نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية تقريرًا يكشف مضمون مذكرة سرية بخصوص تحقيق أجرته وزارة العدل الأمريكية حول رشاوى دُفعت ضمن صفقة أسلحة بين السعودية وبريطانيا بقيمة 43 مليار جنيه إسترليني. والتي تعرف باسم صفقة اليمامة، وتضمنت شراء السعودية أسلحةً وطائراتٍ من بريطانيا.

بحسب مذكرة سرية اطلعت عليها الصحيفة، كلف الأمير السعودي بندر بن سلطان -السفير السعودي السابق في واشنطن- مكتب محاماة أمريكي للتفاوض مع الوزارة لرفع اسمه من التحقيقات حول تلك الصفقة. جرت المحادثات المذكورة عام 2010، في الفترة التي سبقت انتهاء التحقيق حول صفقة للأسلحة بين السعودية وشركة بي أي إي، أكبر شركات السلاح البريطانية.

تظهر المذكرة تباهي شركة المحاماة -الموجودة في واشنطن- بضغطها على المحققين للحصول على تنازلات بإزالة بعض التفاصيل المحرجة من المستند الرسمي الذي يعلنون فيه نتائج تحقيقهم، كما تكشف تفاصيل إحدى صفقات الأسلحة الأكثر إثارةً للجدل في التاريخ، وعن مدى المجهود المبذول لمنع إفشاء ما قد يضر بعلاقة الغرب مع السعوديين، بحسب وصف الصحيفة.

ولي العهد السعودي أثناء استقباله في زيارته الأولى لبريطانيا. (المصدر: وزارة الخارجية السعودية)

يشير التقرير إلى زيارة ولي العهد السعودي المرتقبة إلى لندن خلال هذا الأسبوع، وهو من أطلق حملة -وصفت بأنها ضد الفساد- لتحصيل مليارات الدولارات في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. اتُّهم أمير واحد -على الأقل- من بين 30 من كبار المسؤولين الذين احتجزوا في فندق ريتز كارلتون على خلفية تلقي رشاوى في تلك الصفقة، وهي الصفقة التي طالما حاولت بريطانيا والسعودية إخفاء تفاصيلها.

بحسب المذكرة، كلف الأمير السعودي بندر بن سلطان مكتب محاماة «فريح سبوركين سوليفان» الذي يرأسه لويس فريح، المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي»، للضغط على لجنة التحقيق، بعد أن أصبح هدفًا رئيسيًّا لها بسبب تحقيق نشرته «الجارديان» عام 2007، تزعُم فيه تلقيه أكثر من مليار جنيه إسترليني سرًّا.

بعث المكتب تلك المذكرة للأمير السعودي في يناير (كانون الثاني) عام 2010. ادعى المكتب فيها أن «أعمالًا دؤوبة شملت لقاءات ومكالمات بين المكتب ومحامين من شركة (بي آي إي) ومسؤولين كبار بالحكومة الأمريكية»، قد أسفرت عن محو المحققين لأي شيء يخص الأمير بندر من المستند الرسمي الذي يعلَن فيه نتيجة التحقيق في الرشوة المزعومة، كما أزيلت أي تفاصيل عن الرشاوى التي تلقاها الأمير من مسودة المستند أيضًا؛ مما جعل المكتب يقول بأنه حقق «نتيجة مذهلة»، وبرّأ اسم الأمير من التحقيقات.

بحسب التقرير، شملت المذكرة ادعاء المكتب بانتزاعه عدة انتصارات من المحققين أدت لتبرئة ذوي «الأسماء الحسنة»: أي السعودية والأمير بندر. كما زعم المكتب أن التسوية قد غيرت دفة التحقيقات، وعكست خطة المحققين الأولية.

سألت «الجارديان» المكتب عن محتويات الوثيقة، فكان ردهم بأن تمثيلهم للأمير بندر بن سلطان في قضية «بي آي إي» هو أمر معلن، لكنهم يحترمون السرية بين المحامي وعميله بجدية كبيرة، ولذا لا يمكنهم التعليق على دورهم فيها. أضاف المكتب في رده: «من المعروف أن الأمير لم يتهم أو يدن من قبل أي سلطة حكومية -بما في ذلك وزارة العدل الأمريكية- بأي انتهاك للقوانين أو الأنظمة أو حتى السلوكيات المتعارف عليها. بل على العكس، كان الأمير خادمًا وفيًا للسعودية طوال عمره، وصديقًا عظيمًا وحليفًا للولايات المتحدة».

شكك المكتب في دقة شهادة «الجارديان» على الوثيقة، وحذر من أن «نشرها قد يتسبب في إقامة دعوى تشهير»، وعند سؤال الصحيفة عما يشكك فيه المكتب تحديدًا لم ترد أية إجابة.

منذ إتمام صفقة اليمامة عام 1985، ظهرت مزاعم عدة حول قيام «بي آي إي» بدفع أموال بطريقة غير قانونية لإتمام أكبر صفقة أسلحة في تاريخ بريطانيا. نفت الحكومة البريطانية وجود أي فساد لسنوات عديدة، وعندما فتح مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة تحقيقًا في الأمر عام 2004، تدخلت حكومة توني بلير لإنهائه سريعًا بدعوى أنه قد يضر بالأمن القومي لبريطانيا. في 2007، بدأت وزارة العدل الأمريكية التحقيق في الصفقة بعدما كشفت «الجارديان» عن إرسال «بي آي إي» دفعات من الأموال للأمير بندر عن طريق بنك «ريجز» الموجود في واشنطن.

صورة تجمع بندر بن سلطان مع بوش الأب في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991.

نفى بندر، الذي كان سفيرًا للسعودية في الولايات المتحدة لأكثر من 20 عامًا، أنه قد تلقى أي أموال غير مشروعة من «بي آي إي»، وقال إن تلك الأموال كانت جزءًا من الأموال السعودية الرسمية، واستخدمت لأغراض وافقت عليها وزارة الدفاع السعودية. تشير الصحيفة إلى أن الأمير لم يكن ضمن من احتجزوا في «ريتز كارلتون» في الحملة الأخيرة.

كلف بندر فريح -مدير «إف بي آي» في عهد كلينتون- والذي أنشأ مكتبًا للمحاماة مع قاضيين سابقين، هما: سبوركين، وسوليقان، بعد أن غادر مكتب التحقيقات الفيدرالية في 2001.

كشفت المذكرة عن اجتماع مهم عقده فريح وسوليفان مع «بي آي إي» في يناير 2010، ونشرت الشركة تفاصيل مفاوضاتها السرية مع وزارة العدل الأمريكية قبل أسابيع من إعلانها رسميًّا. قال سوليفان -وهو من كتب المذكرة- إن المحققين كانوا ينتوون الإشارة إلى بندر «دون الإفصاح عن اسمه، لكن مع التأكيد أنه من تلقى ملياري دولار من الرشى الفاسدة من (بي آي إي)». وأضاف أن بعد التسوية، لن يشار إلى أي من الدفعات غير المشروعة التي تلقاها عبر بنك «ريجز».

كما أضاف سوليفان: «إن هذا لتغيير كبير في دفة المحققين وخطتهم الأولية، ونتيجة مباشرة لعملنا الناجح والدؤوب نيابة عن الأمير والمملكة العربية السعودية خلال السنوات الأربعة الأخيرة. مع احترامنا، لا نظن أن أي محامين في الولايات المتحدة كانوا ليحققوا نتيجة مثل هذه». كما قال إنهما -هو وفريح- كان لهما «أثر كبير» في المفاوضات مع وزارة العدل الأمريكية ومكتب التحقيق في جرائم الاحتيال البريطاني خلال السنوات التي مثّلا فيها الأمير بندر.

كان من ضمن ما أشار إليه سوليفان -بحسب التقرير- أن بندر والسعوديين كانوا أهدافًا رئيسية لتحقيقات وزارة العدل الأمريكية حول رشى قدمتها «بي آي إي» في أكثر من بلد خلال مراحل التحقيق الأولى، وكانا ليشكلا جزءًا مهمًا من أي تسوية تحدث في هذه القضية. كما أشار إلى أن الوزارة وافقت على أن تذكر السعودية بشكل محدود في مزاعم الفساد، وأن التسوية لن تشير لأي رشى في صفقة اليمامة، ولا إلى الصفقة نفسها. وهو ما وصفه بأنه «انقلاب تام في الموقف بالنسبة للسعودية، وتغير بـ180 درجة عما بدأ به المحققون التحقيق».

لن يذكر أي سعودي باسمه، وسيكتب «مسؤول سعودي» بدلًا من ذلك. بحسب ما قاله مكتب المحاماة في المذكرة، لن يدرك أي من المطلعين على القضية أن المسؤول المشار إليه هو الأمير بندر، بل أمير سعودي آخر. «بلا شك، ستتوه هذه التفصيلة في الإعلان الرسمي، ومن خلال الضجة التي ستحدثها الجارديان -مثلًا-  بتحقيقها الأولي عن القصة».

ينتهي التقرير بالإشارة إلى أن تلك التنازلات قد برزت في المستند الرسمي الذي نشرته وزارة العدل الأمريكية في فبراير «شباط» 2010، عندما أعلنت اعتراف «بي آي إي» بتهمة تقديم معلومات خاطئة، والشهادة المضللة. وفي صفقة تمت بالتوازي مع كل من وزارة العدل الأمريكية، ومكتب التحقيق في جرائم الاحتيال الخطيرة، قامت الشركة بدفع غرامة قدرها 300 مليون جنيه إسترليني لإنهاء التحقيقات في أفعالها غير القانونية خلال عقود بينها وبين السعودية والتشيك والمجر وتنزانيا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد