نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا للكاتب إيشان ثارور، المتخصص في العلاقات الخارجية أبرز فيه أهمية الانتخابات الأمريكية بالنسبة للاتحاد الأوروبي، لا سيما في ظل معارضة عديد من قيادات القارة الأوروبية لسياسات الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب.

استهل الكاتب تقريره قائلًا إن استطلاعات الرأي التي أُجريت مؤخرًا أظهرت أن عديدًا من الأوروبيين، بفارق كبير، لا يستسيغون فوز الرئيس ترامب برئاسة الولايات المتحدة لولاية ثانية. إذا ذكر مركز بيو للدراسات والأبحاث أن آراء الرئيس الأمريكي تبدو قاتمة جدًّا لدرجة أن عديدًا من المشاركين في استطلاع الرأي لا يُؤمِّلون كثيرًا في تعامل ترامب مع «الشؤون العالمية على نحو صائب» على نحو أفضل من الرئيس الصيني شي جين بينغ.

كما أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة يوجوف (شركة بريطانية دولية لأبحاث السوق وتحليلات البيانات قائمة على الإنترنت) مؤخرًا، أن الأغلبية الساحقة من شعوب القارة الأوروبية يُفضِّلون فوز جو بايدن في الانتخابات الأمريكية المزمعة في نوفمبر (تشرين الثاني) على فوز ترامب.

الغل الأوروبي يتحول إلى تعاطف

ولفت الكاتب إلى أن هذا الأمر يعكس، من وجه ما، تطلعًا حقيقيًّا لفوز بايدن بالرئاسة الأمريكية بعد أربع سنوات من التقلبات الترامبية. إذ يُتوقع أن يُعيد البيت الأبيض ذو التوجه الليبرالي في عام 2021 تنشيط التحالف عبر الأطلسي، وعودة الولايات المتحدة إلى اتفاق باريس للمناخ، فضلًا عن إلغاء معظم التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب على حلفاء الولايات المتحدة، وتجنُّب تدليل الفئات والقوى التي تسعى إلى تقويض الوحدة الأوروبية على أقل تقدير. وبالنسبة للمسؤولين في بروكسل، سيكون هذا بمثابة تصحيح للمسار.

Embed from Getty Images

ولكن على مستوى أعمق –بحسب الكاتب- ستتغير أيضًا نظرة أوروبا إلى أمريكا. إذ كتب سايمون كوبر في صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية قائلًا: «ستتحول المواقف الأوروبية تجاه الأمريكيين من الغل والحقد إلى التعاطف»، وأضاف كوبر أن: «هناك فرصة أكبر لشعوب دول إسكندنافيا أن يُصبحوا من أصحاب المليارات، إذا كان هذا هو ما يفضلونه، أكثر من فرصهم في الولايات المتحدة»، مشيرًا إلى اتساع فجوة عدم المساواة في الولايات المتحدة وأن مفاهيم «الحلم الأمريكي» الرومانسية قد عفى عليها الزمن.

ترامب وقارة أوروبا

ونوَّه الكاتب إلى أنه منذ وصول القاطن الحالي للبيت الأبيض إلى منصبه، بدأ في إثارة الشكاوى ضد كل من المؤسستين العريقتين في القارة الأوروبية، وهما الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). إذ يعتقد ترامب أن المؤسسة الأولى شُكِّلت باعتبارها تكتلًا «للاستفادة» من الولايات المتحدة، بل واستشهد بعدد من الدول الأوروبية على اعتبار أنها تُمثل تهديدًا للأمن القومي الأمريكي لكي يُبرر ما يفرضه من تعريفات جمركية وقائية على البضائع الواردة من الاتحاد الأوروبي. وهذا ما يصفه الكاتب بأنه إجراء يتناقض مع عديد السنوات التي أمضتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة من الديمقراطيين والجمهوريين في التشجيع على تعميق التكامل الأوروبي.

إلى جانب ذلك، ينظر ترامب إلى حلف الناتو على أنه لا يزيد عن كونه وسيلة من وسائل الحماية لقارة أوروبا، والذي يحتمي بالمظلة الأمنية الأمريكية معتمدًا على (التمويل الأمريكي) أو الدايم الأمريكي (عملة معدنية من فئة 10 سنتات). وبنبرة متغطرسة، حثَّ ترامب الدول الأوروبية على زيادة إنفاقها على شؤون الدفاع، فضلًا عن تشكيكه في فائدة الانضمام إلى التحالف العسكري (بصرف النظر عن أن عديدًا من الحكومات الأوروبية بدأت بالفعل في زيادة إنفاقها العسكري خلال إدارة أوباما).

ولم تُسفر علاقة ترامب الشخصية اللافتة للنظر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى جانب احتضانه عددًا من الرموز اليمينية المتطرفة والقومية غير الليبرالية وبعض الشخصيات المعارضة للاتحاد الأوروبي على هامش السياسة الأوروبية، سوى عن انطباعٍ مفاده أن الرئيس الأمريكي يُعادي المشروع الأوروبي الليبرالي.

وأبرز الكاتب أن ترامب كان على خلاف مع حلفاء أوروبيين مقربين في المنتديات الدولية مثل مجموعة الدول الصناعية السبع والأمم المتحدة، ما أدَّى إلى تعطيل الاتفاقيات الأساسية، ومن بينها الاتفاق النووي الإيراني. وعلى الرغم من أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أحْجَم عن تأييد أي مرشح أمريكي عندما سُئل عن الانتخابات الأمريكية التي ستُجرى في نوفمبر، إلا أنه أعرب عن أمله في أن تُغيِّر الولايات المتحدة مسارها في المستقبل.

وفي أغسطس (آب)، تحدث ماكرون إلى الصحفيين قائلًا: «من الأمور البالغة الأهمية في الإطار الدولي، أن تكون الولايات المتحدة بمقدورها القيام بدورها بصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة وبصفتها عضوًا مشاركًا بالكامل في القضايا متعددة الأطراف. إننا بحاجة إلى مشاركة الأمم المتحدة في حل النزاعات وأن تكون الولايات المتحدة شريكًا لنا في الأمن المشترك لأوروبا ذات سيادة».

استعراض الانقسامات داخل أوروبا

واستشهد الكاتب في هذا الصدد بما افترضه جيرار أرو، سفير فرنسا في واشنطن قبل عام، لدى حديثه مع موقع «تودايز وورلد فيو أو Today’s WorldView» قائلًا: «إذا أُعِيد انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، سيشعر بأنه مطلق العنان تمامًا ولا تمنعه أي حدود أو قيود». وأشار أرو إلى أن هذا الأمر سيكون له آثار كبيرة على أوروبا، من بينها احتمالية انسحاب الولايات المتحدة من حلف الناتو تمامًا».

Embed from Getty Images

واستدرك الكاتب قائلًا: وعلى الرغم من ذلك، تبدو مخاوف أوروبا بالكاد موحدة، إذ أقرَّ أرو وعددٌ آخر من الخبراء بأن حقبة ترامب لم تُبرز سوى الانقسامات الموجودة داخل القارة الأوروبية. وأبْدَت بعض الدول في شرق أوروبا تقاربها مع نهج ترامب، في حين أن فرنسا وألمانيا لا تزال على خلاف حول دور القارة الأوروبية على الصعيد العالمي وما إذا كان بمقدور الاتحاد الأوروبي، أو ينبغي عليه، أن يظهر باعتباره قطبًا ثالثًا في السياسة العالمية إلى جانب الولايات المتحدة والصين.

وفي ذات السياق، كتبتْ جانا بوجليرين، مديرة مكتب برلين للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية تقول: «خلال محادثاتي مع الدبلوماسيين الفرنسيين، كانوا يُصوِّرون ترامب، في أغلب الأحيان، على أنه المسمار الأخير في نعش التحالف عبر الأطلسي، نظرًا لأنه شكَّك في الضمانات الأمنية الأمريكية لأوروبا مفترضًا أنها دفعت حلف الناتو نحو الموت الدماغي. ومع ذلك، أكد خبراء الأمن من بولندا أو دول البلطيق على مدى شعورهم بمزيد من الأمان منذ انتخاب ترامب، وشددوا على مدى مصداقية الأمريكيين في طمأنة حلفائها وشركائها في الجناح الشرقي لحلف الناتو… ومن جانبهم يُدرك الألمان التهديد الذي يُمثله ترامب للتحالف، لكنهم يحاولون السيطرة عليه».

بايدن وأوروبا

وألمح الكاتب إلى أن عديدًا من الأوروبيين يرون في فوز بايدن بمنصب رئيس الولايات المتحدة، عودة شخصية دولية أكثر تقليدية تُقدر قيمة علاقة الاتحاد الأوروبي التاريخية مع الولايات المتحدة وقيمها الليبرالية. وأن فوزه سيُمثل عودة طبيعية للتعاون الأكثر ودًا وقربًا على صعيد عدد من الجبهات، من بينها التجارة والعمل بشأن تغير المناخ.

واستشهد الكاتب بما صرح به توني بلينكين، كبير مستشاري بايدن حديثًا أمام غرفة التجارة الأمريكية قائلًا: «إن الاتحاد الأوروبي هو أكبر سوق في العالم. ونحن بحاجة إلى تحسين علاقاتنا الاقتصادية معه. كما أننا بحاجة إلى إنهاء الحرب التجارية المفتعلة التي بدأتها إدارة ترامب… والتي كانت تُسمِّم العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحد وبين القارة الأوروبية، كما أنها تُكبدنا خسارة مزيد من فرص العمل إلى جانب أنها تُثقِل كاهل المستهلكين بمزيد من التكاليف».

وافترض أرو أيضًا أنه: «إذا انتُخِب بايدن، فإنه سيُبدي البديهيات العاطفية تجاه الأوروبيين التي يُحبها الأوروبيون، وسوف يَرْبُت على أكتافهم. وستصل العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا إلى الذروة بين جدران مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل».

بيد أن السفير الفرنسي السابق حذَّر من أن «العلاقات لن تكون على حالها كالمعتاد. ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن الضمانات الأمنية للسلام الأمريكي في القرن العشرين لم تعد قائمة، وربما أظهرت إدارة أوباما، والتي عمل فيها بايدن نائبًا للرئيس، قدرًا من التناقض بشأن استعراض قوة الولايات المتحدة في الخارج كما فعل ترامب فيما بعد».

في زمن آكلي اللحوم.. الأوروبيون من آكلي العشب!

وأوضح الكاتب أنه مع اندلاع الأزمات على حدود الاتحاد الأوروبي وتبدو اهتمامات الولايات المتحدة بمنأى عن هذه الأمر إلى حد كبير، بدأ صنَّاع السياسة في باريس وبرلين وبروكسل يتصالحون على نحو متزايد مع ما كان ينبغي عليهم مواجهته بأسلوبهم الخاص. يقول أرو: «نحن نعيش في عالم من آكلي اللحوم والأوروبيون ما زالوا من آكلي العشب. ولا بد أن يغيروا نظامهم الغذائي وهذا أمر صعب جدًّا بالنسبة لهم».

دولي

منذ شهر
كيف سيتعامل بايدن مع العالم؟ 5 من مستشاريه المحتملين يُنبئون بسياسته

واستشهد الكاتب في ختام مقاله بما عبَّرت عنه كاثرين كلوفر أشبروك، المديرة التنفيذية لمشروع أوروبا وتطوير مستقبل العلاقة عبر الأطلسي في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، خلال ندوة عبر الإنترنت بشأن تأثير الانتخابات الأمريكية عبر المحيط الأطلسي، قائلة: «كانت كل الديمقراطيات الغربية تراقب عن كثب ما يحدث داخل هذه الدولة الديمقراطية». وأشارت إلى أن الأوروبيين «حذرين» من الاتجاهات الأكثر عمقًا التي تُغذي السياسة الأمريكية وما الذي قد يعنيه هذا بالنسبة لمجتمعاتهم. 

وتساءلت كاثرين قائلة: «من سيكون الظاهرة العابرة؟ هل هو جو بايدن أم ترامب».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد