«نحن شعب الولايات المتحدة، ومن أجل إنشاء اتحاد أكثر كمالًا، وإقامة العدالة، وضمان الاستقرار الداخلي، وتوفير سبل الدفاع المشترك، وتعزيز الخير العام وتأمين نعم الحرية لنا ولأجيالنا القادمة، نرسي ونقيم هذا الدستور للولايات المتحدة الأميركية».

هذه ديباجة الدستور الأمريكي؛ قانون البلاد الأعلى، وأطول دساتير العالم عمرًا؛ إذ لم يتوقف العمل به منذ عام 1789. تقدّس الولايات المتّحدة دستورها، ولا تسمح بمخالفته من قبل أي هيئة تنفيذية أو تشريعية.

لكن هل يسري هذا في كل وقتٍ وحين؟ حتى في الأوقات التي يتعرّض فيها الأمن القومي الأمريكي للخطر؟ «أندرو باسيفيتش» – المؤرّخ الأمريكي وصاحب كتابِ «حرب أمريكا من أجل الشرق الأوسط الأعظم» – يستعرِض في هذا المقال، كيف تنتهك الولايات المتّحدة دستورها في زمن الحرب.

«غير مُلزِم»

يرى «باسيفيتش» أنّ الدُستور الأمريكي يتلقّى الكثير من الضربات في أوقات الحرب، ويُصبِح غير مُلزمٍ؛ إذ يخضع لرؤية السلطات الأمريكية التي تلتزم أو لا تلتزم به حسب رؤيتها. الأمثلة على ذلك لا حصر لها، بدءً من الحرب الأهلية الأمريكية، حينَ أعطى الرئيس «إبراهام لينكولن» لنفسه الحقّ في إيقاف العمل بقانون «Habeas Corpus»، الذي يضع ضوابط رئيسة لعملية الضبط والإحضار، منها عدم إلقاء القبض على المواطن، دون أن يخطر رسميًا بأسباب ذلك وبالتهم الموجهة إليه، بل تجاهل أحكام القضاء التي تمنعه من ذلك.

ننتقل إلى الحربين العالميتين. عقب دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى ضد ألمانيا، عام 1971، سعت حكومة «وودرو ويلسون» إلى سحق الأصوات المعارضة، وأغلقت المنشورات المُعارضة لتورّط الولايات المتّحدة في الحرب، في انتهاكٍ صارخ للتعديل الأول بالدُستور الأمريكي، الخاص بحريّة الرأي والتعبير. أمّا في الحرب العالمية الثانية، فقد أدّى الهجوم الياباني على ميناء «بيرل هاربور» إلى هستيريا أمريكية، كان من مظاهرها القرار التنفيذيّ الذي أصدره الرئيس «فرانكلين روزفلت»، بوضع 100 ألف ياباني أمريكي في معسكرات الاعتقال؛ القرار الذي أيّدته المحكمة العُليا بعدها، في عام 1944.

 

ومع اشتعال الغضب الأمريكي عقب هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، توسّعت انتهاكات الدستور وحقوق الإنسان بشكلٍ كبير. يُذكّر «باسيفيتش» بالتقرير الصادر عن لجنة مجلس الشيوخ، بشأن استخدام وكالة الاستخبارات الأمريكية «سي آي إيه»، في عهد الرئيس «بوش»، للتعذيب بشكل ممنهجٍ، منتهكةً بذلك التعديل الثامن للدستور الأمريكي، الذي يمنع «إنزال عقوبات قاسية وغير مألوفة». أيضًا فإن نظام «بوش»، ومن بعده «أوباما»، أقدم على اعتقال الأفراد لأعوام بدون توجيه التُهم، أو إعطاء الحق للمتّهم في أن «يحاكم محاكمة سريعة وعلنية بواسطة هيئة محلفين غير متحيزة»، كما ينصّ التعديل السادس.

الكونجرس يُطلق يد الرئيس

أمّا الانتهاك الأكبر، والذي يمرّ مرور الكرام في أغلب الأحيان، وفقًا للكاتب، فيتمثّل في انتزاع الجهاز التنفيذيّ سلطة إعلان الحرب من يد الكونجرس؛ هذه السلطة الممنوحة له بموجب المادة الأولى بالقسم الثامن من الدستور الأمريكي. يعني هذا أن منصب الرئيس كقائد أعلى للقوات المسلّحة لا يمنحه الحقّ المُطلق في تحريك الجيش، بدون موافقة تشريعية تٌعطي أوامره الطابع الشرعيّ اللازم.

لكن هذا القيد، كما يقول «باسيفيتش»، ليس إلا حبرًا على ورق، على الأقل من الناحية العملية، طبقًا لـ«باسيفيتش». منذ الوقت الذي اتّخذ الرئيس «هاري ترومان» قرار مجلس الأمن الصادر عام 1950، كذريعة لتحريك الجيش الأمريكي لدخول الحرب الكورية، وقد تلقّت سلطات الكونجرس الخاصة بإعلان الحرب ضربةً لم تتعافَ منها قط. بعدها أدرك الكونجرس أن زمن إعلان الحرب قد ولّى،  وأن المشهد الدولي سريع التطوّرات يتطلّب إعطاء الإذن للرئيس لفعل ما يراه ضروريًا، استجابةً للأزمات. أبرز ما تمخّضت عنه هذه الرؤية هو قرار خليج «تونكين» الذي صدّق عليه الكونجرس في 1964، مُطالبًا الرئيس «لندون جونسون» باتخاذ الإجراءات اللازمة لردع أي هجوم عسكري على الولايات المتّحدة في جنوب شرق آسيا، لتدفع حكومتي «جونسون»، وخليفته «ريتشارد نيكسون» بملايين القوات الأمريكية في حرب فييتنام الوحشيّة.

SHOALWATER BAY TRAINING AREA, QUEENSLAND, Australia – Corporal Jesse Wards, a rifleman with the 3rd Marine Expeditionary Brigade’s 31st Marine Expeditionary Unit, treks along a road here, June 24, on a unit movement during Exercise Talisman Saber 2007. Talisman Saber is conducted to train an U.S. and Australian joint task force and operations staff in crisis action planning for execution of contingency operations. The exercise involves more than 32,000 personnel from both nations that will focus on improving interoperability and enhancing regional stability.

اليوم، ينظر «باسيفيتش» إلى تصريح الكونجرس في 2001، أو ما سُمّي بـ«تصريح استخدام القوّة العسكرية ضد الإرهابيين» أو «AUMF»، على أنّه «حفيد» قرار خليج تونكين السالف ذكره. طالب تصريح «AUMF» الرئيس «جورج بوش» باستخدام القوّة اللازمة ضد البلاد، المنظّمات والأشخاص الذين يرتأي تورطهم في هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، بأي شكلٍ كان؛ سعيًا لمنع أية عمليات إرهابية دولية مستقبلية تستهدف الولايات المتّحدة. يعلّق «باسيفيتش» على الأمر قائلًا:

«بعبارة أخرى: إليك شيكًا على بياض؛ ولك الحرية في أن تملأه بما شئت».

بعد مرور 15 عامًا، ما زال ذلك التصريح ساريًا، وما زالت الحكومة الأمريكية تستخدمه في تبرير هجماتها على الجماعات الإرهابية في دول الشرق الأوسط، ضد بلاد، منظّمات وأشخاصٍ لم يكن لهم يد، بل ربّما لم يكن لهم وجود قبل 11 سبتمبر (أيلول). في الشهر الماضي فقط، شنّت الولايات المتّحدة ضربة عسكرية جويّة قتلت 50 فردًا يُزعم أنّهم أعضاء منظمة إسلامية باليمن، وأخرى قتلت 150 من أعضاء تنظيم الشباب الصومالي. وفي ليبيا، يستعدّ البنتاجون لجولة جديدة من الضربات الجوية والعمليات الخاصة من أجل السيطرة على الاضطرابات؛ الاضطرابات ذاتها التي نشأت عن الحملة الجوية الأمريكية على ليبيا في 2011.

يدعو «باسيفيتش» إلى تخيّل ردّ فعل الكونجرس تجاه قيام الصين بشيء مشابه تجاه فييتنام، تايلاند وتايوان، أو تجاه قرارٍ روسي  بتأديب أوكرانيا وجورجيا وأذربيجان، وإعطاء بولندا درسًا لفشلها في إدارة أمورها الداخلية. تخيّل كيف ستزخر أروقة الكونجرس وتعجّ شاشات التلفاز بنوّاب الحزبين، الصارخين اعتراضًا على هذا الاختراق الأهوج للقوانين والمواثيق الدوليّة!

حروب لا نهاية لها

يشير الكاتب إلى أنه، في حملته الانتخابية عام 2008، وعد  أوباما بإنهاء حرب العراق. لكن يبدو أنّه احتفظ لنفسه بالحقّ في دفع البلاد إلى حربٍ عراقية أخرى. وما بدأ كحملة محدودة من الضربات القوية في أغسطس (آب) 2014، اتّسع ليشمل فريقًا كبيرًا من المدرّبين والمستشارين الأمريكيين في العراق وسوريا، وأول قاعدة عسكرية هجومية أمريكية بالكامل في العراق، بالإضافة إلى 5000 عسكري على الأقل على أرض المعركة، والعدد في ازدياد.

وحين طلب «أوباما» من الكونجرس، في 2015، تصريحًا جديدًا باستخدام القوة العسكرية يخوّله حق محاربة الدولة الإسلامية، لم تتخّد الأغلبية الجمهورية أي إجراء. في نظرِهم، سيضطر الرئيس القادم إلى تنظيف الفوضى التي خلقتها سلبية الأعوام الثمانية الأخيرة، وهم بالتأكيد لا يُريدون تقييد يديه خلف ظهره بتصريحٍ جديد.

 

طبقًا لهذه الكلمات التي قالها السيناتور «ميتش ماكونيل»، فإن دور الكونجرس هو أن يتنحّى عن الطريق، ويُعطي الرئيس بطاقة خضراء؛ حتى يتمتّع الرئيس القادم بصلاحيات مطلقة مماثلة. يُمكن أن نرى دعم الكونجرس لـ«أوباما»- رغم كراهية الأغلبية الديمقراطية له – ضمنيًا في زعمه المتكرر بأن القوانين الحالية تمنحه السلطات التي يحتاجها، لمُحاربة تنظيم الدولة الإسلامية. وهو ما يعني أنّ الكونجرس قد حوّل تصريح «AUMF» – الذي صدّق عليه في 2001 على إثر أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، إلى تصريحٍ بالدخول في حروبٍ مسلّحة لا حد لها ولا نهاية.

ينتهي «باسيفيتش» إلى أنّ هذه الانتهاكات يُسلّط عليها الضوء بعد مرور الأزمة، ويثار حولها الجدل، ويطمئن الأمريكيون إلى تعلّمهم «درسًا جديدًا»، يمنع تكرارها في المستقبل. لكن مع بداية الحرب التالية، تجد الحكومة طريقها لابتكار انتهاكاتٍ، وتجاوزات جديدة للدستور. أمّا الجهاز التشريعي، فقد تخلّى، بتراخيه عن تنفيذ مهامه،عن آخر بقايا سلطاته بشأن الحرب؛ متى تُعلن، وضد من، وبهدف ماذا، وأصبح يكتفي فقط بـ«دفع التكاليف»، و«دعم القوات».

ويجمل «باسيفيتش» كلامه في الختام بالقول إنه «في الأوساط العسكرية، هناك مصطلح يصف مثل هذا السلوك: الجُبن».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!