيفة «وول ستريت جورنال»، يقدم إيريك برينس خطةً لإنزال قواتٍ عسكرية خاصة في أفغانستان، يقودها «حاكمٌ» أمريكي يتلقى أوامره مباشرة من دونالد ترامب. يستحضر برينس نموذج الجنرال دوجلاس ماك آرثر، حاكم اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، والممثل للسيادة الأمريكية عليها (أقاله الرئيس هاري ترومان لاحقًا بتهمة إساءة استخدام السلطة). مهمة هذا الحاكم هي الانتصار وتهدئة الأوضاع، مهما تطلب الأمر، يقود الحرب من أرض المعركة مباشرة لا من مكتبه الوثير بواشنطن، وبجيشٍ من المرتزقة لا تعوقه قيود الاشتباك المفروضة على الجنود الأمريكيين.

ربَّما يرى برينس في نفسه حاكمًا لأفغانستان، وهذا أمرٌ مقلق وفقًا لماكفيت. فقوات بلاك ووتر العسكرية المتعاقدة مع الجيش الأمريكي، تحت إمرة برينس، فتحت النار على ميدانٍ من ميادين بغداد، وقتلت 17 مدنيًا، فيما يصفه ماكفيت بـ«واقعة من أسوأ وقائع حرب العراق».

بعد خيبة حرب العراق والمشاكل القانونية التي غرقت فيها شركته بلاك ووتر، غادر إيريك برينس الولايات المتحدة، مستقرًا في الإمارات ليساعد حكومتها في إنشاء جيش سري بصحراء شبه الجزيرة، ويعمل لحساب الصين في أفريقيا.

في المقال نفسه كتب برينس أن العمليات الأمريكية في أفغانستان يجب أن تتخذ من شركة الهند الشرقية البريطانية نموذجًا لها. هي شركة خاصة، كانت أداة الاستعمار البريطاني للهند لعدة قرون، بقيادة حاكمٍ يتمتع بسلطات ملكية وجيوش خاصة تحكم «السكان الأصليين». الحل الذي يقترحه برينس لمشكلة أفغانستان هو استعمار جديد للبلاد. ويلفت ماكفيت النظر إلى الضرر الذي ألحقته جيوش الشركة بالهند وشعبها، وبالشركة نفسها التي انتهى بها المطاف إلى الإفلاس وتدخل الحكومة لإنقاذها ماليًا في عام 1770 ثم تأميمها في عام 1874.

يتقدم برينس بمقترحه لأن قوة ضخمة من المرتزقة في أفغانستان على غرار شركة الهند الشرقية ستكون بلاك ووتر ثانية: فرصة تجارية غير عادية لشخصٍ له معارفه داخل البيت الأبيض، فشقيقته هي بتسي ديفوس، وزيرة التعليم في إدارة ترامب. أو ربما هو يريد العودة إلى الوطن. فبعد ما وصفه ماكفيت بـ«خيبة» حرب العراق والمشاكل القانونية التي غرقت فيها شركته بلاك ووتر، غادر برينس البلاد، مستقرًا في الإمارات ليساعد حكومتها في إنشاء جيشٍ سري بصحراء شبه الجزيرة، ويعمل لحساب الصين في أفريقيا.

اقرأ أيضًا: لماذا تستعين الإمارات بالجنود الأجانب «المرتزقة» في الجيش والأمن الداخلي؟

تجارة الحرب

المقترح سخيف، يقول ماكفيت، لكنه على سخافته يحظى بشعبية متزايدة في واشنطن، إذ يتحرك بانون وأقطاب القطاع العسكري الخاص للضغط على البنتاجون والحصول على مباركته. هذا الدعم الذي تجده الفكرة داخل البيت الأبيض يحمل رسالة لشركات القطاع العسكري الخاصة، مفادها أن عصر ازدهار تجارة الحرب ربما يكون في طريقه إلى العودة، ما سيؤدي بالسوق إلى إنتاج أعدادٍ هائلة من الشركات والمقاتلين المرتزقة، وفقًا لقانون العرض والطلب.

من هنا يبدأ ماكفيت الحديث عن الأعوام التي عمِل فيها متعاقدًا عسكريًا خاصًا. أغلب تعاقداته كانت في أفريقيا، حيث ساعد (وفق روايته) في إيقاف عملية إبادة جماعية قبل بدءها، وعاون بعثات حفظ السلام وأبرم صفقات أسلحة مع شرق أوروبا. يعرف ماكفيت استنادًا إلى خبرته أن مقترح برينس ليس تخريفًا كله. العالم يشهد سلالة جديدة من «رواد النزاع»، تجوب ساحات المعارك وتبيع الحرب لمن يشتري.

 المرتزقة يُمكن أن يولِّدوا المزيد من الحرب والمزيد
من المعاناة. طالما كانت الحرب مربحة والنقود جاهزة، سيجدون حربًا في مكانٍ
ما، يبدأونها أو يوسعون مداها أو يطيلون أمدها.

وتجارتهم تزدهر، لأن هذه الوحدات خاصة التدريب والتسليح يُمكن أن تظهر كفاءة عالية في ميدان القتال، ما يدفع المزيد والمزيد من البلاد إلى اللجوء للقطاع العسكري الخاص سرًا. قبل عامين كانت نيجيريا قد استُهلكت في صراعٍ دام ستة أعوام مع جماعة بوكو حرام الجهادية. هنا لجأت الحكومة إلى التعاقد مع المرتزقة، وظهرت المروحيات وفرق القوات الخاصة على أرض نيجيريا، تطرد بوكو حرام من أغلب مناطق سيطرتها، محققة في أسابيع ما عجز الجيش النيجيري عن تحقيقه.

ونيجيريا ليست حالة فريدة، وفقًا لماكفيت. الكثير من الدول، مثل روسيا والإمارات وأوغندا، وحتى الجماعات الإرهابية نفسها، تتعاقد مع مقاتلين من القطاع الخاص يشنون الحروب في كل مكان تحت رايتها. منهم من يحارب القراصنة على متن السفن، ومنهم «شركات اختراق مرتد» تشن هجمات مرتدة على المخترقين السيبرانيين بناءً على طلب عملائها. ما تفعله إدارة ترامب هو مجرد إظهار هذه الموجة التي ظلت تتصاعد في الخفاء قرابة عقدين كاملين.

لكن تطبيق هذا في أفغانستان يعتبره ماكفيت «أسوأ حل ممكن»، نظرًا للمخاوف المتعلقة بمدى أمان التعاقد مع هذا النوع من الجنود وأخلاقيته، وقابلية مساءلتهم حين الخروج عن النص. يقول ماكفيت إن الفرصة واتته عدة مرات في أثناء عمله في المجال لكي يفسخ تعاقده ويكون حرسًا بريتوريًا على غرار فرقة الحرس الملكية سيئة السمعة في روما القديمة. على مدار أعوام اغتال الحرس البريتوري 14 إمبراطورًا ونصَّب خمسة أباطرة، بل وصل الأمر حد بيع منصب الإمبراطور لأعلى سعر في مرة من المرات.

النزعة البريتورية خطرٌ حقيقي لن يمكن لبرينس أو حاكم آخر على شاكلته السيطرة عليها بسهولة. المرتزقة يُمكن أن يولدوا المزيد من الحرب والمزيد من المعاناة. طالما كانت الحرب مربحة والنقود جاهزة، سيجدون حربًا في مكانٍ ما، يبدأونها أو يوسعون مداها أو يطيلون أمدها. بل يذهب ماكفيت أبعد من ذلك فيطرح احتمالية أن تعرض قوة كبرى أخرى مثل روسيا أو الصين، أو حتى بلد عادي مثل باكستان، عرضًا أفضل من العرض الأمريكي على جيش المرتزقة هذا.

اقرأ أيضًا: أمريكا التي لا تعرفها.. 5 كتب تكشف الجانب المظلم للسياسة الأمريكية

في هذه الحالة يصير المرتزقة، بخلاف الجنود، أشبه بمنتجاتٍ على متجر إلكتروني يبيع الحرب. أحيانًا يتعاقد معهم عملاء يرغبون في ارتكاب الفظائع دون تلويث أيديهم، كما فعل البابا في عام 1377 حين أمر جيشه الخاص بإبادة بلدة تشيزينا الإيطالية وقتل كل سكانها. وهم بين انتهاء عقدٍ والحصول على آخر يعيشون على السلب والنهب، ويقتاتون على الأبرياء. كانوا في العصور الوسطى يبتزون مدنًا بأكملها، كما حدث مرارًا لمدينة سيينا الإيطالية في القرن الـ14. ومنهم من أسسوا ممالك جديدة خاصة بهم، أو استولوا على ممالك قائمة.

ليس المقاتلون المتعاقدون شرًا خالصًا. يُمكن أن يمنعوا الإبادات الجماعية ويطاردوا الجماعات الإرهابية، ويُساعدوا في فرض القانون. لكن هذا يتطلب قوة صغيرة الحجم في ظروفٍ معينة تخضع لرقابة منضبطة. وهو أمرٌ مختلف كلية عن جيش المرتزقة الضخم الذي يحلم برينس أن يهيمن به على أفغانستان.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد