في العقود الأخيرة، اشتركت الإدارات الثلاثة التي تعاقبت على حكم الولايات المتّحدة في إيمانها بالديمقراطية الليبرالية، واتخاذها دعم الديمقراطية في دول العالم حجر أساسٍ لسياساتها الخارجية. من «الاستراتيجية الأمنية الوطنية للانخراط والتوسّع» في عهد «بيل كلينتون»، إلى «أجندة الحريّة» التي قدّمها «جورج و. بوش» في خطابه التأسيسي الثاني، إلى تعيين «باراك أوباما» للعديد من الليبراليين المهتمّين بالشؤون الدولية في إدارته، مصرّحًا بأنّه «لا يوجد حقٌ جوهري أكثر من القدرة على اختيار القادة»، ناهيك عن دعم إدارته للعديد من عمليات التحوّل الديمقراطي، في مصر، ليبيا، اليمن وعدّة دول أخرى.

لكن هذه المجهودات لم تُسفر عن نتائج مُرضية، طبقًا لكتابٍ سيُنشر قريبًا بعنوان «الديمقراطية في تراجُع». طبقًا للكتاب، انتكست أوضاع رُبع الدول الديمقراطية في الثلاثين عامًا الماضية. والنجاحات المحدودة، مثل إنهاء الُحكم العسكري في «ميانمار»، يُقابلها العديد من الُمحاولات الفاشلة، في ليبيا واليمن والعراق، والتراجُعات في تركيا، روسيا، بولندا وغيرها من الدول. يستعرض «سيتيفن م. والت»، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، أسباب فشل المحاولات الأمريكية في إرساء الأنظمة الديمقراطية، وكيف يجب أن تُغيّر من سياساتها تِجاه ذلك، في مقالِه بجريدة «فورين بوليسي».

هل الديموقراطية أفضل

يدحض «والت» ظنّ البعض بأن الواقعيين السياسيين لا يكترثون لكون نظام الحكم ديمقراطي من عدمه. فإيمانِهم بأنّ القوة النسبية واحتياجات الأمن أهمّ عادة من الضغوطات باتجاه الديمقراطية، لا ينفي وجود أسبابٍ قوية لتفضيلهم الديمقراطية، مع وعيهم الكامل بمخاطر التحولات الديمقراطية. الديمقراطيات المستقرة تحمي حقوق الإنسان، وتضمن محاسبة المسؤولين ومرتكبي الجرائم، وهو ما يجعل ارتكاب جرائم قتل الحكومات الجماعي لأبناء الشعب أقل احتمالًا بكثير. صحيحٌ أن الحكومات الديمقراطية تشنّ العديد من الحروب، لكن احتمالية أن تشنّ حكومة ديمقراطية حربًا ضد ديمقراطية أخرى واهية للغاية.

لكلّ هذه الأسباب، نجِد أنّه من الأفضل أن يزداد عدد الديمقراطيات في العالم، لكن السؤال هو: كيف نفعل هذا؟

وهم التدخّل العسكري

بالتأكيد ليس التدخّل العسكري وسيلة ناجحة، حيث يصف «والت» فكرة أن تحرّك الولايات المتّحدة قواتها، وتُزيح المستبدّ وعصابته من الحكم، وتكتب دستورًا جديدًا وتُجري بعض الانتخابات، لتُنتج ديمقراطية مُستقرّة في النهاية، بالوهم الذي خدع العديد من الأشخاص الأذكياء، على الرّغم من كثرة الأدلّة على فشل هذه الفكرة.

لهذا عدّة أسباب، أولّها أنّ الأنظمة الليبرالية تقوم على أكثر بكثير من القوانين المكتوبة، والانتخابات الحرّة، فهي تحتاج مثلًا إلى نظامٍ قانوني فاعلٍ، والتزامٍ مجتمعي بالتعدّدية، ومستوى مرتفعٍ من التعليم والدخل، وثقة الأطراف الخاسرة في العملية الانتخابية في أنّ لديها فُرصةً لتطوّر نفسها مُستقبلًا. لهذا تطلّب الامر قرونًا في الغرب، وكثيرًا من النزاعات الشرسة، وربّما الدموية، ليُفرز الديمقراطيات التي نراها اليوم. أمّا الإيمان في قدرة الجيش الأمريكي على تصدير الديمقراطية، فهو «غطرسة ما زال تذكرها يبعث على الذهول»، على حد تعبير «والت».

القومية تستحثّ المقاومة الشعبية

سببٌ آخر لفشل القوّة في نشر الديمقراطية، وفقًا للكاتب، هو النزعات القومية التي تستفز الشعوب للدفاع المسلّح على أراضيها ضدّ العُدوان الأجنبي، وبالأخص الجماعات التي دخل الاحتلال البلاد لإزاحتها عن الحكم، مثل السنّيين في عراق ما بعد الاحتلال. ينطبق ذات الشيء أيضًا على الدول المجاورة التي سترى في مثل هذا الاحتلال، والتحوّل الديمقراطي المترتب عليه، تهديدًا لمصالحها، ومن ثمّ ستبذل جهدها لوقف عملية الانتقال الديمقراطي، وإعادة الحال إلى ما كان عليه.

 

ينبّه «والت» إلى أن مثل هذه التطوّرات هي آخر ما تحتاجه أي ديمقراطية ناشئة، فالعُنف يخدِم الأقوى، لا الأصلح؛ يُقدّم من يُجيد العُنف ويمتلك السلاح، لا من أصحاب الكفاءات من المُديرين ورجال الاقتصاد، والداعين إلى التسامُح.

أمّا الأسوأ، فهو جهل المُحتلّين بطبيعة الشعب المُحتلّ، مما يُصعّب عملية اختيار الأصلح لإدارة شؤونِهم من السكّان المحلّيين. كثيرًا ما يذهب الدعم المخصّص لمُساعدة الحكومات الناشئة هباءً بسبب الفساد، ويتسبب في تشويه السياسات المحليّة بطُرُقٍ غير متوقّعة.

إن صناعة الديمقراطية في بلدٍ أجنبي، حسب وصف «والت»، هي مشروع هندسي مجتمعي ضخم، ولا يجب أن يُتوقّع من القوى الأجنبية أن تقوم به على النحو الأمثل، إلا بالقدر الذي نتوقع به من شخصٍ عادي أن يبني محطّة توليد للطاقة النووية، بلا أي مخطّطات هندسية، على أرضٍ غير مستقرّة!

ليست هناك طريقةٌ رخيصة أو سريعة يمكن للأجانب بها «هندسة» تحوّل ديمقراطي. وبالتأكيد ليس الُعنف هو الطريقة الصحيحة. إذن كيف يُمكن للقوى الأجنبية الدفع في اتجاه التحوّل الديمقراطي؟

الدبلوماسية والقُدوة

الطريقة الأولى هي الدبلوماسية. يذكر «والت» مثالًا على تأثير الدفع الدبلوماسي المستمرّ في الدفع باتجاه الديمقراطية، ألا وهو «الثورات الناعمة» في شرق أوروبا، أو في ميانمار اليوم. نجحت الولايات المتّحدة في تشجيع التحوّلات الديمقراطية التدريجية في العديد من الدول، مثل كوريا الجنوبية، والفلبين، بالصبر والالتزام والاصرار على استخدام الوسائل غير العسكرية، مثل العقوبات الاقتصادية. ربّما لا يكون الركون إلى الدبلوماسية مثيرًا بذات القدر الذي يبدو عليه الاحتلال العسكري، على حد تعبير «والت»، لكنّه أقل في التكلفة المادية البشرية، وأكثر نجاحًا، كما أنّه يسمح للحركة المحلية الداعمة للديمقراطية ببناء قوّتها على مدار أعوام وتكوين قاعدة شعبية واسعة بحلول وقت اعتلائها سدّة الحكم.

أمرٌ آخر، هو أن تبدأ الولايات المتّحدة بنفسِها، وتُعلي قيم الديمقراطية على أرضِها أولًا، ليسعى الآخرون إلى أن تكون مجتمعاتهم عادلة، منعّمة، متسامحة كالمجتمع الأمريكي. بالنظر إلى الوضع الحالي للمجتمع الأمريكي، الذي يتفشّى فيه انعدام المُساواة، ويتصدّر مشهده السياسي رموزٌ جعجاعة تفيض بكراهية الآخر، وبه أكبر عدد من المساجين في العالم، وتتداعى بنيته التحتيّة؛ بالنظر إلى ملايين المواطنين المؤهلين المحرومين من التصويت، والقلّة من الأغنياء المتحكّمين في السياسة الأمريكية، فإنّه من غير المُحتمل أن تسعى الحكومات الأخرى إلى النموذج الديمقراطي الذي تقدّمه الدولة الأمريكية، أو تجِده جذابًا، خاصة وإن أضفنا انتهاكات جونتانامو وأبو غريب، والتعدّيات على الحريات الشخصية من قِبل وكالة الامن الوطني NSA.

 

 

في نِهاية المقال، يقول «والت» أن بناء وطنٍ أميركي أفضل، ربّما يكون الوسيلة الأفضل، لدعم الديمقراطية في جميع أنحاء العالم، بدلًا من التدخّلات العسكرية الفجّة، التي تكلّف ملايين الدولارات، وآلاف الأرواح. ربّما يكون التزام الولايات المتحّدة بمبادئها على أرضِ الوطن أسهل، وأكثر تأثيرًا، من محاولات فرض الديمقراطية بالقوة في أفغانستان واليمن، والفشل في ذلك لعقودٍ طالت، وربما تطول.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد