قال مسؤولون أمريكيون إن طائرة مسيَّرة من طراز «ريبر» تتبَّعت سيارة لساعات ثم أطلقت النار عليها بِناءً على أدلة تفيد أن السيارة كانت مفخخة وتحمل متفجرات. لكن تحليل الفيديو المتعمق والمقابلات في الموقع تلقي بظلال من الشك على هذه الرواية.

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تحقيقًا صحفيًّا أعده ماثيو إيكنز وكريستوف كوتل وإيفان هيل وإيريك شميت عن ضربة نفَّذتها طائرة أمريكية مسيَّرة يوم 29 أغسطس (آب) ضد سيارة في العاصمة الأفغانية كابول كانت تُقِل أحد العاملين في منظمة مساعدات أمريكية، وقد أودت هذه الضربة بحياة 10 أفراد من عائلة واحدة بينهم سبعة أطفال، وكان مشغِّل الطائرة بالجيش الأمريكي قد صوَّر السيارة على أنها تحمل متفجرات وتمثل تهديدًا للقوات الأمريكية في المطار، لكن التحقيق أثبت عكس ذلك.

ويستهل الكتَّاب تحقيقهم بالقول: كان هذا آخر صاروخ معروف أطلقته الولايات المتحدة في حربها التي استمرت 20 عامًا في أفغانستان، ووصفها الجيش بأنها «الضربة الصحيحة»، وهي هجوم بطائرة مسيَّرة بعد ساعات من المراقبة في 29 أغسطس (آب) لسيارة ظنَّ المسؤولون الأمريكيون أنها تحتوي على قنبلة لداعش وتشكل تهديدًا وشيكًا للقوات في مطار كابول.

لكن التحقيق الذي أجرته صحيفة نيويورك تايمز بشأن أدلة الفيديو، إلى جانب المقابلات مع أكثر من 10 من زملاء السائق في العمل وأفراد الأسرة في كابول، يثير الشكوك بشأن الرواية الأمريكية للأحداث، بما في ذلك هل كانت المتفجرات موجودة في السيارة، وهل كان للسائق صلة بداعش، وهل حدث انفجار ثانٍ بعد أن أصاب الصاروخ السيارة.

وقال مسؤولون عسكريون إنهم لم يكونوا يعرفون هوية سائق السيارة عندما أطلقت الطائرة المسيَّرة الصاروخ، لكنهم عدُّوه مشتبهًا به بسبب تفسيرهم لأنشطته في ذلك اليوم، قائلين إنه ربما زار منزلًا آمنًا لداعش، وفي وقت ما، حمل ما اعتقدوا أنها يمكن أن تكون متفجرات في السيارة.

وذكرت التايمز أن السائق هو زيماري أحمدي، ويعمل في منظمة إغاثة أمريكية. وتشير الأدلة إلى أن رحلاته في ذلك اليوم تضمنت في الواقع نقل الزملاء من العمل وإليه. وأظهر تحليل للفيديو أن ما رآه الجيش هو أحمدي وزميل له يحملان عبوات المياه في صندوق السيارة لإحضارها إلى عائلته.

بينما قال الجيش الأمريكي إن الضربة الجوية قد تسببت في مقتل ثلاثة مدنيين، تظهر تغطية التايمز أنها قتلت 10 أفراد، بينهم سبعة أطفال، في منطقة سكنية مكتظة.

ولفت التحقيق إلى أن أحمدي، البالغ من العمر 43 عامًا، عمِل منذ عام 2006 مهندسًا كهربائيًّا في «منظمة التغذية والتعليم الدولية»، وهي جماعة مساعدات مقرها كاليفورنيا. وفي صباح يوم الضربة، اتصل رئيس أحمدي من المكتب به في حوالي الساعة 8:45 صباحًا، وطلب منه إحضار جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به.

وقال مدير المنظمة القُطْري في مقابلة في مكتبها في كابول: «سألتُه هل لا يزال في المنزل، فقال نعم». ومثل بقية زملاء أحمدي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب ارتباطه بشركة أمريكية في أفغانستان.

ووفقًا لما يذكره أقاربه، غادر أحمدي في ذلك الصباح متوجهًا إلى العمل في حوالي الساعة التاسعة صباحًا في سيارة كورولا بيضاء موديل 1996 مملوكة للمنظمة، منطلقًا من منزله الذي يعيش فيه مع أشقائه الثلاثة وعائلاتهم، والذي يقع على بعد بضعة كيلومترات غرب المطار.

تحديد السيارة هدفًا

نقل التحقيق ما قاله مسؤولون أمريكيون لصحيفة التايمز إنه في هذا الوقت تقريبًا، جرى تحديد هدفهم، وهو سيارة سيدان بيضاء، ليخضع للمراقبة لأول مرة، بعد أن رُصِدت وهي تغادر مجمعًا حُدِّد على أنه منزل آمن مزعوم لداعش ويقع على بعد خمسة كيلومترات شمال غرب المطار.

ومن غير الواضح هل كان المسؤولون يشيرون إلى أحد المواقع الثلاثة التي توقف عندها أحمدي لنقل راكبين وجهاز كمبيوتر محمول في طريقه إلى العمل: الموقع الأخير، منزل مدير المنظمة القُطْري، كان قريبًا من المكان الذي كان سينطلق منه هجوم صاروخي أعلنت الدولة الإسلامية مسؤوليتها عنه على المطار في صباح اليوم التالي، من منصة إطلاق مرتجلة مخبأة داخل صندوق سيارة تويوتا كورولا، وهو طراز مماثل لمركبة أحمدي.

زار مراسل التايمز المدير في منزله، والتقى بأفراد من عائلته، الذين قالوا إنهم يعيشون هناك منذ 40 عامًا. وقال المدير الذي لديه أيضًا قضية إعادة توطين أمريكية: «لا علاقة لنا بالإرهاب أو الدولة الإسلامية. ونحن نحب أمريكا. ونريد الذهاب إلى هناك».

وطوال اليوم، واصلت طائرة مسيَّرة من طراز إم كيو-9 ريبر (MQ-9 Reaper) تعقُّب سيارة أحمدي أثناء جولاتها في كابول، وادَّعى المسؤولون الأمريكيون أنهم اعترضوا اتصالات بين السيارة السيدان والمنزل الآمن المزعوم لداعش، وأنها تلقت أوامر بالتوقف عدة مرات.

يوم عمل عادي

لكن الأشخاص الذين ركبوا مع أحمدي في ذلك اليوم قالوا إن ما فسَّره الجيش على أنه سلسلة من التحركات المشبوهة كان مجرد يوم عادي في العمل.

وبعد التوقف لتناول الإفطار، وصل أحمدي والراكبان اللذان كانا يستقلان السيارة معه إلى مكتب منظمة التغذية والتعليم الدولية، حيث سجلت لقطات كاميرا أمنية حصلت عليها التايمز وصولهما في تمام الساعة 9:35 صباحًا. وفي وقت لاحق من ذلك الصباح، أوْصَل أحمدي بعض زملائه بالسيارة إلى مركز شرطة تشغله طالبان في وسط المدينة، حيث قالوا إنهم طلبوا الإذن بتوزيع الطعام على اللاجئين في حديقة قريبة. وعاد أحمدي والركاب الثلاثة الذين كانوا معه إلى المكتب في حوالي الساعة الثانية بعد الظهر.

وكما شوهد في لقطات الكاميرا، خرج أحمدي بعد نصف ساعة وفي يده خرطوم كان يتدفق منه الماء. وبمساعدة أحد الحراس، ملأ عدة قنائن بلاستيكية فارغة. ووفقًا لزملائه في العمل، توقفت إمدادات المياه في حيه بعد انهيار الحكومة وكان أحمدي يجلب المياه إلى المنزل من المكتب.

وقال الحارس: «لقد ملأتُ الحاويات بنفسي، وساعدته على وضعها في صندوق السيارة».

وفي تمام الساعة 3:38 مساءً، نقل الحارس وزميل آخر السيارة بعيدًا في المدخل. وتنتهي لقطات الكاميرا بعد مدة وجيزة، عندما أوقف المكتب مولد الكهرباء في نهاية يوم العمل، وغادر أحمدي وثلاثة ركاب معه إلى منازلهم.

وفي هذا الوقت تقريبًا، قال مسؤولون أمريكيون إن الطائرة المسيَّرة تعقبت أحمدي إلى مجمع يقع على مسافة تتراوح من 8 إلى 12 كيلومترًا جنوب غرب المطار، وهو موقع يتطابق مع مكتب منظمة التغذية والتعليم الدولية. وهناك، قالوا إن الطائرة المسيَّرة شاهدت أحمدي وثلاثة آخرين يضعون عبوات ثقيلة في السيارة، يعتقدون أنها قد تحتوي على متفجرات.

لكن الركاب قالوا إنهم لم يكن معهم سوى جهازي كمبيوتر محمول، وضعوهما داخل السيارة، وأن الصندوق لم يكن به حمولة أخرى غير الأوعية البلاستيكية المملوءة بالمياه التي وضعت هناك في وقت سابق. وفي مقابلات منفصلة، نفى الركاب الثلاثة تحميل متفجرات في السيارة التي كانوا على وشك العودة فيها إلى منازلهم.

ووفقًا لأحد ركاب أحمدي، وهو زميل كان يركب السيارة معه بانتظام، كانت رحلة العودة إلى المنزل مليئة بالضحك والمزاح المعتاد، مع اختلاف واحد: أبقى أحمدي الراديو صامتًا، لأنه كان يخشى الوقوع في المتاعب مع طالبان. وقال الزميل: «كان يحب الموسيقى المُبْهِجة. وفي ذلك اليوم، لم نتمكن من الاستماع لأي شيء في السيارة».

أنزلَ أحمدي ركابه الثلاثة، ثم توجَّه إلى منزله بالقرب من المطار. وقال آخِر الركاب الذي كانوا معه: «طلبتُ منه أن يتفضل بالدخول إلى منزلي لبعض الوقت، لكنه قال إنه متعب».

لم يعرفوا هوية السائق

وعلى الرغم من أن المسؤولين الأمريكيين قالوا إنهم في تلك المرحلة لم يكونوا يعرفون أي شيء عن هوية أحمدي، فقد أصبحوا مقتنعين بأن السيارة البيضاء التي يقودها تشكل تهديدًا وشيكًا للقوات في المطار.

وعندما دخل أحمدي فناء منزله – الذي قال المسؤولون إنه مختلف عن المنزل الآمن المزعوم لداعش، اتخذ القائد التكتيكي قرارًا بضرب سيارته، وأطلق صاروخ هيلفاير في حوالي الساعة 4:50 مساءً.

وعلى الرغم من أن الهدف كان الآن داخل منطقة سكنية مكتظة بالسكان، إلا أن مشغل الطائرة المسيَّرة أجرى مسحًا سريعًا ورأى رجلًا بالغًا واحدًا فقط يلقي بالتحية على قائد السيارة، ولذلك توصَّل إلى تقييم بـ «يقين معقول» أنه لن يقتل أي نساء أو أطفال أو أي أشخاص مدنيين غير مقاتلين، على حد قول المسؤولين الأمريكيين.

لكن بحسب أقاربه، عندما دخل أحمدي فناء منزله، خرج عديد من أبنائه وأبناء إخوته متحمسين لرؤيته، وجلسوا في السيارة. وكان رومال شقيق أحمدي يجلس في الطابق الأرضي مع زوجته عندما سمع صوت فتح البوابة ودخول سيارة أحمدي. وكان ابن عمه ناصر قد ذهب لجلب الماء من أجل الوضوء وحيَّاه.

يتذكر رومال أن محرك السيارة كان لا يزال يعمل عندما حدث انفجار مفاجئ، وتناثر في الغرفة زجاج محطم من النافذة. وحاول الوقوف مترنحًا وسأل زوجته «أين الأطفال؟».

فأجابت: «إنهم في الخارج». وركض رومال إلى الفناء. ورأى أن ابن أخيه فيصل، 16 عامًا، قد سقط من الدرج الخارجي، وأصيب جذعه ورأسه بجروح خطيرة بسبب الشظايا. وقال: «لم يكن الصبي قادرًا على التنفس».

وقال أنه وسط الدخان والنار، رأى ابن أخ آخر ميتًا، قبل أن يصل الجيران ويسحبوه بعيدًا.

ومنذ الضربة، برر المسؤولون العسكريون الأمريكيون أفعالهم بالإشارة إلى انفجار أكبر وقع بعد ذلك.

رئيس هيئة الأركان المشتركة: استنتاج معقول

وقال رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال مارك إيه. ميلي، الأسبوع الماضي: «بسبب حدوث انفجارات ثانوية، كان هناك استنتاج معقول جرى التوصل إليه بأن هناك متفجرات في تلك السيارة».

لكن فحصًا لمكان الضربة، أجراه فريق التحقيقات البصرية في صحيفة التايمز ومراسل للتايمز في صباح اليوم التالي، وأعقبته زيارة ثانية بعد أربعة أيام، لم يجد دليلًا على وقوع انفجار ثانٍ أقوى.

وأشار الخبراء الذين فحصوا الصور ومقاطع الفيديو إلى أنه على الرغم من وجود أدلة واضحة على هجوم صاروخي وما تلاه من احتراق السيارة، لم تكن هناك جدران منهارة أو محطمة، ولا نباتات مدمرة، وحدث انبعاج واحد فقط في بوابة الدخول، مما يشير إلى وجود موجة ارتجاجية واحدة.

وقال كريس كوب سميث، وهو من قدامى المحاربين في الجيش البريطاني ومستشار أمني: «إن (الضربة) تشكك بجدية في مصداقية المعلومات الاستخباراتية أو التكنولوجيا المستخدمة لتحديد أن هذا كان هدفًا مشروعًا».

10 قتلى

وأشار التحقيق إلى أنه بينما أقر الجيش الأمريكي حتى الآن بسقوط ثلاث ضحايا مدنيين فقط، قال أقارب أحمدي إن 10 أفراد من عائلتهم، بينهم سبعة أطفال، قتلوا في الضربة: أحمدي وثلاثة من أبنائه، زمير 20 عامًا وفيصل 16 عامًا وفرزاد 10 أعوام، وناصر ابن عم أحمدي 30 عامًا، وثلاثة من أبناء رومال: أروين 7 سنوات وبنيامين 6 سنوات وحياة سنتان، وفتاتان في الثالثة من العمر: مليكة وسمية.

وأكد جيران ومسؤول صحي أفغاني أن جثث الأطفال نقلت من الموقع. وقالوا إن الانفجار مزق معظم الضحايا، وشوهدت بقايا رفات بشرية داخل المجمع وحوله في اليوم التالي من قبل أحد المراسلين، بما في ذلك الدم واللحم المتناثر على الجدران والأسقف الداخلية. وقدَّم أقارب أحمدي صورًا لعدد من جثث أطفال محترقة بشدة.

وتساءل أفراد الأسرة عن سبب وجود دافع لأحمدي لمهاجمة الأمريكيين فيما تقدم بالفعل بطلب لإعادة توطين اللاجئين في الولايات المتحدة. كما تقدم ابن عمه البالغ ناصر، وهو مقاول عسكري أمريكي سابق، بطلب لإعادة التوطين. وكان قد خطط للزواج من خطيبته سامية يوم الجمعة الماضي لضمها إلى قضية الهجرة الخاصة به.

واختتم الكتَّاب تحقيقهم بقول إيمال شقيق أحمدي: «كلهم أبرياء. أنت تقول إنه كان داعشيًّا، لكنه عمِل مع الأمريكيين».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد