نشر مركز «ستراتفور» الأمريكي للدراسات الإستراتيجية والأمنية تقريرًا حول سياسات الولايات المتحدة بشأن مصر ودول أخرى في الشرق الأوسط، موضحًا أن هذه العلاقات على ما يبدو لم تشهد كثيرًا من التغيير تحت حكم بايدن.

استهل المركز الأمريكي تقريره بالقول: كشفت المساعدات الأمريكية التي صرفتها الولايات المتحدة لمصر في سبتمبر (أيلول) عن تحوُّل طفيف في التكتيكات التي أوكلت إلى مصر بشأن تغيير سلوكها في مجال حقوق الإنسان، وأن واشنطن في نهاية المطاف أعطت الأولوية للحفاظ على العلاقات الثنائية القوية مع القاهرة.

شروط غامضة

يشير التقرير إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية قد أوضحت للكونجرس في 14 سبتمبر أنها ستحجب 130 مليون دولار من شريحة مساعدات التمويل العسكري الأجنبي المستحقة لمصر والبالغة 300 مليون دولار في سبتمبر حتى تعالج مصر «على وجه التأكيد أوضاعًا محددة تتعلق بملف حقوق الإنسان». وقال مسؤولون أمريكيون لصحيفة واشنطن بوست في وقت سابق من هذا الأسبوع إن الإدارة الأمريكية تنتظر على وجه التحديد أن تُسقِط القاهرة تهمًا موجهة إلى 16 شخصًا يعملون في منظمات المجتمع المدني والذين هم جزء من «القضية رقم 173». 

دولي

منذ شهرين
«واشنطن بوست»: ما الشروط التي وضعتها إدارة بايدن للإفراج عن المعونة المصرية المُجمّدة؟

وأضاف التقرير أن شريحة سبتمبر من مساعدات التمويل العسكري الأجنبي للسنة المالية 2020 تبلغ 300 مليون دولار. وتُعد مخصصات مصر من التمويل العسكري الخارجي، والتي تزيد عن مليار دولار سنويًّا، من أكبر المخصصات في العالم والتي يُستخدم كثير من أموالها في شراء أسلحة ومعدات أمريكية.

وأوضح أن 170 مليون دولار ستُقدَّم من دفعة مساعدات سبتمبر لمصر دون شروط لاستخدامها في «مكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، ومنع انتشار الأسلحة النووية. وأشار التقرير إلى أن حكومة السيسي قد اعتقلت عشرات الآلاف من السجناء السياسيين (ما يقدر بنحو 60 ألفًا)، وهو رقم يتجاوز بكثير سجل الرئيس السابق حسني مبارك في مدة حكمه الطويلة. 

علاقات ثنائية لا غنى عنها

ويُظهر استمرار تدفق معظم المساعدات إلى مصر دون شروط أن إدارة بايدن تتعامل مع العلاقات الثنائية مع مصر بالطريقة نفسها التي اتبعها أسلافها نظرًا للقيمة الكبيرة التي توليها واشنطن للحفاظ على علاقات ثنائية مع مصر. ولطالما كانت مصر شريكًا دبلوماسيًّا رئيسًا للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط منذ عقود، وستنمو قيمة الحفاظ على تلك العلاقة البراجماتية في ظل تقليص الولايات المتحدة لبعض وجودها العسكري الإقليمي. ومن خلال تقديم معظم المساعدات لمصر دون شروط، ورَهْن الباقي منها باستيفاء مصر لشروط غامضة تتعلق بحقوق الإنسان، وهي شروط يُقال إن الحكومة المصرية أُبلِغت بها مباشرةً، وإزالة بعض أشكال الرقابة العامة على التحقق من تنفيذ مصر لهذه الشروط، وبذلك تعلن واشنطن أنها لا تريد تعطيل شراكتها مع مصر. 

ويلفت التقرير إلى أن مجموعات المعونة والمجتمع المدني والأعضاء الليبراليين في الكونجرس وعددًا من النشطاء غير راضيين عن هذه التسوية، لأن الحكومة المصرية لا يزال بإمكانها الوصول إلى المساعدات كالمعتاد إذا ما استوفت شروط وزارة الخارجية المبهمة. وبرزت أهمية هذه التسوية لأن الرئيس بايدن قال في حملته الانتخابية إنه لن يمنح «شيكًا على بياض» للرئيس عبد الفتاح السيسي، مُومِئًا إلى أن اتخاذ موقف أكثر صرامة بشأن ملف حقوق الإنسان قد يكون وشيكًا أثناء حكم إدارته.

تحول طفيف في العلاقات

وبغض النظر عن استمرارية السياسات الرئيسة المتَّبعة تجاه مصر، ألمحت إدارة بايدن إلى وجود تحول طفيف في كيفية توزيع المساعدات، وذلك من خلال عدم التجاوز عن القيود المفروضة على حقوق الإنسان في مصر كما كان يحدث دائمًا في ظل إدارات أمريكية سابقة. وقد يفسح هذا الأمر المجال لمزيد من الاشتباك المباشر مع مصر في هذا الصدد، ويمكن أن ينطبق هذا أيضًا على شركاء الولايات المتحدة الإستراتيجيين الرئيسين الآخرين.

وبدلًا من التجاوز عن انتهاكات حقوق الإنسان، ألقَت وزارة الخارجية الأمريكية بالكرة في ملعب مصر للتواصل مع واشنطن مباشرةً وعلنيًّا لإعلامها أنها، أي مصر، استوفت الشروط المطلوبة المحددة للإفراج عن المساعدات الإضافية. ويضع هذا الأمر قدرًا كبيرًا من الثقة في القاهرة، وهو تحديدًا سبب خيبة الأمل التي أصابت المشرِّعين التقدميين في الولايات المتحدة تجاه هذا التحوُّل. 

Embed from Getty Images

ويختم التقرير مع هذه النقاط المهمة في سياسات الولايات المتحدة مع دول الشرق الأوسط: 

  • استخدم الكونجرس قانون ليهي منذ عام 2014 للمطالبة بوقف جزء من المساعدات لمصر في حال حدوث انتهاكات جسيمة في حقوق الإنسان. ويسمح التشريع لوزارة الخارجية بالتنازل عن هذا الشرط لصالح الأمن القومي للولايات المتحدة، وهو ما حدث مرارًا وتكرارًا منذ إقرار القانون. 
  • السعودية والإمارات شريكان إقليميان رئيسان آخران للولايات المتحدة ولهما سجلات متفاوتة في مجال حقوق الإنسان ولا تتلقيان كميات كبيرة من المساعدات العسكرية، ولكنهما يشتريان كمية كبيرة من المعدات العسكرية الأمريكية، والتي يمكن ربطها أيضًا بشروط متعلقة بحقوق الإنسان. وعلى غرار الوضع مع مصر، لم تُظهر إدارة بايدن حتى الآن أي علامة على تغيير العلاقات الإستراتيجية مع أي من البلدين، على الرغم من التوقعات خلال حملة بايدن بأن الاهتمام المتعلق بحقوق الإنسان سيحظى بأولوية أكبر في العلاقات الثنائية.
  • يمكن لدول أخرى في المنطقة التي تتلقى مساعدات كبيرة تخص التمويل العسكري الأجنبي، والتي تعاني من مشكلات في ملف حقوق الإنسان، مثل الأردن والعراق، أن تشهد أيضًا مزيدًا من الاشتباك المباشر بشأن حقوق الإنسان، وأن الإدارة الأمريكية لن تتنازل عن الشروط المتعلقة بحقوق الإنسان لتحقيق مصالح الأمن القومي إذا أدَّت انتهاكات حقوق الإنسان في هذه الدول إلى تعقيد المدفوعات المستقبلية من المساعدات.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد