نشرت مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية مقالًا لفليتشر شوين، الجندي السابق بالجيش الأمريكي الذي شارك مرتين مع فرقة العمليات الأمريكية الخاصة في أفغانستان، يشير فيه إلى أنَّه من واقع تجربته في العمليات العسكرية في أفغانستان، يتعيَّن على أمريكا اعتماد استراتيجية بديلة في معركتها ضد الجماعات الجهادية، وعدم رهن رخائها المستقبلي وإنفاق أموال شعبها على محاولات تحويل دول رجعية متخلِّفة، بحدِّ قوله، إلى دول ديمقراطية على النمط الأمريكي.

يصف الكاتب نسيم الهواء البارد لسلسة الجبال الأسطورية «هندو كوش» الذي كان يتدفَّق عبر فتحات سلاح المدفعية المحمول على كتفه، عندما صدر استدعاء استمر 10 دقائق، قائلًا: «بدأت فحص جميع معداتي، التي كنت قد فحصتها 30 مرة قبل ذلك. كان الظلام حالكًا لدرجة أنَّني لم أستطع رؤية وجوه الرجال الجالسين بجواري، لكنني عرفتهم جميعًا. قضى عددٌ كبير منهم ثلاثة أو أربعة أعوام من حياته، وفي بعض الحالات خمسة أعوام، في العراق وأفغانستان. والبعض منهم فقد أصدقاءه أو أفرادًا من أسرته، أو كان شاهدًا على معاناة أشخاص آخرين وتعرُّضهم للأذى».

وأضاف: «كان الرجال، الذين كنا نُلاحقهم، من الجهاديين المُتشدّدين. كان أحدهم ابنًا لأب جهادي وأم بشتونية وولد من رحم الجهاد الأفغاني ضدّ السوفيت. كان على متن طائرتنا مجموعة محاربين أصيبوا بالنيران وعانوا الألم طوال سنوات من القتال المتواصل، وكان هدفنا في تلك الليلة ملاحقة مجموعة من الجهاديين، الذين يُعد تاريخهم الشخصي مرآةً تعكس تاريخنا نحن».

Embed from Getty Images

أشار شوين إلى أنَّه تمكَّن من النجاة في تلك الليلة، في حين لم يستطع أحد أفراد وحدة «القبعات الخضراء» القتالية الأمريكية النجاة، بعد أن كان يقود قوةً أفغانية قبل تلك الليلة بأسابيع تحاول منع الاستيلاء على مدينة لشكر كاه. وعلى هذا النحو، يكون قد انضم إلى حوالي 350 أمريكيًّا وأكثر من 500 آخرين من جنود التحالف قُتِلوا في محاولةٍ للدفاع عن الأرض نفسها طوال الأربعة عشر عامًا الماضية.

يصف شوين شعوره عندما رأى نعش جندي وحدة «القبعات الخضراء» ملفوفًا بالعلم الأمريكي، يُحمَّل على متن طائرة طراز سي-17 فجرًا بالتوقيت الأفغاني، قائلًا: «لقد أصابني الذهول من فكرة أنَّ أطفالي ربما يقاتلون يومًا ما في تلك الوديان نفسها ضد أطفال أعدائي السابقين. وصدمتنى فكرة الموت من أجل قضية مُبهَمة غير مُحدَّدة بوضوح يمكن بسببها إرسال ما يقرب من ألف رجل في عامٍ واحد للموت، في بعض مناطق أفغانستان الوعرة القذرة، ثم التخلّي عنهم في العام التالي وإرسال المزيد للموت لاستعادة تلك المناطق بعد بضع سنوات لاحقة».

يتحدَّث الجندي الأمريكي السابق عن الأفكار والتساؤلات التي دارت في ذهنه على متن تلك الطائرة المُتَّجهة إلى الوطن، أبرزها ماذا كان سيحدث إذا لم تكن أمريكا قد اتَّبعت استراتيجية مكافحة التمرُّد في أفغانستان، وقرَّرت معاملة المعركة مع الجهاديين باعتبارها عداوة جيلية؛ إذ الهدف كان ببساطة هو قتل أكبر عدد ممكن منهم بأقل تكلفة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية.

في الواقع، كانت أمريكا ستصل إلى الوضع القائم اليوم نفسه، لكن بدون أن تنفق تريليونات الدولارات، وتخسر آلاف الأرواح في محاولات تحويل دول رجعية مُتخلِّفة، على حدِّ قوله، إلى دول ديمقراطية، وهذا هو الفارق الوحيد من وجهة نظر الكاتب.

ويشير شوين إلى أنه منذ بدأت قوات العمليات الخاصة ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية حربهما الهادئة ضد الجماعات الجهادية من عددٍ قليل من القواعد الرئيسية، لقي أكثر من 100 جندي أمريكي مصرعهم في هجماتٍ إرهابية جهادية في أمريكا.

وأصبح الأرجح هو أن يتعرَّض مواطن أمريكي للقتل على يد ضابط شرطة بدلًا من إرهابي جهادي. ويُعلِّق على ذلك أن بإمكانه القول باطمئنان إنَّ الأمريكيين استطاعوا في الغالب حل المشكلة التي ظهرت في 11 سبتمبر (أيلول) 2001.

Embed from Getty Images

ومع ذلك، يقول الكاتب إنَّ الناس غالبًا ما يشتكون من أن اعتماد استراتيجية القتل من أجل تحقيق الأمان لا يُعد حلًّا جذريًّا، أو وفقًا لتعبيره المُفضّل «مجرد عملية جز للعشب». ويقصد هؤلاء الأشخاص أنَّ الغارات الجوية تقضي على جيلٍ من الإرهابيين فقط، ليولد جيلٌ آخر من الإرهابيين ينشأ ويترعرع من الجذور.

كذلك -وفقًا للكاتب- يشعر الأشخاص شديدو الحساسية بالقلق من أنَّ مطالبة زمرة صغيرة من المحاربين بتنفيذ هذا القتل الوقائي لعقود؛ قد يمنح امتيازًا خاصًا لإطلاق بعض أسوأ غرائز أبناء الأمريكيين وبناتهم من تعاطي المخدرات، وإدمان الكحول، والزيجات الفاشلة، والانتحار، وارتكاب الجرائم العنيفة والوحشية في القتال.

ومع ذلك، يشير الكاتب إلى أنَّ هذه المخاوف تغفل نقطة أنَّ القتال ضد الجماعات الجهادية لا يشبه حملة ضد الاستبداد، أو حربًا محدودة لمنع الشيوعيين من توسيع نفوذهم، لافتًا إلى أنَّ القتال ضد الجهاديين لا ينتهي نهاية حاسمة تمامًا مثل المعارك السابقة ضد القراصنة والفوضويين والجريمة العنيفة، لكنه سيتوقَّف ببساطة في يومٍ من الأيام، بحسب رأيه، مثل النزاعات الكبرى في الملاحم الأيسلندية، أو عصر الإرهاب الفوضوي، ولن يتذكَّر أحدٌ بالضبط سبب بدايته، أو لماذا راح ضحيته عددٌ كبير من الأشخاص.

ويقول شوين إنَّه «عند بلوغ تلك النقطة، سوف تتحوَّل أمريكا إلى أوساط أصغر على نحو متزايد من قوات النخبة التي تشكَّلَت على مدى جيل كامل يُنفِّذ عمليات القتل. لن يتأثَّر عددٌ كبير من الأمريكيين حقًّا بهذه المعركة القاتمة. وهذا يعني أنَّ أوساط الحزن التي انتشرت من جراء فقدان شاب أو امرأة تبقى محدودة. وهذا يعني أيضًا أنَّ الموارد المُخصَّصة تبقى محدودة حتى تتمكَّن أمريكا من مواصلة معركتها».

ويؤكد أنَّ الحقيقة المظلمة هي أنَّ أمريكا بحاجة إلى مواصلة عمليات القتل المستترة في أماكن بعيدة إلى أجل غير مسمى؛ لانَّها تحافظ على بقاء المجتمع الأمريكي في أمان، وهذا مع محاولة تقليل ما تتركه تلك العمليات من ندبات على المجتمع الأمريكي، وجعل تكلفة القتال ضئيلة قدر الإمكان.

وحسبما أفاد الكاتب، لا تستطيع أمريكا تحمُّل رهن رخائها وازدهارها المستقبلي وإنفاق أموال شبابها على إعادة تشكيل دول على النمط الأمريكي؛ لأنَّ القادة في نهاية المطاف يعودون إلى منازلهم يرسمون الصور، ويمررون معلومات سرية إلى كتَّاب السير الذاتية، أو عشيقاتهم، ويتقاضون أموالًا ضخمة مقابل عملهم متحدثين أو استشاريين، في حين لا يعود عشرات الآلاف من الفتية والفتيات إلى منازلهم، أو تتغير حياتهم إلى الأبد.

ويختتم شوين مقاله مُعرِبًا عن أمله، باعتباره جنديًا سابقًا، في أن الحكومة الأمريكية والجنرالات لا ينسون ذلك من أجل الأجيال القادمة، ويتركون عمليات القتل لجماعةٍ صغيرةٍ من الرجال والنساء القساة.

كيف يدمر الجيش الأمريكي نفسه بأسلحته؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد