بعدما نشرت المخابرات الأمريكية تقرير مقتل الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، الذي رفعت عنه إدارة بايدن السرية مؤخرًا، ترصد محللة الشؤون الجيوسياسية سابينا صديقي، في مقالٍ منشور على موقع «المونيتور»، بعض الدلائل التي تشير إلى أن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة مؤخرًا على مسؤولين سعوديين، إلى جانب احتمالات عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي الإيراني المُبرَم في عام 2015، قد تدفع المملكة العربية السعودية إلى تعزيز علاقاتها بالصين.

 زعزعة الشراكة الإستراتيجية

ذكر التقرير الصادر عن مكتب مدير المخابرات الوطنية في أواخر فبراير (شباط) أن المخابرات الأمريكية «خلصت إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وافق على تنفيذ عملية في العاصمة التركية إسطنبول للقبض على خاشقجي أو قتله».

عربي

منذ شهرين
«ستراتفور»: جهود السعودية قد لا تكون كافية لاستقبال موسم الحج 2021 

صحيحٌ أن هذا الاستنتاج لم يتمخض عن فرض عقوبات على ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بيد أن الولايات المتحدة أدرجت قوة التدخل السريع التابعة للحرس الملكي السعودي ورئيس المخابرات السعودية السابق على قائمة العقوبات. بالإضافة إلى ذلك منعت حوالي 76 سعوديًّا يشتبه في أنهم كانوا وسطاء في الجريمة من الحصول على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة.

تلفت سابينا صديقي، محررة الشؤون الخارجية في الموقع الأمريكي، إلى أن فرض عقوبات على الأمير محمد بن سلمان كان من الممكن أن يؤدي إلى زعزعة الشراكة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة والسعودية وتعريضها للخطر، وأن يكون له تداعيات على أهداف السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، مستشهدةً بقول وزير الخارجية أنتوني بلينكن: «العلاقة مع المملكة العربية السعودية أكبر من أي فرد».

الاتفاق الأمريكي الإيراني.. الصين بديلًا

ومع ذلك، يرجح المقال أن تتأثر العلاقات الأمريكية-السعودية في الأيام المقبلة. فعلى الرغم من أن الأمور قد تبدو طبيعية، فلا يخفى أن الرياض أصبحت ثاني حليف للولايات المتحدة بعد تركيا تفرض عليه واشنطن عقوبات. وعلى الرغم من كون هذه العقوبات رمزية في جوهرها، قد تختلف رؤية المملكة حيال هذه القيود الجديدة حال رفع العقوبات عن إيران.

Embed from Getty Images

ولأن واشنطن وطهران يبذلان جهودًا مركزة هذه الأيام لإحياء الاتفاق النووي المبرم في عام 2015، والمعروف رسميًّا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، يتوقع أن يتوصل الجانبان إلى توافق في أي وقت. وإذا حدث ذلك، فقد تشعر الرياض بأنها مضطرة لاتخاذ بعض الخطوات الرمزية، وفي هذه المرحلة، قد تجد أن الصين وجهة جذابة لتتجه نحوها.

ومثلما اعتمدت الرياض على دول الجوار في مجلس التعاون الخليجي للحصول على الدعم عندما صدر تقرير المخابرات المركزية أول مرة، يمكنها أن تيمم وجهها شطر بكين هذه المرة.

قد تجد الصين في هذا التحوُّل فرصة ذهبية لتعزيز قوتها الناعمة في المملكة. فحتى في ذروة جائحة فيروس كورونا المستجد، فعَّلت بكين ما يسمى بـ«دبلوماسية كوفيد»، وقدمت في هذا الإطار عروضًا سخية لتوفير لقاحات للرياض بمجرد انتهاء المرحلة الأسوأ. وتؤكد سابينا صديقي، أن أي فراغ تخلفه واشنطن ستملأه بكين؛ لأنها تحاول توسيع وجودها في المملكة.

مصالح مشتركة بين السعودية والصين

وترصد كاتبة المقال – التي تولي تركيزًا خاصًّا على مبادرة الحزام والطريق والشرق الأوسط وجنوب آسيا – العديد من المجالات التي تلتقي فيها المصالح الصينية-السعودية حاليًا:

أولًا: يظل التعاون الاقتصادي هو مفتاح العلاقات بين الرياض وبكين. ففي السنوات الأخيرة، نمت العلاقات التجارية بين المملكة العربية السعودية والصين نموًّا كبيرًا. وأصبحت الرياض الآن أكبر مورد للنفط إلى بكين، حتى تجاوز حجم صادراتها مليوني برميل يوميًّا.

وخلال منتدى الاستثمار السعودي-الصيني الذي انعقد في الرياض عام 2019، وُقِّعَت 35 اتفاقية تعاون اقتصادي ثنائي بقيمة تزيد على 28 مليار دولار، ومنذ ذلك الحين لوحظت زيادة في معدل دخول الشركات الصينية إلى السوق السعودية بنسبة 100%.

بالإضافة إلى ذلك، تشارك المملكة في مبادرة الحزام والطريق الصينية، ناهيك عن العديد من مشاريع البناء والبنية التحتية واسعة النطاق التي هي قيد التنفيذ بالفعل، مثل: تدشين أكبر محطة طاقة تعمل بالنفط في العالم في مدينة ينبع الساحلية، بالتعاون مع شركة «شاندونغ» لإنشاءات الطاقة الكهربائية، وإبرام عقد بقيمة 667 مليون دولار لبناء 5 آلاف منزل في الرياض.

Embed from Getty Images

وإذا أرادت الصين اكتساب المزيد من النفوذ، فيمكنها أيضًا ضخ استثمارات كبيرة في المشروع الذي يحلم به ولي العهد – مدينة نيوم المستقبلية التي تبلغ تكلفتها 500 مليار دولار – والمساعدة في إنجاحه. وفي الوقت نفسه، تعد الرياض أيضًا جزءًا من طريق الحرير الفضائي الصيني–العربي، كما تتعاون المملكة مع بكين في تعزيز نظام «بايدو» للملاحة بالأقمار الصناعية.

القمة العربية الصينية 2021

ولاستكمال المشروع السعودي الرئيسي «رؤية 2030»، تبرز فرص تعاون لا حصر لها بين الرياض وبكين. وقد أعلنت الدورة العادية (155) لمجلس جامعة الدول العربية التي انطلقت أعمالها يوم الثالث من مارس (آذار) الجاري، أن المملكة العربية السعودية ستستضيف القمة العربية-الصينية الأولى هذا العام، استنادًا إلى قرارٍ يتعلق بالصين اتُّخِذَ على مستوى وزراء الخارجية.

وردًّا على الأسئلة التي طرحت خلال المؤتمر الصحفي، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية وانغ وين بين: «ونحن نتطلع إلى المستقبل، تعرب الصين عن استعدادها لتكثيف الاتصالات والتنسيق مع الدول العربية وجامعة الدول العربية، والاستعداد الجيد للقمة الصينية-العربية، والتكاتف لبناء مجتمع صيني-عربي ذي مستقبل مشترك في العصر الجديد، وتعزيز الشراكة الإستراتيجية الصينية-العربية لصالح شعوب الجانبين».

ثانيًا: يشير المقال إلى التعاون العسكري الصيني-السعودي بوصفه قطاعًا رئيسًا آخر تلتقي فيه المصالح الصينية–السعودية، خاصةً بعد القرار الذي اتخذته واشنطن مؤخرًا بتحجيم مبيعات الأسلحة إلى السعودية ضمن فئة الأسلحة «الدفاعية» فقط. نتيجةً لذلك، قد تضطر الرياض إلى أن تيمم وجهها شطر بكين إذا رغبت في الحصول على المزيد من الأسلحة الفتاكة.

ووفقًا لتقرير استخباراتي أمريكي صدر في شهر يونيو (حزيران) 2019، قدمت الصين دعمًا لبرنامج الصواريخ الباليستية  السعودي. وخلال المناقشات التي جرت حول هذه المسألة في الكونجرس الأمريكي، أشار العديد من المشرعين إلى أن ولي العهد السعودي تعهد في عام 2018، بأن يحذو حذو إيران إذا أقدمت على صنع القنبلة النووية.

وبعدما أبرمت الرياض اتفاقية تعاون نووي مع بكين في عام 2012، أصبحت المملكة تمتلك خيارًا صينيًّا. وتشير التقارير إلى أن الصين قد تقدم يد العون للبرنامج النووي السعودي، خاصةً بعد تدشين منشأة لاستخلاص اليورانيوم الأصفر (المعروف باسم الكعكة الصفراء) من خام اليورانيوم مؤخرًا. ويلفت التقرير إلى أن صحيفة «وول ستريت جورنال» نشرت تقريرًا عن هذا التطور، بموازاة فشل المسؤولين الأمريكيين والسعوديين في التوصل إلى اتفاقية تعاون لتطوير الطاقة النووية العام الماضي.

Embed from Getty Images

في ذلك الوقت، أعرب السيناتور، تيم كين، من فرجينيا عن مخاوفه من أن يؤدي ذلك إلى «تحول حليف مفترض إلى الصين لتسريع سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط». وردًّا على أسئلة حول الدعم الذي تقدمه بكين لطموحات الرياض النووية، صرح وينبين، بأن «الصين والمملكة العربية السعودية تربطهما شراكة إستراتيجية، وبينهما تعاون سلس في مجال الطاقة».

أوضاع متشابهة

وعلى الرغم من نفي وزارة الطاقة السعودية لتدشين مثل هذه المنشأة، ، يستنتج المقال أن هذه الخطوة تعني أن الرياض ترغب في الوصول إلى حالة من التأهب، لأن إنتاج «الكعكة الصفراء» هو الخطوة الرئيسة التي تسبق تكرير اليورانيوم المناسب للاستخدام العسكري والمدني. وعند سؤال المسؤولين السعوديين، أكدوا أن الرياض تخطط لبناء ما لا يقل عن 16 مفاعلًا نوويًّا للطاقة المدنية خلال العقدين المقبلين.

أخيرًا: لا يختلف وضع حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية كثيرًا عن الوضع في الصين. وفي هذه الآونة، تضغط واشنطن على الرياض لتحسين حقوق الإنسان في المملكة. وأعرب الرئيس جو بايدن، عن قلقه بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية، وأكد الأهمية التي توليها الولايات المتحدة لحقوق الإنسان، وسيادة القانون على مستوى العالم، خلال المكالمة الهاتفية التي أجراها مع الملك سلمان مؤخرًا، وفقًا لما ورد في بيانٍ صادر عن البيت الأبيض.

وبالتالي، قد تضطر الرياض إلى إطلاق سراح النشطاء الذين لا يزالون خلف القضبان، وتطبيق المزيد من الإصلاحات القانونية.

وبعد أن تخلت المملكة عن الكثير من أعرافها المحافظة على مدى العامين الماضيين، ترى كاتبة المقال أن السعودية أصبحت أكثر تسامحًا. ومع ذلك، إذا حاول ولي العهد اتخاذ المزيد من الإجراءات على طريق تحديث بلاده، قد يواجه انتقادات أو حتى رد فعل متطرف من الجماعات المحافظة المؤثرة في الداخل. وإذا حدث هذا، فقد تجد الرياض أنه من الأسهل بكثير أن تتجه نحو الصين، التي تشاركها في كونها هي الأخرى محور انتقادات مستمرة تتعلق بحقوق الإنسان، وبالتالي ليس لديها أي اعتراضات في هذا الصدد على الإطلاق.

منطقة الشرق

منذ شهرين
«جيروزاليم بوست»: وجود ابن سلمان مهم لمصالح إسرائيل.. ويجب ألا تضعه أمريكا في مأزق

تستدرك الكاتبة: ومع ذلك، ستظل بعض القيود الرئيسة مفروضة دائمًا على العلاقات الصينية–السعودية؛ إذ لا ترغب الصين في أن يكون لها دور أمني على غرار الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. في الواقع، تواصل واشنطن ضمان أمن الطاقة الصيني في هذه المنطقة العصية على التنبؤ.

في غضون ذلك، لم ينته الجدل حول العقوبات تمامًا بعد؛ إذ تتزايد الضغوط في واشنطن لاتخاذ بعض الإجراءات ضد ولي العهد السعودي. وبدأ العديد من المشرعين الأمريكيين اتخاذ إجراءات قانونية لمحاسبة العائلة المالكة السعودية. وكما يقول وليام هارتونج، مدير برنامج الأسلحة والأمن في مركز السياسة الدولية: إذا قُدِّمَ مثل هذا التشريع إلى بايدن؛ «فسيضعه في موقف صعب للغاية للاختيار بين ما إذا كان سيستخدم حق النقض أم لا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد