هل تستطيع الحكومة الأمريكية وقف انتشار فيروس كورونا؟ سؤال طرحه الكاتب «بول رانتر» في مقال نشره موقع «بيج ثينك»، ويحاول الإجابة عنه بالعودة إلى تجارب سابقة تعاملت فيها الولايات المتحدة مع أوبئة، لكنها كانت متأخرة دائمًا.

ويستهل الكاتب مقاله بالقول: «إن الاستجابة لجوائح مثل كوفيد-19، المرض التنفسي الذي يسببه فيروس كورونا المستجد، هي أحد الأسباب الوجيهة لوجود الحكومات؛ فالحاجة إلى تنظيم فعال ونشر سريع للمعلومات ذات الصلة هما أمران بالغا الأهمية لوقف تفشي أمراض من مثل هذا النوع». 

دولي

منذ شهر
«واشنطن بوست»: ما سبب انتشار فيروس كورونا؟ ثلاث نظريات متداولة

ويرصد المقال عددًا من الأمراض المعدية التي تفشت خلال القرن العشرين، ووضعت جاهزية الحكومة الأمريكية تحت الاختبار: 

الإنفلونزا الإسبانية.. استهانة بالخطر حتى تكدست الجثث في الشوارع

في عام 1918، اجتاحت الإنفلونزا الإسبانية العالم، التي وصفها الأطباء بأنها «أكبر هولوكوست طبي في التاريخ»، وانتشرت على نطاق غير مسبوق، وأودت بحياة ما يتراوح بين 50 إلى 100 مليون شخص، وهو ما يفوق عدد من لقوا حتفهم أثناء «الموت الأسود»، وهو الطاعون الكارثي الذي أزهق أرواح 60% من سكان أوروبا في القرن الرابع عشر.

ومن المحتمل أن يكون مصدر تفشي الإنفلونزا الإسبانية: الخنادق التي لا تتوافر فيها متطلبات الحماية الصحية أثناء الحرب العالمية الأولى، ومعسكرات التدريب على طول الحدود الفرنسية للجبهة الغربية؛ وبالتالي انتقل ذلك المرض مع الجنود العائدين إلى منازلهم، وألحق خسائر في صفوف السكان أسوأ مما تسببت فيه الحرب نفسها.

ويقول الكاتب إن أحد القواسم المشتركة بين كوفيد-19 والإنفلونزا الإسبانية هو أن الذين ماتوا بسببهما، لقوا حتفهم في الغالب بسبب الالتهاب الرئوي. فمثل هذه الأمراض تعيث فسادًا في الجهاز المناعي، الذي يضعفه الفيروس، حسب هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). 

والجدير بالذكر أن معدل الوفيات نتيجة فيروس كورونا المستجد يقل حاليًا عن الإنفلونزا الإسبانية، ولكن إذا استمر معدل الوفاة فوق 3%، يمكن أن يصبح الفيروس الجديد قاتلًا كارثيًا. ومعظم الأشخاص المعرضون للخطر من كبار السن الذين يعانون من ظروف صحية موجودة مسبقًا، وهم الأكثر عرضة للإصابة بالالتهاب الرئوي.

Embed from Getty Images

مستشفى ميداني في كاليفورنيا لمصابي الإنفلونزا الإسبانية 

ويوضح أن استجابة حكومة الولايات المتحدة للإنفلونزا الإسبانية تحمل بين طياتها العديد من الدروس للوضع الحالي. ذلك أن النزعة الأولية دفعت القادة الأمريكيين بلا وعي إلى التقليل من خطورة الوباء. وفي أوروبا، فرضت «رقابة صريحة» على موضوع الإنفلونزا، فيما كانت الدول المتحاربة تتنافس للحصول على ميزة على الأطراف الأخرى، وفقًا للمؤرخ جون باري. 

وقال باري في مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست: «كان هناك ضغط شديد كي لا نقول أي شيء سلبي». وعندما بدأت الإنفلونزا تنتشر في الولايات المتحدة عام 1918، حاولت الحكومة ووسائل الإعلام «رفع الروح المعنوية»؛ من خلال التركيز فقط على القصص الإيجابية عن الحرب، وتصوير الإنفلونزا على أنها «إنفلونزا عادية باسم آخر»، كما وصفها مسؤول صحي كبير.

وبالطبع، لم تكن مجرد إنفلونزا أخرى. ويمكن أن يتسبب التهوين من الأخطار أن يعود عليك بالضرر. ويضرب باري مثالًا بالعرض العسكري الذي نظم في فيلادلفيا، في خريف عام 1918، تكريمًا لعودة الجنود. وفي حين كان المسؤولون الطبيون يعارضون بشدة ما كان من المفترض أن يكون أكبر عرض في تاريخ المدينة، لم تذكر وسائل الإعلام شيئًا عن المخاوف. ونتيجة لذلك، أقيم العرض وفي غضون يومين فقط انتشرت الإنفلونزا الإسبانية في جميع أنحاء المدينة. وأغلقت المدارس وحُظرت التجمعات وبدأت جثث الموتى تتراكم في الشوارع. وأفادت صحيفة «فيلادلفيا إنكوايرر» بأن أكثر من 12500 شخص لقوا حتفهم. وفي ربوع الولايات المتحدة، توفي 675 ألف شخص جراء ذلك المرض، حتى أن الرئيس وودرو ويلسون (1856 – 1924) أصيب به.

الإيدز.. استقبلوه بالسخرية وكأنه «مزحة»

وفي الثمانينيات من القرن الماضي، حين اجتاح وباء فيروس نقص المناعة البشرية (إيدز) العالم، لم تتخذ إدارة الرئيس رونالد ريجان (1881 – 1989) نهجًا استباقيًا أيضًا. وفي الواقع، تعاملوا معه في البداية كأنه مزحة. 

وكشف فيلم وثائقي قصير نشرته مجلة «فانيتي فير» عن تسجيل صوتي يعود إلى عام 1982 لمؤتمرات صحفية عقدها المتحدث باسم ريجان، لاري سبيكس، الذي كان يمزح مع وسائل الإعلام حول وباء الإيدز، ومن الواضح أنه لم يكن يعتبره مشكلة صحية عامة خطيرة، بينما كان الآلاف يموتون. وعندما سُئل عما إذا كان الرئيس مهتمًا بالأمر، قال المتحدث: «لم أسمعه يعرب عن قلقه».

وفي عام 1984، أعلنت وزيرة الصحة والخدمات الإنسانية مارجريت هيكلر أنه تم اكتشاف فيروس يسبب الإيدز، ووعدت بتوفير لقاح في غضون عامين (وهو بالطبع لم يتحقق). ولم يلفظ لسان ريجان كلمة «الإيدز» علانية إلا في عام 1985، عندما مات أكثر من 12 ألف أمريكي جراء انتقال الفيروس بسرعة بين السكان المصابين بالهيموفيليا (نزف الدم الوراثي) ومتعاطي المخدرات بالحقن، حسبما أفادت شبكة أن بي سي نيوز.

الخطط موجودة.. لكن هل تطبقها الحكومة؟

وبالنظر إلى ما يبدو أنها استجابة غير كافية في كثير من الأحيان، يتساءل الكاتب: هل لدى الحكومة كتيب تعليمات للتعامل مع الأوبئة؟ ويضيف: إنها تنشر مبادئ توجيهية للتعامل مع جائحة الإنفلونزا (محدثة في عام 2017)، بالإضافة إلى وثائق استراتيجية مثل وثيقة الحكومة الأمريكية وسياسة الأمن الصحي العالمية لعام 2019. 

تحدد وثيقة الإنفلونزا الإجراءات التي توصي بها مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها بناءً على الدروس المستفادة من حالات التفشي السابقة مثل فيروس (H1N1) أو إنفلونزا الخنازير في عام 2009. وتوزع الإجراءات على ثلاث فئات: الشخصية، والمجتمعية، والبيئية.

Embed from Getty Images

منشور للجمهور لكيفية التعامل مع الإنفلونزا الإسبانية 

وتتضمن الممارسات الفعالة التي اقترحتها الوكالة الحكومية: إغلاق المدارس، وإعادة ترتيب تصميمها الداخلي للحد من التفاعل البدني، أو زيادة التعلم عن بعد. والهدف من ذلك هو: تنظيم إطار استجابة من شأنه أن يقلل انتشار المزيد من حالات التفشي جديدة.

وينظر تقرير الأمن الصحي العالمي في القضية على المستوى العام، ويحدد الخطوات المختلفة التي تتراوح من الاستثمار في جهود المراقبة الوثيقة للأمراض في الخارج، إلى تخزين الأدوية وتعزيز جهود الاحتواء المحلية.

هذا يعني أن هناك خططًا موجودة، لكن الكاتب يتساءل: ما مدى التزام الحكومة بخططها عمليًا؟ ويضيف: ثبت أن إدارة ترامب تتعامل باستخفاف مع الوضع، ولا تنظم ما يكفي من اختبارات الكشف عن الإصابة بفيروس كورونا (مما يؤدي إلى الفوضى في المستشفيات)، ولا تقوم بفحص الركاب لدى دخولهم البلاد. وبحسب صحيفة نيويورك تايمز، سرحت الإدارة أيضًا الفريق السابق للتعامل مع حالات الطوارئ الصحية العالمية، لكنها لم تعين مكانه فريقًا جديدًا.

ويبقى أن نرى كيف سيؤثر ما يبدو أنه أخطاء حكومية معتادة في الوضع. لكن المخاطر قد تكون كبيرة للغاية، إذ توقعت دراسة أسترالية حديثة وفاة 15 مليون شخص من فيروس كورونا، وخسائر بتريليونات الدولارات سيتكبدها الاقتصاد العالمي. 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد