نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تحليلًا بقلم زاكاري كاراباتاك، الباحث المتخصص في شؤون الحروب الأهلية بمنطقة الشرق الأوسط، حول مدى تأثير المساعدات العسكرية الأمريكية المقدمة للجيش اللبناني في السياسة الداخلية وحزب الله ومؤيديه من الساسة اللبنانيين.

وأفرجت الإدارة الأمريكية يوم الاثنين الماضي عن مساعدات عسكرية إلى لبنان بأكثر من 100 مليون دولار، «بعد قرابة ثلاثة أشهر من التأجيل غير المبرر»، على حد قول الكاتب، وهو مرشح للحصول على درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية بجامعة جورج تاون الأمريكية.

وأضاف أنه رغم أن هذه الأموال حظيت بموافقة الكونجرس ودعم البنتاجون، فإنها ظلت معلقة داخل مكتب الإدارة والميزانية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي. وقدمت الولايات المتحدة منذ عام 2006 أكثر من 1.7 مليار دولار إلى القوات المسلحة اللبنانية، وزودت هذه الأموال الجيش اللبناني بالطائرات، والمدفعية، والأسلحة الصغيرة، والذخيرة الأمريكية، ووفرت التدريب والدعم الاستشاري للقوات اللبنانية.

 Embed from Getty Images

السياسة الأمريكية في لبنان.. الأدوات والأهداف

ويلفت الكاتب إلى أن السياسة الأمريكية في لبنان تسعى إلى مواجهة نفوذ سوريا وإيران وحزب الله، بشكل أساسي من خلال تعزيز الجيش اللبناني ومؤسسات الدولة اللبنانية الأخرى.

ويوضح أن هذه الاستراتيجية استقطبت كلًا من المؤيدين الذين يدافعون بأن القوات المسلحة اللبنانية تعمل كحصنٍ حَصينٍ ضد حزب الله، وأيضًا المنتقدين الذين يزعمون أن المساعدات الأمريكية تخاطر إما بالوقوع في أيدي حزب الله، وإما أن تدعم حكومة لديها ارتباطات وثيقة بالحزب.

ويتساءل زاكاري عما تتوقع الولايات المتحدة تحقيقه؛ سواء من خلال تقديم المساعدات العسكرية إلى لبنان أو حجبها عنه.

حدود تأثير المساعدات العسكرية

ينتقل زاخاري للحديث عن تأثير المساعدات العسكرية التي يراها «أداة مهمة للسياسة الخارجية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية». 

ويخصص الكونجرس الأمريكي مليارات الدولارات سنويًّا لحلفاء الولايات المتحدة وشركائها لتمويل شرائهم للمعدات العسكرية، وحصولهم على التدريبات الأمريكية.

 1. «الأسلحة مقابل النفوذ»

في المقابل، تتوقع الإدارات الأمريكية عمومًا امتثال الدول التي تتلقى المساعدات لأهداف سياسية معينة. ويقول الكاتب إن هذا النموذج من العلاقة بين التمويل العسكري وتعاون البلد المتلقي للمساعدة يُعرف بنموذج «الأسلحة مقابل النفوذ».

ويخلص الكاتب إلى أن المنحة الحالية تشير إلى أن هذا الفهم للمساعدات العسكرية كأداة نفوذ تعتريه أوجه قصور أساسية. ويستدل على ذلك بأن الدول التي تلقت المساعدات العسكرية الأمريكية في الفترة ما بين عامي 1990 و 2004، كانت أقل تعاونًا مع الولايات المتحدة خلال الفترة ذاتها.

ويلفت زاكاري إلى عدم نجاح الجهود الأمريكية لاستغلال المساعدات العسكرية كمصدر للقوة التفاوضية مع الدول المتلقية للمساعدات، إذ سبق وأن علقت إدارة أوباما جانبًا كبيرًا من المساعدات العسكرية إلى مصر بعد انقلاب عام 2013 الذي أطاح الرئيس المنتخب محمد مرسي، بهدف دفع مصر لتحقيق «تقدم موثوق» نحو الإصلاحات الديمقراطية، بيد أن سحب المساعدات العسكرية فشل في تحفيز مصر على إجراء إصلاحات، ثم استأنفت الولايات المتحدة التمويل العسكري مرة أخرى في عام 2015. 

Embed from Getty Images

2. إعفاء أمريكا من التدخلات المكلفة

السبب الثاني وراء تقديم الولايات المتحدة مساعدات لقوات الأمن، هو تعزيز قدرات الجيوش داخل الدول الضعيفة دون الحاجة إلى تدخلات أمريكية مكِلفة.

ويستدرك زاكاري أنه رغم ذلك فشلت جهود واشنطن في بناء الجيوش الأجنبية وتحقيق مبتغاها من وراء ذلك، بمعنى أن تقديم التدريب والمعدات فشل ببساطة في معالجة القضايا الأكثر أهمية، مثل المهام والهياكل التنظيمية لجيوش الدول التي تتلقى المساعدات.

 لماذا لن تؤثر المساعدات العسكرية للجيش اللبناني في حزب الله؟

يشير زاكاري إلى أن تأجيل تقديم المساعدات العسكرية إلى لبنان، بالإضافة إلى الجهود المبذولة لتهيئة الظروف لتقديم مساعدات مستقبلية، يبدو أنه يشير إلى أن صانعي السياسات يرون أن المساعدات العسكرية وتعليقها المحتمل وسيلة لتسليح الجيش اللبناني لمواجهة حزب الله مباشرة، وإجبار القادة السياسيين على استغلال ذلك الخيار.

ويرصد المقال عددًا من الأسباب للاعتقاد بأن هذه التوقعات غير منطقية؛ بالنظر إلى سيطرة حزب الله سياسيًّا، ففي انتخابات عام 2018 فاز الحزب وحلفاؤه بأغلبية المقاعد داخل البرلمان للمرة الأولى، كما حصل حزب الله على ثلاثة مناصب وزارية في الحكومة التي سقطت مؤخرًا باستقالة رئيس الوزراء سعد الحريري.

ويشغل الحلفاء السياسيون لحزب الله بعضًا من أهم المناصب في لبنان، بما في ذلك الرئيس، ورئيس البرلمان، ووزير الخارجية. ورغم أن الجيش اللبناني مؤسسة غير حزبية تحاول البقاء على الحياد حيال النزاعات السياسية الداخلية، فإنها تستجيب في نهاية المطاف للإرادة الجماعية للطبقة السياسية اللبنانية.

وبالتالي، فإن عجز القوات المسلحة اللبنانية عن التعامل مع حزب الله ليس له علاقة بالقدرة العسكرية أكثر من الإرادة السياسية، وهو أمر لن يحله تقديم المزيد من التدريب والمعدات. 

وحتى ضباط الجيش اللبناني، أصحاب وجهات النظر المعارضة بشدة لحزب الله، يغضون الطرف عن عمليات نقل الأسلحة السرية للحزب من سوريا وإيران؛ ربما لتجنب إشعال فتيل حرب أهلية جديدة داخل لبنان، بحسب الكاتب الذي يلفت أيضًا إلى عدم وجود أدلة، وإن وُجِدَ فهي لا تكاد تُذكَر، على أن الجيش اللبناني يتعاون بنشاط مع حزب الله.

ما الذي يمكن أن تحققه المساعدات العسكرية؟ 

يقول الكاتب إنه عند هذه المرحلة، يبدو أن المساعدات العسكرية للبنان لا هدف من ورائها. وفي حين يستبعد أن تمنح المساعدات العسكرية الولايات المتحدة نفوذًا كبيرًا على الحكومة اللبنانية، أو تجبر القوات المسلحة اللبنانية على مواجهة حزب الله مباشرة، فقد يكون هناك سبب آخر لمواصلة تقديم المساعدة العسكرية.

Embed from Getty Images

يستطرد زاكاري قائلًا إن القوات المسلحة اللبنانية واحدة من مؤسسات الدولة القليلة التي يعدها معظم المواطنين كيانًا وطنيًّا حقيقيًّا. وهي أيضًا المؤسسة الأكثر تمثيلًا لجميع الأطياف داخل لبنان، وتحظى بشعبية كبيرة تتجاوز الخطوط الطائفية.

ويؤكد المقال أن الاحتجاجات الحالية في لبنان ضد الطبقة السياسية، تبرز أهمية وجود جيش لبناني فعال لحماية الاستقرار الداخلي. ورغم وجود حالات فردية من استخدام الجيش للقوة المفرطة ضد المظاهرات، يرى الكاتب أن الجيش أظهر حتى الآن مستوى عاليًا من الاحترافية في تعامله مع المحتجين، وشكّل مؤخرًا سلسلة بشرية قرب القصر الجمهوري للفصل بين مسيرات مؤيدة وأخرى معارضة. بالإضافة إلى ذلك، ما تزال القوات المسلحة اللبنانية تقاوم جهود القادة السياسيين لاستخدام تكتيكات أكثر قمعًا ضد المتظاهرين. 

استثمار أمريكي طويل الأمد في الجيش اللبناني

وبلغت ميزانية لبنان العسكرية 2.7 مليار دولار العام الماضي، مما يعني أن المساعدات الأمريكية تمثل حوالي 8% من نفقات الجيش. وتقدم الحكومة الأمريكية أكثر من 80% من معدات الجيش اللبناني، وهو التدفق الذي يتطلب مستوى ثابتًا من التمويل للحفاظ عليه. 

ويرى زاكاري أن استمرار أزمة الميزانية، والتخفيضات المحتملة في الإنفاق العسكري، تجعل المساعدات العسكرية الأمريكية أكثر أهمية لاستمرار عمليات قوات الجيش اللبناني.

وفي حين قد تكون المساعدات العسكرية أداة سياسية للحفاظ على الاستقرار اللبناني، فإن حجبها كاستراتيجية لتكبيل يد الحكومة اللبنانية من غير المرجح أن يسفر عن أي نتائج. ويصف المقال المساعدات العسكرية الأمريكية بأنها استثمار طويل الأمد في مؤسسة لبنانية رئيسية (الجيش)، ويخلص إلى أنها ربما تساهم في توجيه السقوط السلمي للنظام السياسي القائم على الطائفية في لبنان. 

«بلومبرج»: مع تفاقم أزمة الاحتياطي.. هذا ما ينتظر اقتصاد لبنان

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد