دول الغرب لن تقهر التنظيم الإرهابي الطائفي؛ فهم الذين احتضنوه منذ البداية

الحرب على الإرهاب، تلك الحملة التي غرس ثمرتها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن منذ 14 عامًا، ولا يبدو لتلك الشجرة نهاية في الأفق. والآن ها هي مرة أخرى تتعلق أفرُعها بجنبات الطرق الملتوية، وبصورة أكثر بشاعة. فقد انهارت يوم الإثنين الماضي محاكمة المدعو “بيرلِن جلدو” في لندن، وهو السويدي المتهم بالإرهاب في سوريا، وذلك بعد أن اتضح أن المخابرات البريطانية كانت تُسلّح نفس المجموعات المسلحة التي اتُهم “جلدو” بدعمها.

ويبدو أن النائب العام قد تخلى عن النظر في القضية لكي لا يسبب حرجًا لجهاز المخابرات؛ فقد برهن الدفاع في مرافعته أن المضي قدمًا في المحاكمة قد “يهين العدالة” في ظل وجود الكثير من الأدلة التي تثبت أن الدولة البريطانية نفسها كانت تمد المعارضة السورية المسلحة بـ”دعم ممتد”.

ولم يقتصر ذلك الدعم على “المساعدات غير الفتاكة” التي تفاخرت الحكومة بالحديث عنها (بما في ذلك الدروع الواقية والمركبات العسكرية)، لكن الأمر امتد إلى التدريب، والدعم اللوجستي، وكذلك الإمدادات السرية بالأسلحة “على نطاق واسع”. وأوردت التقارير أن الاستخبارات البريطانية MI6 قد تعاونت مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA في عملية “خط الجرذان” والتي عملت على نقل الأسلحة من مخازن الأسلحة الليبية إلى المعارضة المسلحة في سوريا بعد سقوط نظام القذافي.

وأضحى واضحًا أن السخف من إرسال شخص ما إلى السجن لارتكابه نفس الأعمال التي يقوم بها الوزراء ومسئوليهم الأمنيين يزداد بشدة، ولكن ما هي تلك إلا آخر الخيوط التي أنسلت عن تلك القضايا. وكان “أنيس ساردار”، أحد سائقي سيارات الأجرة في لندن الأقل حظًّا، بعدما حكمت المحكمة عليه بالسجن مدى الحياة قبل أسبوعين لمشاركته عام 2007 في مقاومة احتلال القوات الأمريكية والبريطانية للعراق. وفي معظم التعريفات لا تشكل المعارضة المسلحة للغزو غير القانوني نوعًا من الإرهاب أو جرائم القتل، بما في ذلك اتفاقيات جنيف.

لكن الإرهاب يظهر الآن واضحًا في عين الرائي، وليس هناك مكان أوضح لرؤيته من منطقة الشرق الأوسط، حيث إن إرهابيي اليوم هم مقاتلو الغد ضد الاستبداد – والحلفاء يومئذ أعداء- وفي الأغلب يتقرر ذلك وفقًا للنزوات المربكة التي تخلفها مكالمة جماعية لصانعي القرار السياسي الغربيين.

وفي العام الماضي، عادت الولايات المتحدة وبريطانيا وبعض القوى الغربية الأخرى إلى العراق تحت ذريعة تدمير تنظيم الدولة، المجموعة الإرهابية الأشد طائفية (والتي عرفت من قبل بقاعدة الجهاد في بلاد الرافدين)، وذلك بعد أن اجتاح التنظيم مساحات شاسعة من الأراضي السورية والعراقية ليعلن نفسه خلافة على غرار الخلافة الإسلامية.

ويبدو أن الحملة لا تمضي بنجاح، ففي الشهر الماضي أحكم تنظيم الدولة قبضته على مدينة الرمادي العراقية، وعلى الجانب الآخر من الخط الحدودي الفاصل بين العراق وسوريا والذي لم يعد موجودًا الآن، استولى التنظيم على مدينة تدمر السورية. كما أن جبهة النصرة، الفرع الرسمي لتنظيم القاعدة، يحرز المزيد من الانتصارات في سوريا.

وقد اشتكى بعض العراقيين أن الولايات المتحدة لم تحرك ساكنًا، بينما يحدث كل ذلك. أما الأمريكيون فيصرون أنهم يحاولون تجنب وقوع خسائر مدنية ويزعمون أنهم يحققون نجاحات كبيرة. وفي داخل الدوائر المغلقة لصنع القرار، فإن المسئولين يقولون إنهم لا يريدون أن يبدو مسعاهم دك معاقل التجمعات السنية في حرب طائفية، لكي لا يخاطروا بإغضاب حلفائهم السنة في الخليج.

وانبلج الضوء كاشفًا عما لدينا هنا من خلال تقرير صادر في أغسطس 2012 عن المخابرات الأمريكية ورفعت سريته في الآونة الأخيرة، والذي يتنبأ بغرابة – بل ويرحب بشدة- بإمكانية وجود “إمارة سلفية” في شرق سوريا، ودولة إسلامية تحكمها القاعدة في سوريا والعراق. وفي موقف شديد التباين للمزاعم الغربية في تلك الفترة، وصفت وثيقة للاستخبارات العسكرية الأمريكية، القاعدة في العراق (والتي أصبحت تنظيم الدولة فيما بعد) ورفاقهم السلفيين بـ”القوى الرئيسية التي تقود التمرد في سوريا”، كما ذكر أن “الدول الغربية، ودول الخليج، وتركيا” كانوا يدعمون مساعي المعارضة للسيطرة على شرق سوريا.

ويستمر تقرير البنتاجون في السرد ليزيد “احتمالية تأسيس إمارة سلفية معلنة أو غير معلنة”، فيقول: “وهذا تحديدًا ما تريده القوى التي تدعم المعارضة، وذلك من أجل عزل النظام السوري الذي يعتبر العمق الإستراتيجي للتمدد الشيعي (العراق وإيران)”.

وهذا بالفعل ما حدث تمامًا بعد عامين من ذلك. التقرير ليس بوثيقة سياسة؛ فقد حجب الكثير منها، كما أن هناك الكثير من الغموض في اللغة التي كُتب بها. لكن التورطات تبدو واضحة بما يكفي، فبعد مرور عام على التمرد السوري، لم تكن الولايات المتحدة وحلفاؤها حسبهم دعم وتسليح المعارضة التي علموا أن الجماعات الطائفية المتطرفة تهيمن عليها، بل كانوا مستعدين لتأييد ميلاد شكل من أشكال “الدولة الإسلامية”- رغم ما سيشكله من “خطر جسيم” على وحدة العراق- باعتباره مصدًا سنيًّا لإضعاف سوريا.

ولا يعني هذا أن الولايات المتحدة صنعت تنظيم الدولة، رغم أن بعض حلفائها في الخليج لعبوا بالتأكيد دورًا في ذلك، وفقًا لم أقره نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن في العام الماضي. ولكن لم تكن القاعدة وجدت في العراق قبل الغزو الأمريكي البريطاني لها. وبكل تأكيد استغلت الولايات المتحدة وجود تنظيم الدولة ضد قوى أخرى بالمنطقة في حلقة من سلسلة أكبر لكي تحكم دول الغرب قبضتها على زمام الأمور.

بيد أن المعادلة اختلفت عندما بدأ تنظيم الدولة في قطع رؤوس الغربيين، وفي نشر أعمال التنظيم الوحشية على شبكة الإنترنت، والآن تدعم دول الخليج مجموعات أخرى في الحرب السورية، مثل جبهة النصرة. لكنها عادة الولايات المتحدة والغرب في اللعب مع الجماعات الجهادية التي ترتد ضدهم فيما بعد، وأقرب مثال يمكن العودة إليه هو حرب الثمانينات ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، والتي تبنت خلالها نشأة “القاعدة” الأصلية تحت وصاية وإرشاد وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA.

وفيما بعد تم تعديل تلك الإستراتيجية خلال غزو العراق عندما أشرفت القوات الأمريكية بقيادة الجنرال ديفيد بتريوس على حرب قذرة على نمط الحرب الأهلية في السلفادور أبطالها هم “فرق الموت”، وذلك من أجل إضعاف المقاومة العراقية. واستعيدت نفس الإستراتيجية في عام 2011 خلال الحرب التي دبرها حلف الناتو في ليبيا، حيث استولى فرع تنظيم الدولة هناك على مدينة سرت معقل القذافي في الأسبوع الماضي.

وفي واقع الأمر، تدور رُحى سياسة الولايات المتحدة ودول الغرب، بالحريق الذي يحمى وطيسه في منطقة الشرق الأوسط، في القالب الإمبريالي الكلاسيكي السائر على نهج “فرق تَسُدْ”. فالولايات المتحدة تقذف مجوعة من المتمردين بينما تدعم آخرين، وتتبنى على نحو فعال عمليات عسكرية مشتركة مع إيران ضد تنظيم الدولة في العراق، في حين أنها تدعم الحملة العسكرية للسعوديين ضد قوات الحوثيين الذين تدعمهم إيران في اليمن. ورغم أن السياسة الأمريكية المشوشة قد تبدو ضعيفة، فإن العراق وسوريا المنقسمتين الآن تتناسبان تمامًا مع مثل ذلك النهج.

ما يتضح أن تنظيم الدولة وأفعاله البشعة لن تهزمه نفس القوى التي جلبته للعراق وسوريا في بداية الأمر، أو تلك القوى التي احتضنت سياستها لصناعة الحرب السرية والمفتوحة منذ سنين نفس الجماعات. فالتدخلات العسكرية الغربية التي لا تنتهي في الشرق الأوسط لم تجلب سوى الدمار والفُرقة، وإن أهل المنطقة هم من يمكنهم معالجة هذا المرض، ليس هؤلاء الذين احتضنوا الفيروس.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد