نشرت ميرسي إيه كو، نائبة الرئيس التنفيذي لشركة بامير كونسلتنج (Pamir Consulting)، شركة تقييم مخاطر استخباراتية عالمية تتخذ من واشنطن العاصمة مقرًا لها، الحوار الذي أجرته مع وينستون ما، الأستاذ المساعد في كلية الحقوق بجامعة نيويورك، في عمودها الأسبوعي الذي تكتبه في مجلة ذا دبلومات التي تهتم بتغطية شؤون منطقة آسيا-المحيط الهادئ، وقد دار الحوار عن المنافسة في عالم التكنولوجيا بين الصين والولايات المتحدة.

وأشارت المجلة اليابانية إلى أن ميرسي كو، التي تكتب في مدونة رؤية عبر المحيط الهادي (Trans-Pacific View) بالمجلة، تنخرط بانتظام في نقاشات مع خبراء متخصصين وممارسي سياسة ومفكرين استراتيجيين في جميع أنحاء العالم للاطلاع على رؤاهم المتنوعة بشأن سياسة الولايات المتحدة تجاه آسيا.

وقد أجرت هذه المحادثة مع وينستون ما، الأستاذ المساعد في كلية الحقوق بجامعة نيويورك والقائد العالمي الشاب في المنتدى الاقتصادي العالمي ومؤلف الكتاب المنشور حديثًا «الحرب الرقمية: كيف تشكل القوة التكنولوجية في الصين مستقبل الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين والفضاء الإلكتروني» (دار نشر وايلي 2021). وهذه المحادثة هي المحادثة رقم 256 في «سلسلة وجهات نظر ثاقبة عبر المحيط الهادي».

صِفْ لنا السياق الاستراتيجي للحرب الرقمية

ما: في مايو (أيار) 2017، استضافت الصين مباراة تاريخية في لعبة الجو (Go) بين بطل العالم (لي سيدول/Sedol Lee) وخوارزمِية الذكاء الاصطناعي ألفاجو (AlphaGo)، التي صممها مختبر ديب مايند (DeepMind) التابع لشركة جوجل.

وكانت المواجهة التي جرت في مدينة ووتشن (Wuzhen) مليئة بالتشويق والرمزية: الإنسان مقابل الآلة، والحدس مقابل الخوارزمية، والتقاليد مقابل الحداثة، والصين ضد الولايات المتحدة. لقد أحسَّت صناعة الإنترنت في الصين بصدمة مذهلة بسبب الفوز الاستراتيجي لآلة الذكاء الاصطناعي بثلاثة أهداف مقابل لا شيء على واحدٍ من أفضل ممثلي البشرية في هذه اللعبة التقليدية الضاربة في القدم.

وربما كان هذا الفوز مصادفة أو ضربة حظ، ولكن بعد أشهر من مباراة «الجو» في وتشن، أصدرت الحكومة المركزية في الصين «خطة تطوير الذكاء الاصطناعي»، التي تطلب من الذكاء الاصطناعي الصيني أن يكون زعيم العالم بلا منازع بحلول عام 2030. وخلال السنوات القليلة الماضية، أثبتت شركات التكنولوجيا الصينية قوتها من خلال اللحاق حتى بالمنافسين العالميين في الهواتف الذكية وتكنولوجيا الجيل الرابع.

Embed from Getty Images

والآن في عصر الجيل الخامس، تُعد الصين واحدة من أكثر مراكز الابتكار إثارة للاهتمام في العالم، تمامًا مثل وادي السيليكون. والمنافسة التكنولوجية الحالية بين الصين والولايات المتحدة عبارة عن مباراة أشبه ما تكون بمباراة «الجو» التي نُظِّمت منذ سنوات.

اشرح لنا كيف تشكِّل قوة الصين التكنولوجية مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

ما: بالنسبة للذكاء الاصطناعي، تتمثل الميزة الفريدة للصين في البيانات المأخوذة من أكبر عدد من مستخدمي الإنترنت على مستوى العالم، 900 مليون وما زالت تتزايد. ويعمل الذكاء الاصطناعي على البيانات ويؤدي هذا الارتباط إلى دورة ذاتية الاستدامة من الدمج في الصناعات: بمعنى أنه كلما زادت البيانات لديك، كان منتجك أفضل. وكلما كان منتجك أفضل، زاد عدد المستخدمين الذي تكتَسبهم. وكلما زاد عدد المستخدمين الذين تكتسبهم، زادت البيانات لديك.

وفيما يتعلق بالبلوكشين، في أبريل (نيسان) 2020، كشف البنك المركزي الصيني عن أول عملة رقمية سيادية في العالم تعتمد على تقنية تشبه البلوكشين. وخلفية ذلك هي أنه في خطاب ألقاه في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينج أن البلوكشين سيلعب «دورًا مهمًّا في الجولة التالية من الابتكار التكنولوجي والتحول الصناعي».

وبهذا، كان شي جين بينج أول زعيم عالمي يصدر مثل هذا التأييد القوي لتقنية دفتر الأستاذ الموزع (DLT)، ولكن لم تَثْبُت فاعلية هذه التقنية بعد.

وعلى نحو مماثل، تتجه الصين بقوة نحو الحوسبة السحابية وشبكات الجيل الخامس والسيارات بدون سائق والمزيد من التكنولوجيا المتطورة. ومع توسُّع الاقتصاد الرقمي الصيني في الخارج، أصبح تأثيره محسوسًا عبر الفضاء الإلكتروني.

حلّل لنا.. أي الدول تعد رائدةً في هذه الحرب الرقمية؟

ما: بالإضافة إلى الولايات المتحدة والصين، ينضم المزيد من الدول إلى سباق الجيل الخامس (والجيل السادس) من أجل القدرة التنافسية الدولية. على سبيل المثال، طرح الاتحاد الأوروبي مقترحات لإنشاء «صندوق المستقبل الأوروبي» لتجنب اعتماده المفرط على الشركات غير الأوروبية.

وباعتبارها من أصحاب رؤوس الأموال الاستثمارية الجديدة، تقف الصناديق السيادية لعديد من البلدان في الخطوط الأمامية لهذه الحرب الرقمية، كما ناقشنا سابقًا في مقابلة حول كتابي «البحث عن وحيد القرن: كيف تعيد الصناديق السيادية إعادة تشكيل الاستثمار في الاقتصاد الرقمي».

Embed from Getty Images

والجهات الفاعلة غير الحكومية مهمة أيضًا. على سبيل المثال، في عام 2018 وبصفتي عضوًا في مجلس الاقتصاد الرقمي والمجتمع في المنتدى الاقتصادي العالمي، انضممتُ إلى التقرير المعنون «مستقبلنا الرقمي المشترك لبناء مجتمع رقمي شامل وجدير بالثقة ومستدام». والعنوان ملخص مثالي لما نأمله جميعًا، على خلفية الحرب الرقمية. لذلك، ستلعب منصات أصحاب المصلحة المتعددين مثل المنتدى الاقتصادي العالمي دورًا مهمًّا.

 حدد ثلاثة خطوط اتجاه رئيسة للحرب الرقمية

ما: أولًا، شبكات الجيل الخامس؛ ففي أثناء الجائحة، كانت البنية التحتية للاتصالات العالمية مثقلة بطفرة في حركة المرور، ويُنظر إلى شبكة الجيل الخامس، بنطاقها الترددي الأكبر ووصولها المنخفض والسلس، على أنها حل للأعمال. ويحرص الغرب على تطوير شبكات الجيل الخامس الخاصة به دون استخدام تكنولوجيا شركة هواوي.

ثانيًا، رقائق أشباه الموصلات؛ ففي الشبكة المتكاملة عالميًّا لصناعة أشباه الموصلات، ستكون السياسات التي تهدف إلى الفصل سببًا في إلحاق الضرر بالجميع. وتبحث الجهات الفاعلة في مجال أشباه الموصلات في الصين والولايات المتحدة عن توازن جديد من جانب إدارة بايدن.

ثالثًا، في توافق آراء نادر بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا، تعمل جميع الاقتصادات الرقمية الكبرى على تشديد نظم شركات التكنولوجيا الكبرى. وفي عام 2021، سيسري قانون حماية البيانات الشخصية في الصين، كما سيحدث قانون مكافحة الاحتكار. وسيتَّخذ عديد من البلدان إجراءات مماثلة.

ما هي الآثار السياسية للحرب الرقمية على أسواق رأس المال؟

ما: بعد الانتقال من إدارة ترامب إلى إدارة بايدن، يتوقع كثيرون بطبيعة الحال أن تلغي إدارة بايدن الجديدة العقوبات الأمريكية المفروضة على شركات التكنولوجيا الصينية، مثل إس إم آي سي (SMIC) وشاومي (Xiaomi، في وقت قريب، مثلما ألغى بعض أوامر ترامب التنفيذية في يوم التنصيب.

العالم والاقتصاد

منذ شهر
«نيويورك تايمز»: كيف استطاع الاقتصاد الصيني ترويض فيروس كورونا؟

غير أن الحقيقة هي أنه في حين أن إدارة بايدن لديها القدرة على تعليق العقوبات الأمريكية المطبَّقة بالفعل أو اختيار الإبقاء عليها، فإنها قد تفرض المزيد من القيود على هذه الشركات الصينية، وخاصة شركات التكنولوجيا التي تتنافس مباشرةً مع نظيراتها الأمريكية على المواقع القيادية العالمية.

:هل سيشهد عهد بايدن ذروة الحرب الرقمية بين الصين وأمريكا؟

وفي ختام الحوار، يزُف وينستون ما أنباءً طيبةً تتمثل في أن هناك مشكلة واحدة على الأقل تتفق فيها الولايات المتحدة والصين، ألا وهي تنظيم شركات التكنولوجيا الكبرى. وربما تطوِّر القوتان العظميان في مجال التكنولوجيا على نحو جماعي إطارًا تنظيميًّا عالميًّا للاقتصاد الرقمي في العقد المقبل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد