قال كل من ميسي رايان وجوش داوسي وجولي تايت في مقال لهم في صحيفة «واشنطن بوست» إن جنديًا سابقًا في سلاح الجو الأمريكي اتهم بالعمل مرتزقًا في ليبيا -سُجن لستة أسابيع لدى قوات حفتر- في واقعة غامضة تسلط الضوء على الطبيعة المتشابكة للحرب الأهلية في هذه البلاد.

كان جيمي سبونوجل، البالغ من العمر 31 عامًا، يقود طائرة بالقرب من العاصمة الليبية طرابلس في 7 مايو (أيار) عندما سقطت طائرته، وفقًا لمسؤولين مطلعين على الحادث، تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم.

وأضاف التقرير إن القوات التابعة لخليفة حفتر المعروفة بـ«الجيش الوطني الليبي» أعلنت عن إسقاط الطائرة، طائرة مقاتلة من طراز ميراج إف1 يقودها سبونوجل، كانت شنت غارات جوية على قوات حفتر في المنطقة. كانت واشنطن بوست على علم بالواقعة منذ مدة، لكنها حجبت نشرها بناءً على طلب من المسؤولين الأمريكيين الذين كانوا يعملون لتأمين إطلاق سراحه.

إن قوات حفتر هي أحد الفصيلين المنخرطين في معركة السيطرة على الأراضي والمؤسسات الحكومية الليبية منذ سنوات، وهو الصراع الذي أغرق البلاد في حالة فوضى ومحا الكثير من الأمل الذي أوجدته ثورة 2011.

تكشف مشاركة أحد المحاربين العسكريين الأمريكيين في معركة طرابلس بين قوات حفتر ومنافسها، حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة، مدى تعقيد الصراع الذي نشأ باعتباره حربًا عالمية كبرى بالوكالة، تتضمن أسلحة غير مشروعة، واتهامات متبادلة باستخدام المرتزقة.

كما يلفت الانتباه إلى تحول السياسة الأمريكية تجاه ليبيا – يشير التقرير. ففي الوقت الذي خصص فيه كبار المسؤولين في إدارة ترامب وقتًا محدودًا لليبيا، بدا الرئيس وكأنه يتراجع عن الدعم المستمر لحكومة الوفاق الوطنية في طرابلس عندما أشاد علنًا بخليفة حفتر، الرجل القوي الذي يرأس قوات الجيش الوطني الليبي.

وقال السفير روبرت أوبراين، مبعوث الرئيس ترامب لشؤون الرهائن، في مقابلة عبر الهاتف: «يسعدنا دائمًا أن نرى الأمريكيين المحتجزين في الخارج يعودون إلى ديارهم لأصدقائهم وعائلاتهم. إننا نقدر قرار خاطفيه بالإفراج عنه. كما نشكر السعودية على دورها في حل هذه القضية».

قال المسؤولون إن سبونوجل نُقل يوم الثلاثاء الماضي إلى المملكة، حيث كان من المتوقع أن يلتقي بالمسؤولين القنصليين في الولايات المتحدة ويخضع لفحص طبي ونفسي.

ووفقًا لأحد الأفراد المطلعين على القضية – يكشف التقرير – اهتم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بقضية سبونوجل بمجرد علمه بأنه محتجز وطلب من مساعديه التحرك، وقال إن الحكومة السعودية لم تدفع لقوات حفتر مقابل إطلاق سراحه.

وذكر المتحدث باسم قوات حفتر – العقيد أحمد المسماري – أن الطيار الأمريكي كان محتجزًا في بنغازي شرقي ليبيا قبل ترحيله إلى بلاده. وعرض المسماري لقطات لسبونوجل وهو يشير إلى أماكن على خريطة لغربي البلاد، واعترف بأنه تلقى أوامر بقصف بعض المنشئات الحيوية، لكنه رفض قصف المناطق المأهولة بالسكان في ضواحي طرابلس.

دعا ستيفن باين، رئيس شركة ليندن للحلول الحكومية، وهي شركة تعمل على الترويج لحفتر في واشنطن، الولايات المتحدة إلى «التحقيق بجدية في التقارير التي تتحدث عن المرتزقة الأمريكيين الآخرين الذين يقاتلون لصالح حكومة الوفاق الوطني، إذا ثبت ذلك، لتطلب عودتهم الفورية».

من جهتها، لم ترد حكومة الوفاق الوطني على هذه الأنباء – يستدرك التقرير.

وقال مسؤولون في سلاح الجو إن سبونوجل، أصبح طيارًا مجندًا في عام 2006 وعمل ميكانيكيًا. وبعد تركه الخدمة الفعلية في عام 2013، خدم في الحرس الوطني لفلوريدا حتى أواخر عام 2016. وكان آخر عمل له باعتباره طيارًا في الخدمة الفعلية هو فني مجال جوي، وآخر مركز عمل له هو قاعدة ماكديل الجوية في تامبا.

يؤكد التقرير أنه لم يكن طيارًا في القوات الجوية لكنه حصل على رخصة طيار بعد الخدمة الفعلية.

في الصور التي أصدرها الجيش الوطني الليبي بعد فترة قصيرة من الحادث، يظهر سبونوجل ملطخًا بالدماء ويتلقى العلاج الطبي بعد سقوط طائرته. وأظهر الفيديو الذي نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي تعريفه على أنه مواطن برتغالي يدعى جيمي ريس، وقال إنه كان في ليبيا بموجب عقد مدني يركز على «تدمير الجسور والطرق».

قال سبونوجل في الفيديو هناك شخص يدعى «هادي» كان المتعامل الرئيسي معه – يفيد التقرير. ولكن نفى كبار المسؤولين في حكومة الوفاق الوطني، بمن فيهم نائب رئيس الوزراء أحمد معيتيق، الذي كان في واشنطن هذا الشهر لكسب الدعم الأمريكي لحكومته، تجنيد طيارين أجانب. قال مسؤول غربي مطلع على ملف ليبيا إن المدربين الأجانب عملوا لزمن طويل في الأكاديمية الجوية الليبية في مصراتة.

ليس لدى المسؤولين الأمريكيين فهم واضح لما كان يفعله سبونوجل في ليبيا. إذ كيف يقود طائرة مقاتلة فرنسية الصنع، كما يزعم الجيش الوطني الليبي، وهو لم يحصل على هذا النوع من التدريب الذي عادة ما يخضع له الطيارون العسكريون لأنه لم يكن طيارًا في القوات الجوية؟ يتساءل التقرير.

ليس من الواضح ما إذا كان سبونوجل قد انتهك القانون الأمريكي بالعمل في ليبيا. توظف العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، مقاولين أمنيين أجانب، يمكنهم القيام بمجموعة متنوعة من الأدوار وأحيانًا يكونون مسلحين.

قال بن فيشمان، زميل بارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الذي عمل على ملف ليبيا خلال إدارة أوباما، إن الحادث «يدل على أنه كلما طالت هذه المرحلة من الصراع، زاد خطر تورط المزيد من الأجانب».

وأضاف: «إنه لأمر سيئ أن يكون هناك تدفق واضح للأسلحة والتكنولوجيا. إن ظهور المرتزقة أو المقاولين الأجانب يشير إلى شكل جديد وخطير من التصعيد».

ثمة مجموعة من الجهات الأجنبية الفاعلة منخرطة في الصراع الليبي بالفعل – ينوه التقرير. إذ قال المسؤولون الأمريكيون إن الإمارات ومصر تدعمان حفتر، الذي سعى إلى تصوير نفسه على أنه القوة الوحيدة القادرة على هزيمة المتطرفين في ليبيا. في هذه الأثناء، تعد تركيا من بين الدول التي قدمت الدعم إلى حكومة الوفاق الوطني.

كان حفتر قد هاجم طرابلس بدعم من الحكومة السعودية، حسبما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال.

وسعى المسؤولون في الأمم المتحدة إلى التوسط لإنهاء النزاع الليبي في عملية سلام متعثرة – يؤكد التقرير. ففي حين أن الأطراف المتناحرة بدت في بعض الأحيان قريبة من إبرام اتفاق، إلا أنها تبدو الآن متباعدة حيث لا تزال عملية طرابلس لم تحسم بعد.

أدانت وزارة الخارجية هجوم حفتر بعبارات واضحة في البداية. ولكن أعلن البيت الأبيض بعد ذلك بوقت قصير أن ترامب أجرى اتصالًا مع حفتر. أشاد البيت الأبيض بجهود حفتر ضد المتطرفين ولم يتطرق إلى المعركة المستمرة من أجل طرابلس، ويبدو أنه يعزز مكانة حفتر على المسرح العالمي.

وقالت قوات حفتر عقب القبض على سبونوجل إنه – في الوقت الذي كان لا يزال يُعتقد أنه برتغالي – كان يعامل معاملة إنسانية وفقًا للقانون الدولي. لكن المسؤولين الأمريكيين ظلوا قلقين بشأن وضعه حيث قضوا أسابيع في مناقشات مع مساعدي حفتر. ورفض والد سبونجل التعليق قبل إطلاق سراح ابنه.

بعد إعلان تركيا دعم «الوفاق».. كيف ستتغير أوراق اللعبة على الأرض؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد