مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، والتي يتنافس فيها المرشح المثير للجدل عن الحزب الجمهوري «دونالد ترامب»، مع السيدة الأولى سابقًا، ووزيرة الخارجية سابقًا، «هيلاري كلينتون»، يتأكّد للجميع أن هذا السباق الرئاسي مختلفٌ عن أي سباق حظت به الولايات المتّحدة قبلًا.

مناخ الاستقطاب المتزايد لم يقتصر على الناخبين والحزبين الرئيسيين وفقط، وإنما امتدّ ليطال المؤسسات الحكومية، وأبرزها مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، وصولًا إلى المؤسسة العسكرية، إثر تدخّل العديد من الجنرالات المتقاعدين لتأييد هذا المرشّح أو ذاك، ومهاجمة غريمه.

كذلك التغطية الدولية للانتخابات غير مسبوقة؛ العديد في أنحاء العالم يترقّبون نتائج الانتخابات ويحاولون توقّع التأثيرات المحتملة على الأوضاع السياسية والاقتصادية. بينما تسلّط الدول التي عانت من سعي الولايات المتّحدة «تعزيز» الديمقراطية الضوء على الانقسامات الداخلية والانتقادات الصارخة، في محاولة لنزع مصداقية الضغوط الأمريكية عليها، باعتبار أنها هي الأخرى ليست جنة الله في الأرض، وأن نظامها الذي تسعى إلى تصديره إلى كلّ مكانٍ في العالم مليءٌ بالعيوب، والمتناقضات.

أخفّ الضررين

الولايات المتّحدة تُواجه مفترق طرقٍ هذا الثلاثاء، بين مرشّحين لكلٍ منهما حصّته من الفضائح والاتهامات الموجّهة إليه. «دونالد ترامب»، رجل الأعمال ومرشّح الحزب الجمهوري، ارتكب قدرًا من الأخطاء السياسية والخطابية كافٍ لاستبعاد أي مرشّح آخر، وفقًا لتقرير NPR. بمواقفه الحادة ضد المسلمين واللاجئين، ورغبته في بناء «جدارٍ عازل» على الحدود مع المكسيك، واعترافه العلني بالتهرب من الضرائب، بالإضافة إلى آخر فضائحه التي تضمّنت تسريبًا يرجع إلى عام 2005، يتحدّث فيه «ترامب» عن النساء وانتهاكهن بطريقةٍ مهينة لم يفلح في تبريرها لاحقًا، فإنه من المفاجئ أن ترامب ما زال يحظى بكتلة انتخابية ليست بالهيّنة تقف وراءه.

على الجانب الآخر نجد «هيلاري كلينتون»، مرشّحة الحزب الديمقراطي، والتي تتمتّع بحصتها الخاصة من الفضائح والاتهامات، أبرزها أنّها أنشأت خادمًا سريًا للبريد الإلكتروني بالمخالفة للقانون، بكلّ ما يحمل هذا من تبعات على الأمن القومي، وغياب للرقابة سمح لهيلاري بإلقاء خطاباتٍ مدفوعة لصالح جهات بعينها. ولم ينكشف هذا إلا مع التسريبات التي نشرها موقع ويكيليكس مؤخرًا.

اتّهامات أخرى تتعلّق بانتفاعها الشخصي هي وزوجها الرئيس السابق «بيل كلينتون» من المناصب السيادية التي تعاقبا عليها، بالإضافة إلى «الإهمال الجسيم»  أثناء عملها وزيرة للخارجية في عهد الرئيس باراك أوباما، أفسح الطريق أمام اقتحام السفارة الأمريكية في بنغازي الليبية، ومقتل السفير الأمريكي. والقائمة تطول، سواءً بالنسبة لـ«هيلاري» أو «ترامب».

إذن، المشهد الحالي يختار فيه المواطن الأمريكي بين مرشّح جمهوري متعصّب سيء الأخلاق، وبين مرشّحة ديمقراطية لا يثق بها أغلب الأمريكيين وفقًا لاستطلاعات الرأي، لأنها تُمثل كل ما يكرهونه في النخبة السياسية والنظام السياسي. وهو ما يطرح سؤالًا ملحًا: كيف انتهى الأمر إلى هذين المرشّحين؟ أو، بعبارة أكثر قسوة، «هل هذا هو أفضل ما يُمكن للديمقراطية الأمريكية الخروج به»؟

استقطاب غير مسبوق

الانقسام بين المرشّحين، وعدم الرضا عن أيّ منهما، ظهر جليًا في إحصائيات التصويت المبكّر. يُراهن الحزب الديمقراطي بشكلٍ كبير على أصوات الأقليّات والشباب الجامعي في هذا السباق، وهو ما ظهر في حشد باراك أوباما وزوجته ميشيل لأصوات الأفارقة الأمريكيين، لكي «يُكملوا طريقهم» الذي بدأوه بانتخاب أوباما. لكن الإحصائيات تُظهر انخفاضًا في مُشاركة الأفارقة الأمريكيين في الانتخابات بالمقارنة بانتخابات 2012؛ علامة مُقلقة بالتأكيد بالنسبة لكلينتون، ربّما تعكس فقدانهم الثقة في «الحلم الديمقراطي» بعد فترة رئاسية لم تخلُ من حوادث التمييز العُنصري ضدهم، والتي وصلت في بعض الأحيان إلى القتل، وأشعلت اضطرابات واسعة على إثرها. كُتلة تصويتية مهمّة أخرى، بالنسبة لأول امرأة تقترب إلى هذا الحد من البيت الأبيض، هن النساء الأمريكيات، واللاتي يُشكّلن الأغلبية من أصوات الناخبين، وأغضبهنّ دونالد ترامب بكل تأكيد، بعد تسريباته الأخيرة.

أمّا «دونالد ترامب»، فعلى الرغم من الهجوم الإعلامي الشديد، والانتقادات الموجّهة له حتى من رموزٍ رفيعة داخل الحزب الجمهوري، فإنّه ما زال يحتفظ بتأييد قطاعٍ واسع من الأمريكيين. ربما يرجع الأمر إلى الشعار الذي يرفعه ترامب، والذي يُداعب الكثير من أحلام ومخاوف كتلته التصويتية. «فلنجعل أمريكا عظيمة مجددًا». هذا الشعار الذي يجد صداه لدى قطاع من الأمريكيين البيض فاقدي الثقة في الحكومة والإعلام والنخبة والخبراء. تُظهر إحصاءات مركز أبحاث بيو ميلًا واضحًا للريف الأمريكي ناحية ترامب. هذه الهوّة الواسعة بين تفضيلات النساء والرجال، وتفضيلات المدن الريفية والحضرية، والتفضيلات العرقية، تُشير بوضوحٍ إلى استقطابٍ غير مسبوق على الساحة الأمريكية، خاصة مع انتشار الدعوات الصريحة إلى التصويت العقابي، والتي تدعو إلى تجاهل مساويء مرشّح والتصويت له فقط لكيلا يفوز الآخر بالرئاسة.

كُتلة غير هيّنة ستلجأ، بدافعٍ من عدم الرضا عن أي من المرشّحين، إلى انتخاب مرشّحي «الأطراف الثالثة»، ومن ضمنهم جاري جونسون، ومرشّحة حزب الشاي جيل شتاين. لكن فرص هؤلاء المرشّحين ضعيفة في العموم في مواجهة مرشحي الحزبين الرئيسيين.

الاستقطاب يطال الحكومة

وسط هذا المناخ المتوتر، ليس من المستغرب أن يطال الاستقطاب وكالات ومؤسسات حكومية بقيت بشكلٍ نسبي بمنأى عن النزاعات السياسية. «جيمس كومي»، رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي، هو أحد أبرز الأمثلة على ذلك. يقع كومي بين مطرقة حملة «ترامب»، التي تتهمه بأنه جزء من مؤسسة قضائية فاسدة تسعى لتزوير الانتخابات، وسندان حملة «هيلاري»، التي تتهمه بتعمد إعادة فتح قضية خادم البريد الإلكتروني قبل أيامٍ من الانتخابات، ملمّحة إلى استجابته لضغوطات الروس الساعين لدعم دونالد ترامب.

ليست هذه المرة الأولى التي تنتقد فيها الحملات الانتخابية الرئاسية مكتب التحقيقات الفيدرالي، إلا أنها بالتأكيد المرة الأولى التي يصل فيها الهجوم إلى هذه الدرجة من الحدّة والمجاهرة. وفقًا لنيويورك تايمز، سيواجه كومي أيامًا عصيبة بعد انتهاء الانتخابات، بغض النظر عن هوية الفائز.

الأمر يمتدّ أيضًا إلى المؤسسة العسكرية، والتي حذر كثيرون أن جلبها إلى ساحة الصراع السياسي له تأثير بالغ الضرر على مصداقية المؤسسة العسكرية أمام الشعب، وثقة الإدارات المتعاقبة فيها. لم يمنع هذا العديد من ضباط الجيش الأمريكي المتقاعدين من الانضمام للحملات الانتخابية، وإلقاء خطاباتٍ حماسية نارية لصالح المرشّح وضد غريمه. «جون ألين» تدخّل لدعم هيلاري كلينتون، بينما «مايكل فلين»، الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية، لم يكتفِ بدعم ترامب بل انتقد إدارة أوباما التي عمِل تحتها، قائلًا إن الناس «قد فقدوا احترامهم لحكومتهم وثقتهم فيها».

العالم يترقّب

المشهد الأمريكي الملتهب حاز على انتباه العالم بأكمله. وفقًا لسي إن إن، لم تحظ أي انتخاباتٍ أمريكية سابقة بمثل هذه التغطية الدولية المترقّبة. المكسيك تحذر فوز المرشّح الجمهوري بعض تصريحاته ضدّها ضدّ مواطنيها، وسعيه إلى غلق الحدود الأمريكية المكسيكية. الهند تُراقب الانتخابات عن كثب، إذ تتوطد علاقاتها بالولايات المتّحدة أكثر وأكثر، وإذ تُشاهد ترامب، السياسي المتعصّب الوقح الذي يُشبه أكثر ما يُشبه ساسة الهند، يصل إلى مرحلة متقدمة من أعلى سباقٍ سياسي في أكبر دولة في العالم.

إحدى الدول القلقة من احتمالية فوز ترامب هي كوريا الجنوبية، إذ صرّح المرشّح بأن الولايات المتّحدة عليها أن تتوقف عن حماية كوريا الجنوبية من جارتها مجانًا، داعيًا الدولة إلى «التسلّح» في مواجهة أعدائها.

بالنسبة للدول الدكتاتورية، لا يهمّ كثيرًا من الفائز. المشهد الفوضوي الذي يراه العالم يخدم مصلحتها في تقويض الثقة في النموذج الديمقراطي الأمريكي والقوى الساعية إلى الترويج له. في إيران، وللمرة الأولى، بث التلفاز الرسمي المناظرة الرئاسية بين ترامب وهيلاري، بالإضافة إلى مسلسل «بيت الورق» House of Cards الشهير، والذي يكشف خداع «الحضارة الليبرالية الأمريكية». كما صرح المرشد الأعلى «آية الله خامنئي»، عبر تويتر، بأن الانتخابات تُظهر «انهيار» القيم الإنسانية الأمريكية.

ليست إيران وحدها في ذلك؛ الصين أيضًا تُغطي الانتخابات عن طريق شبكتها الإعلامية «شينخوا نيوز». وبالطبع، لايدع الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» فرصة للانتقاص من مصداقية النظام الأمريكي، وتعزيز الاعتقاد بأن الديمقراطية نظامٌ غير فاعِل في الولايات المتّحدة، إلا وانتهزها، تُساعده في ذلك شبكة «روسيا اليوم» التي تُديرها الحكومة.

سواءً فازت «هيلاري»، أم فاز «ترامب»، فسيتكون أمام الفائز طريقٌ طويل وصعب لإصلاح ما أفسدته هذه الانتخابات، واستعادة ثقة الرأي العام الأمريكي، التي تأثّرت بشدة جراء النزاع الحزبي والانقسامات الداخلية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد