على خلفية التوتر الأخير بين تركيا والولايات المتحدة، ووجود أسلحة نووية أمريكية في قاعدة إنجرليك التركية الجوية، نشر جو بابالاردو مقالة في مجلة «بوبيولار ميكانيكس» عن إمكانية سرقة الأسلحة النووية التي نشرتها الولايات المتحدة خارج أراضيها في أثناء الحرب الباردة، ومخاطر ذلك، ورد فعل دول مثل تركيا عند سحب هذه الأسلحة من أراضيها.

يقول الكاتب: أصبحت عيون العالم مثبتة على نحو 50 قنبلة نووية من طراز بي61 مخزنة في قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا. وفيما أدت العمليات العسكرية التركية في سوريا إلى إثارة التوتر مع الولايات المتحدة، أصبح أمن القنابل مصدر قلق محتمل وصداع جيوسياسي مؤكد. وعبّر مسؤول أمريكي كبير، لم تحدد هويته، عن قلقه لصحيفة نيويورك تايمز من أن القنابل «أصبحت رهينة» لدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

يرى بابالاردو أن هناك ما يبرر توخي الحذر الشديد عندما يتعلق الأمر بالأسلحة النووية، لكن ما الخطر الفعلي الذي تمثله القنابل النووية المارقة؟ وما مدى جودة الحراسة التي تتمتع بها؟ وما الذي يمكن أن يفعله أي شخص إذا وضع يده على هذه القنابل؟

وصف القنابل

ينصح بابالاردو بأن أول شيء يجب مراعاته عند التفكير في أي سرقة هو: النهب. في صلب الموضوع هنا توجد قنابل بي 61 النووية، التي صممت في عام 1963، وهي تحتوي على ما يُعرف باسم «الناتج المتغير». ما عليك سوى أن تحرك القرص على النسخ المختلفة لتولد انفجارًا يتراوح بين 0.3 كيلو طن إلى 340 كيلو طن. ولتتخيل القدرة التدميرية، يلفت الكاتب إلى أن القنبلة التي أسقطتها أمريكا على هيروشيما كانت 15 كيلو طن.

ويبلغ طول كل قنبلة 11 قدمًا، ويبلغ سمكها 13 بوصة، وتزن حوالي 700 رطل. وهناك 25 قبوًا آمنًا تحت الأرض تسمى أنظمة تخزين الأسلحة المأمونة حُفرت في الأرض داخل ملاجئ واقية للطائرات. يمكن لكل قبو منها حيازة ما يصل إلى أربعة من هذه الأسلحة النووية، ولكن لا يوجد سوى 50 قنبلة في إنجرليك، وفقًا لتقرير نشرته مؤخرًا صحيفة نيويورك تايمز، وأكدته تغريدات الرئيس دونالد ترامب.

Embed from Getty Images

ميراث الحرب الباردة

وضع الأسلحة النووية التكتيكية في ملاجئ الطائرات هو جزء من إرث الحرب الباردة، عندما كانت الطائرات في حالة تأهب لإسقاط الأسلحة النووية التكتيكية على أي جحافل سوفيتية تتقدم على طول الجهة الجنوبية. لكن اليوم، لا توجد طائرات حربية في إنجرليك قادرة حتى على حمل الأسلحة النووية. ومع تلاشي تأثير الحرب الباردة، كان هناك دافع لإزالة الأسلحة النووية التكتيكية من أوروبا، بما في ذلك القنابل الموجودة في تركيا.

وينقل الكاتب عن شارون سكواسوني، وهي أستاذة بجامعة جورج واشنطن، ومسؤولة سابقة بوزارة الخارجية، قولها: «فاتتنا هذه اللحظة منذ حوالي 10 سنوات. إذا قررت دولة مثل ألمانيا (نعم، دعنا نخرجهم جميعًا) فربما تكون قد أزلت جميع الأسلحة النووية التكتيكية الأمريكية، لكن ذلك لم يحدث». 

ويتابع بابالاردو: أبقت الجغرافيا السياسية، وليس الاستراتيجية، قنابل بي61 في مكانها في تركيا. لكن الآن يتغير الوضع على الأرض، إذ تحدت تركيا الولايات المتحدة، وتوغلت في سوريا، وهاجمت حلفاء واشنطن، وحتى حاصرت مواقع المستشارين الأمريكيين بنيران المدفعية. وتقع إنجرليك على بعد 70 ميلًا فقط من الحدود السورية، مما يثير تساؤلات حول أمن القنابل.

لكن هل يمكنك حتى تفجير سلاح نووي مسروق؟ ليس الأمر سهلًا، لكن هذا ليس هو الخطر الوحيد الذي يمثله سلاح نووي مارق. 

بطبيعة الحال، هناك العديد من الطرق المستخدمة للحيلولة دون تفجير القنابل النووية عن طريق الصدفة أو بدون إذن. لكن التفاصيل الفنية حول القنابل نفسها نادرًا ما تناقش؛ لذا فإن ما نعرفه يستند إلى مصادر عامة، بعضها يعود إلى عقود من الزمن، عندما صنعت هذه الأسلحة لأول مرة.

الرابط القوي والرابط الضعيف

يوضح الكاتب أن عامل التصميم الأساسي الذي يجب وضعه في الاعتبار، هو ما يعرف بـالرابط القوي/ الرابط الضعيف، الذي دمج في الأسلحة النووية الجديدة منذ عام 1975.

Embed from Getty Images

وكتب ستيفن بيلوفين، أستاذ الأمن السيبراني بجامعة كولومبيا، الذي جمع قدرًا كبيرًا من المواد مفتوحة المصدر حول المواد النووية: «العناصر الحاسمة في نظام التفجير (ضعيفة) بشكل متعمد؛ لأنها ستفشل بشكل لا رجعة فيه إذا تعرضت لأنواع معينة من البيئات غير الطبيعية. مثال شائع الاستخدام هو المكثف الذي ستذوب مكوناته في درجات حرارة منخفضة إلى حد معقول».

ومن أمثلة «الرابط القوي» الذي يحمي القنبلة نظام التفجير الذي يفصل كهربائيًّا عن بقية القنبلة حتى لا يتآكل بفعل دفعات الطاقة (مثل القنابل المتفجرة الأخرى أو التشويش). ويكتب بيلوفين «يوفر الرابط القوي العزل الكهربائي لنظام التفجير. إنه لا يستجيب إلا لمدخلات خاصة للغاية».

وتتمثل النتيجة بالنسبة للصوص النوويين المحتملين في أنه من الصعب تفجير قنبلة نووية تحت أي ظرف ما عدا تلك المدمجة في تصميمها. 

صعوبة تفجير القنابل

عقبة مماثلة أمام نشر قنبلة نووية أمريكية مسروقة هي جهاز الاستشعار البيئي المدمج في السلاح. تكتشف هذه المستشعرات ما الذي يمر به السلاح النووي: التسارع، والجاذبية، والضغط الجوي، وما إلى ذلك. إذا لم تمر القنبلة بما يفترض أن تمر به أثناء الطيران والإسقاط، فإن الرأس الحربي لن يعمل.

هذه كلها أشياء جيدة تمنع اللصوص من استخدام الأسلحة النووية. لكن علينا أن نضع في الاعتبار أن هذه الأنظمة توضع في الغالب في أماكنها لأسباب تتعلق بالسلامة. بمعنى آخر، لمنع أي قنبلة نووية من الانفجار عن طريق الصدفة، أو للتأكد من أنها ستنفجر عندما يكون الهدف هو تفجيرها. هناك طبقات أخرى من الحماية مصممة للأمان، أي الحماية من السرقة والاستخدام غير المصرح به. يقودنا هذا إلى عالم روابط العمل المسموح بها أو PALs المشبوه. 

عوامل الأمان

روابط العمل المسموح بها هي: الأقفال المضمنة في أغلفة الأسلحة التي يجب فتحها قبل أن يصبح السلاح مسلحًا. وكانت يومًا ما أقفالًا ميكانيكية دوارة ولكن استبدل بها نظم كهربائية ميكانيكية يصعب كسرها.  

ينقل المقال عن تشاك هانسن، الذي ألف كتابًا عن الأسلحة النووية، قوله إن روابط العمل المسموح بها هي أجهزة أكثر تقدمًا مدمجة في أغلفة الأسلحة ولا يمكن إزالتها دون تفكيك الرأس الحربي بأكمله بمعنى تدمير المكونات الداخلية المهمة إذا تفكك الغلاف.

يقول هانسن إن القنابل النووية في تركيا لديها قفل من الفئة «إف»، يتضمن «مفتاحًا برمز متعدد، ومكونًا من 12 رقمًا، مع قفل يؤدي إلى تعطيل الرأس الحربي بعد محاولات متكررة لإدخال الرموز».

موقع الأسلحة النووية في قاعدة إنجرليك

ويلفت بابالاردو إلى أن التهديدات الأخرى، مثل السرقة من الداخل، أو الغارات الإرهابية، أكثر خطرًا وترجيحًا من مصادرة حليف في الناتو لهذه الأسلحة. وتضيف سكواسوني: «ربما لا تكون الحكومة التركية هي التي تحصل عليها، ولكن بعض الجهات الفاعلة من غير الدول. قد يسرقونها ويفككونها ولا يفهمون ما يفعلونه، لكن سيكون بحوزتهم مواد انشطارية». 

لكن بعض الناس لا يثقون في أن روابط العمل المسموح بها كافية لجعل سلاح نووي مارق عديم الفائدة بالكامل لدولة قومية لها أجندة نووية. وحول هذه النقطة يقول فيبين نارانج، وهو أستاذ مشارك في العلوم السياسية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ومؤلف كتاب «الاستراتيجية النووية في العصر الحديث»: إن أكثر الروابط تطورًا، لن يفيد سوى في التأخير. بيد أنه يرى أن ذلك لا يمنع دولة من الاستفادة من السلاح عن طريق الهندسة العكسية.  

الكثير من الأمن المصمم في صنع قنبلة نووية يجعلها غير صالحة للعمل عندما يجري العبث بها. لكن بابالاردو يلفت إلى ما يمكن أن تفعله دولة قومية مهتمة بالهندسة العكسية، وليست مهتمة بتفجير السلاح، بل أكثر استعدادًا لتخريبه أثناء تفكيكه، لاستنباط أي فوائد أو أسرار.

تركيا أكبر مستفيد من سرقة سلاح نووي

يخلص المقال إلى أن تركيا هي أكبر مستفيد من سلاح نووي مسروق، حتى لو جرى تعطيله. ويكتب بيلوفين من جامعة كولومبيا «إن قوة أو جماعة غير نووية ستستفيد كثيرًا من أي شيء يحسن من احتمالات استخدامها لقنابل شخص آخر».

ويستدرك بابالاردو: لا أحد يريد أن يقول إن تركيا يمكنها السيطرة على القنابل النووية الأمريكية المخزنة في أرضيها، وأن الحكومة التركية التزمت الهدوء بشأن هذا الموضوع. لكن سيناريو هذا الكابوس يدور في أذهان الناس.

وحول النقطة ذاتها يقول نارانج: «لا أقول إن الجيش التركي، وبالتأكيد ليست القوات الجوية أو أي شخص هناك، سيحاول تعزيز الأسلحة أو تهديدها». لكن التدابير الأمنية في إنجرليك ليست مصممة لمنع الأتراك من السيطرة على منطقة الناتو».

ويلفت الكاتب إلى أن جزءًا كبيرًا مما يجعل القاعدة النووية آمنة هو أنها تقع داخل قاعدة جوية تركية. حيث يصبح ذلك مسؤولية إذا كان الأتراك أنفسهم متواطئين أو مشاركين بشكل مباشر في تحرك عدواني بشأن القنابل.

ففي عام 2016، أصدرت وزارة الدفاع «دليل أمن الأسلحة النووية» المنقح، والذي يعكس تحديثات الناتو في عام 2016 للأماكن التي تحتفظ بالأسلحة النووية.

تجديدات في قاعدة إنجرليك

خضعت قاعدة إنجرليك نفسها لعملية تغيير أمنية. وفحص باحثون من اتحاد العلماء الأمريكيين الكثير من الأعمال الموضحة في دليل وزارة الدفاع الأمريكية باستخدام صور الأقمار الصناعية المتوفرة تجاريًّا. يتضمن ذلك أسوارًا جديدة ومناطق خالية يبلغ طولها 30 قدمًا، وفقًا لوثيقة وزارة الدفاع، «مصممة لتسهيل اكتشاف الدخيل ومراقبته، وحرمان المتطفل من الحماية والإخفاء، وزيادة فعالية أسلحة قوة الأمن وتقليص احتمال حدوث هجوم مفاجئ».

Embed from Getty Images

مناطق التخزين النووي محمية أيضًا بواسطة أنظمة الكشف عن الحدود، وأجهزة الاستشعار التي تنتشر في المنطقة وتنبيه الحراس عندما تُخترق. يستلزم حلف الناتو أيضًا أنظمة كشف التسلل التي تكتشف الوصول غير المصرح به داخل المنطقة المحمية.  

وتسمى الفئة الأخيرة من الدفاعات النظم الفرعية لتحريم دخول المنشآت، وهذه تختلف من قاعدة إلى قاعدة. وتقول وثيقة الناتو: «قد تكون نظم التحريم الفرعية إما قاتلة، وإما غير قاتلة». «واستنادًا إلى تقنيات مثل الليزر، أو الميكروويف، أو الأسلحة التي يجري تشغيلها عن بُعد، أو العديد من ذخائر إطلاق القذائف أو غيرها من التكنولوجيات التي ستوقف المتطفلين أو تعوقهم قبل أن يتمكنوا من الدخول غير المصرح به».

طبقة الحماية الأخيرة

الطبقة الأخيرة من الحماية هي وحدات تخزين الأسلحة والأمن، حيث توضع القنابل النووية. التفاصيل ضئيلة والآراء متباينة، لكنها قد تكون صعبة في درجة صعوبة الأشخاص الذين يحاولون الدخول إليها.

يقول نارانج من معهد ماساتشوستس: «ليس الأمر هو أن الوصول إلى القبو صعب على الجيش. ولكنه صعب على أي منظمة إرهابية، وصعب على مفرزة مارقة أو أي شخص مثل فريق صغير يمكنه فعله، ولكن يمكن لجهة فاعلة تابعة لدولة مصرة أن تفعل ذلك».

البعض الآخر أكثر ثقة في أنظمة الأمن المعمول بها. تقول سكواسوني: «بعض الضجة حول الأسلحة النووية الأمريكية لا يوجد ما يبررها الى حد ما؛ لأن لديّ درجة عالية من الثقة من الناحية الفنية بأن أسلحتنا آمنة وأنه يمكن تعطيلها. غير أنه من المدهش بالنسبة لي أننا لم نتخذ قرارًا منذ 10 أو 15 عامًا لإزالتها جميعًا. من الناحية السياسية، هذه الأسلحة هي مسؤولية، وعسكريًّا هي عديمة الفائدة».

هل من الأفضل نقل الأسلحة النووية من تركيا؟

مع كل ما يدور حول هذه القنابل النووية، فإن الدافع المباشر للكثيرين هو إخراجها. تقول سكواسوني: «أعتقد أن الكثير من الناس يفكرون الآن في أن المخاطر أكبر من المكافآت للحفاظ على تلك الأسلحة هناك».

Embed from Getty Images

ووفقًا لما يراه نارانج، فهذا لا يبدو وكأنه وصفة لإزالة هادئة. وحتى لو نجح الأمريكيون في تهريب الأسلحة النووية من تركيا، فإن هذه الخطوة يمكن أن تكون صفعة دبلوماسية على وجه تركيا، وقد تساعد في خروجها من الناتو.

يقول نارانج: «هناك مخاطر عندما تنقل الأشياء». «ربما هم في الواقع أكثر أمانًا في الخزائن في الوقت الحالي». ويرى أن أمريكا كان يجب أن تتخلص منها منذ فترة طويلة، لكن تحريكها الآن ربما يكون أكثر خطورة من مجرد الاحتفاظ بها في قبو.

يجادل آخرون بأن الوقت مناسب لنقلهم جوًّا من المنطقة، بغض النظر عن مدى صعوبة المحادثات مع تركيا. تقول سكواسوني: «سواء كانت الأسلحة موجودة أم لا، فلن تجعل علاقتنا أفضل». وتتساءل «هل يمكن أن تجعل الأمر أسوأ؟ أود أن أزعم أن الإجراءات التركية تتحمل مسؤولية أكبر فيما يتعلق بتدهور العلاقات الأمريكية التركية، لكن من الواضح أنك قبل نقل هذه الأسلحة، يجب أن تسأل عما إذا كان بإمكانك فعل ذلك بهدوء».

حتى إذا لم يتحدث الأتراك عنها، فإن الأسلحة النووية في إنجرليك مطروحة على الطاولة كورقة مساومة في لعبة جيوسياسية خطيرة بين القوى الإقليمية والعالمية. المفارقة هي أن هذه الأسلحة، الموجودة في الخارج لطمأنة حليف ضد تهديد لم يعد موجودًا، هي الآن مصدر لزعزعة الاستقرار والاحتكاك المشار إليه.

«فورين بوليسي»: وثيقة جديدة.. امتلاك أسلحة نووية كان حلم تركيا منذ الستينيات

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد