تتمتَّع الولايات المتحدة الأمريكية بجيشٍ ضخم، ساهم في جعلها القوة العُظمى الأكبر في العالم لسنوات طويلة. ويعيش الجيش الأمريكي في حالة حربٍ شبه دائمة منذ تأسيسه عام 1775، لكن الآثار المُدمِّرة لذلك الجيش لم تقتصر على القتل والدمار الناتج عن الحروب. إذ كشفت دراسةٌ حديثة من إعداد بنيامين نيمارك وأوليفر بيلشر وباتريك بيجر، أساتذة البيئة والجغرافيا الإنسانية في الجامعات البريطانية، أنَّ الجيش الأمريكي يستهلك وقودًا يُلوِّث البيئة أكثر من مائة دولة مُجتمعة.

وأعدَّ الباحثون الثلاثة تقريرًا، نشره موقع «ذا كونفرسيشن»، يُلخِّص دراستهم الجديدة لحساب حجم مُساهمة تلك البنية التحتية العسكرية الضخمة في تغيُّر المناخ.

وأفاد الباحثون بأنَّ بصمة الجيش الأمريكي الكربونية تُعتبر هائلة، إذ يُشبه الجيش سلاسل التوريد في الشركات. وذلك لأنَّه يعتمد على شبكةٍ عالمية ومُمتدَّة تضُمُّ حاويات السفن، والشاحنات، وطائرات الشحن، من أجل تزويد عملياته بكافة المواد اللازمة: بدءًا من القنابل، ووصولًا إلى المساعدات الإنسانية، وحتى الوقود الهيدروكربوني.

Embed from Getty Images

وأشار الباحثون إلى أنَّ طريقة حساب انبعاثات الغازات الدفيئة تُركِّز عادةً على كمية الطاقة والوقود المستهلك من قِبَل المدنيين. لكن الأبحاث الأخيرة، بالإضافة إلى دراستهم الجديدة، كشفت أنَّ الجيش الأمريكي هو واحدٌ من أكبر المُلوِّثين في التاريخ، إذ يستهلك وقودًا سائلًا ويتسبَّب في انبعاث الغازات المُحفِّزة على تغيُّر المناخ بكميات أكبر من غالبية الدول متوسطة الحجم. وفي حال كان الجيش الأمريكي دولة؛ فإنَّ استخدامها للوقود فقط كان سيضعها في المرتبة 47 عالميًا لانبعاث غازات الدفيئة، في المنتصف بين بيرو والبرتغال.

وأورد التقرير أنَّ الجيش الأمريكي اشترى في عام 2017 حوالي 269 ألف و230 برميل من النفط بصورةٍ يومية؛ مما أدَّى إلى انبعاث أكثر من 25 ألف كيلوطن من ثاني أكسيد الكربون نتيجة احتراق هذا الوقود.

واشترت القوات الجوية الأمريكية وقودًا بقيمة 4.9 مليار دولار، في حين اشترت القوات البحرية وقودًا بقيمة 2.8 مليار دولار، وحلَّ الجيش ثالثًا بعد أن اشترى وقودًا بقيمة 947 مليون دولار، وبفارقٍ كبير عن فرع مُشاة البحرية الذي حلَّ في المرتبة الرابعة بـ36 مليون دولار فقط.

ولا يرى الباحثون أنَّ التغاضي عن الانبعاثات الغازية من الجيش الأمريكي في مجال دراسات تغيُّر المناخ كان من قبيل الصدفة، لأنَّه من الصعب الحصول على تلك البيانات باستمرار من البنتاجون وباقي الوزارات الحكومية الأمريكية.

وفي الواقع، أصرّت الولايات المتحدة على أن تُعفى من تقديم التقارير عن الانبعاثات الغازية إبان التوقيع على «بروتوكول كيوتو» عام 1997. ونجح اتفاق باريس للمناخ في سدِّ تلك الفجوة، لكنها ستُعاود الظهور مرةً أخرى في ظل استعداد إدارة ترامب للانسحاب من الاتفاق بحلول عام 2020.

وأكَّد الباحثون أنَّ دراستهم مبنيةٌ على البيانات التي جمعوها عن طريق الطلبات المتعدِّدة التي قُدِّمت إلى «وكالة اللوجستيات الدفاعية» الأمريكية، بمُوجب قانون حرية المعلومات. وتلك الوكالة البيوقراطية الضخمة هي المسؤولة عن إدارة سلاسل التوريد الخاصة بالجيش الأمريكي، ويشمل ذلك صفقات الوقود الهيدروكربوني وتوزيعه.

ويُدرك الجيش الأمريكي منذ وقتٍ بعيد أنَّه ليس مُحصَّنًا ضد العواقب المحتملة لتغيُّر المناخ – إذ يُقِرُّ بأنه يُمثِّل «تهديدًا مُضاعفًا» يُمكن أن يُزيد من حدة المخاطر الأخرى. وأشار الباحثون إلى أنَّ العديد من القواعد العسكرية -وليس جميعها – تتجهَّز لنتائج تغيُّر المناخ، مثل ارتفاع مستوى سطح البحر. أي أنَّ الجيش لا يتجاهل إسهامه في هذه المشكلة. وعاود الباحثون التأكِّيد على أنَّ الجيش استثمر في تطوير مصادر بديلة للطاقة، مثل الوقود الحيوي، لكن تلك المصادر تُشكِّل نسبةً ضئيلة فقط من الإنفاق على الوقود التقليدي.

ويرى الباحثون أنَّ سياسة الجيش الأمريكي بشأن المناخ ما تزال متناقضة. إذ أنَّ هناك محاولات لاستخدام الطاقة النظيفة في بعض عملياته، من خلال مُضاعفة توليد الطاقة المتجددة داخل المواقع العسكرية، لكنه ما يزال أكبر مُستهلكٍ مؤسَّسي للوقود الهيدروكربوني عالميًا. علاوةً على أنَّ عمليات الجيش الأمريكي المفتوحة ستظل مُعتمدةً على أنظمة الأسلحة التي تستخدم الوقود الهيدروكربوني، مثل الطائرات والسفن الحالية، طوال السنوات المُقبلة.

Embed from Getty Images

ليست نظيفة.. ولكن أقلَّ عسكرية

أفاد الباحثون بأنَّ تغيُّر المناخ أصبح موضوعًأ رئيسيًا في الحملات الانتخابية التي يتجهَّز مُرشَّحوها لخوض الانتخابات الرئاسية عام 2020. إذ يدعو أبرز المرشحين الديمقراطيين، مثل السيناتور إليزابيث وارن، وأعضاء الكونجرس، مثل ألكسندريا أوكاسيو كورتيز، إلى مبادرات مناخية رئيسية مثل «الصفقة الخضراء الجديدة». ولِضمان فاعلية هذا الأمر، يجب أن تُناقش قضية البصمة الكربونية للجيش الأمريكي ضمن موضوعات السياسة المحلية والمعاهدات المناخية الدولية.

وتُبيِّن هذه الدراسة أنَّ اتِّخاذ القرار بشأن تغيُّر المُناخ يتطلب إغلاق قطاعات واسعة من الآلة العسكرية، بحسب الباحثين. إذ لا توجد العديد من الأنشطة التي تُمثِّل كارثةً بيئية على الكرة الأرضية، بقدر شَنِّ الحرب. لذا فإنَّ تقليص ميزانية البنتاجون، وتقليل قدرته على شن الحروب، من الممكن أن يُؤدِّي إلى انخفاضٍ كبير في الطلب من أكبر مستهلكٍ للوقود السائل عالميًا.

ويعتقد الباحثون أنَّه من غير المجدي أن نتطرَّق إلى هوامش الأثر البيئي لآلة الحرب، دون الخوض في تفاصيلها. إذ أنَّ المال الذي يُنفَقُ على شراء الوقود وتوزيعه في جميع أنحاء الإمبراطورية الأمريكية، يُمكن أن يُنفَق بالمقابل لجني ثمار السلام، مثل المساعدة في تمويل «الصفقة الخضراء الجديدة» بالشكل الذي ستأخذه.

وهُناك الكثير من الأولويات السياسية التي ستستفيد في حال ضخ المزيد من الأموال إليها. وأكَّدوا في ختام تقريرهم أنَّ اللجوء إلى واحدٍ من هذه الخيارات، سيكون أفضل من تمويل واحدةٍ من أكبر القوات العسكرية في التاريخ.

مترجم: هكذا يؤثر تلوث الهواء في سعادتك

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد