نشرت مجلة «جاكوبين» اليسارية الأمريكية مقالًا لـ ليزا فيذرستون، صحفية أمريكية مستقلة، تناولت فيه ما حصده اليسار الأمريكي في الانتخابات الجارية في البلاد على المستوى الوطني من مكاسب مهمة يمكن أن يترتب عليها كثير من تداعيات تدفع في طريق أن يكون لليسار الغلبة، وتدعو إلى توزيع جاد للثروات وتوفير حياة كريمة للطبقة العاملة.

وفي مستهل مقالها، دعت الكاتبة الأمريكيين ألا يسمحوا للكآبة التي سادت يوم التصويت في الانتخابات الوطنية الأمريكية التي جرت يوم الثلاثاء بأن تغطي على النتائج الرائعة التي تحققت في صفوف الطبقات ذات المستوى الأدنى على مستوى الولايات المتحدة بأسرها. إذ انتُخب عشرات من الاشتراكيين ليصبحوا أعضاءً في المجالس التشريعية الأمريكية، بينما حظيت مبادرات زيادة الحد الأدنى للأجور وفرض ضوابط على الإيجارات وفرض ضرائب على الأغنياء لتمويل المدارس، بدعم الناخبين حتى في الأماكن الحمراء باكتساح (أي المعروفة بولائها للحزب الجمهوري).

حداد وحقيقة مُحزِنة

وأشارت الكاتبة إلى أن عديدًا من الأمريكيين الاشتراكيين كانوا يتابعون نتائج الانتخابات في ولاية بنسلفانيا عن طريق تحديث الرابط الخاص بالأخبار لعدة أيام، بينما كنَّا في حالة من الحزن على أصوات الناخبين التي كان من الممكن أن يحصل عليها بيرني ساندرز (سيناتور عن الحزب الديمقراطي ذو توجه يساري اشتراكي ترشح للانتخابات الرئاسية ثم انسحب)، وعلى المستوى المتوسط لجو بايدن، وعلى الحقيقة المحزنة بأن عديدًا من «جيراننا وبني جِلدتنا»، بحسب الكاتبة، صوَّتوا لصالح دونالد ترامب بعد الفوضى والموت الجماعي في عام 2020 الذي أصبح بمثابة عبارة موجزة للتعبير عن التعليق على أعواد المشانق. وما من شك أن تداعيات انتخابات الرئاسة الأمريكية ومجلس الشيوخ في الولايات المتحدة سيستغرق تحليلها عدة أشهر.

ولم تحظَ الانتصارات التي حققها التيار التقدمي والاشتراكي يوم الثلاثاء في الانتخابات الأمريكية باهتمام كبير، والتي كان تحقيق عدد منها أمرًا مذهلًا قبل مدة قصيرة. وفي حين أن بعض المرشحين المنتمين إلى اليمين المتشدد سحقوا منافسيهم من المرشحين الديمقراطيين المحافظين مثل إيمي ماكجراث في ولاية كنتاكي وماكس روز في جزيرة ستاتين وتفوقوا عليهم باكتساح، أُفسِح الطريق لليسار الأمريكي، في شتى أنحاء الولايات المتحدة، للمضي قدمًا إلى الأمام.

Embed from Getty Images

وأوضحت الكاتبة أنه على الرغم من أن ولاية فلوريدا صوَّتت لصالح دونالد ترامب، إلا أنها أيضًا صوتت أخيرًا لمبادرة زيادة الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولار في الساعة. ولم يكن هذا هو القرار التقدمي الوحيد الذي اتخذه الناخبون في الولايات المعروفة بولائها للون الأحمر (للجمهوريين). إذ أجرى عديد من المجتمعات المحلية استفتاءاتٍ عامة لتمويل مدارسها العامة، حتى في عدد من الولايات المحافظة مثل ولاية إنديانا. وتنقل الكاتبة عن جينيفر بيركشاير، صحفية تعليمية ومُقدِّمة مشاركة في النشرة التعليمية «هل سمعتم» وشاركتْ في تأليف الكتاب الذي صدر في عام 2020 بعنوان ذئب على أبواب المدرسة: تفكيك التعليم العام ومستقبل المدارس (ويشاركها جاك شنايدر في تأليف الكتاب وتقديم النشرة). ما الذي أدَّى إلى هذا؟

تشرح بيركشاير قائلة: «يتوافق الناخبون بانتظام من خلال مساراتهم الحزبية على زيادة الإنفاق المدرسي. فإذا نظرتِ إلى ولاية ويسكونسن، ستجدين أن مقاطعاتها التي حصل ترامب فيها على نسبة تصويت كبيرة، صوَّت الناخبون فيها أيضًا من أجل زيادة الضرائب في الولاية للاستثمار في المدارس. وسوف تلاحظين هذا النمط في جميع أنحاء البلاد».

انتصارات جمة للاشتراكيين

ولفتت بيركشاير إلى أن ولاية أريزونا أقرت قانونًا يقضي بزيادة الضرائب في عموم الولاية لتحصد قرابة مليار دولار جديدة وضخها في النظام المدرسي الذي يُعاني من نقص التمويل، وهو إجراء يحظى بدعم الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

وأخذت الكاتبة تحصي وتعدد الانتصارات التي حققها الاشتراكيون الأمريكيون في الانتخابات الأمريكية الوطنية، مشيرةً إلى أن كلًا من ولايتي بورتلاند ومين انضمتا إلى فلوريدا في التصويت على زيادة الحد الأدنى للأجور، بالإضافة إلى تصويت الولايات الثلاثة لصالح فرض ضوابط على الإيجارات ودعم الصفقة الجديدة الخضراء المحلية (تشريع مقترح في الولايات المتحدة الأمريكية يهدف إلى معالجة التغير المناخي)، لكنها عارضت مراقبة الوجه بالكاميرات. وأطلق الحزب الاشتراكي الديمقراطي الأمريكي، مع مجموعات وأحزاب أخرى، حملة تهدف إلى حشد الدعم لإجراءات ولاية بورتلاند الأربعة.

كما انتصر المستأجرون في مدينة بولدر بولاية كولورادو، إذ صوَّت الناخبون ضد إخلاء المستأجرين للعقار من دون تمثيل قانوني، وهو إجراء يقضي بفرض ضرائب على أصحاب العقارات وتزويد المستأجرين الذين يواجهون الإخلاء بالأموال لتوفير التمثيل القانوني الملائم، وهي مبادرة أخرى ساندها الحزب الاشتراكي الديمقراطي الأمريكي.

وتضيف الكاتبة: شهدت ولاية كولورادو ليلة نسوية إجمالًا، بعد التصويت لرفض الطرد القسري من العمل للنساء الحوامل -وبعبارة أخرى يُعد هذا الأمر بمثابة هزيمة لمساعي القوى المناهضة لخيارات تقييد عمليات الإجهاض– وحصول النساء الحوامل على إجازة عائلية وإجازة طبية. وهزمت مقاطعة مونتجومري في ولاية ماريلاند، بمساعدة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الأمريكي، مساعي إلغاء الضريبة على الممتلكات.

انتصارات على الصعيد المحلي

وتابعت الكاتبة قائلة إن ولاية أوريجون صوتت لصالح فرض ضرائب على الأغنياء لتمويل برامج مرحلة الطفولة المبكرة أو مرحلة ما قبل المدرسة. وألغت الولاية أيضًا تجريم تناول عدد كبير من العقاقير المخدرة، بما في ذلك كميات صغيرة من الهيروين والكوكايين والميثامفيتامين، وهو الأمر الذي يمثل إنجازًا كبيرًا حققته الحركة ضد الاعتقال الجماعي على الصعيد الوطني.

Embed from Getty Images

وعندما نتطرق إلى الحديث عن المخدرات، نجد أن ولايات ساوث داكوتا ومونتانا وأريزونا ونيوجيرسي أقرَّت مشروعية شرب الحشيش للبالغين لأي سبب من الأسباب، في حين وافقت ولاية ميسيسيبي على تناول الماريجوانا الطبية. وأقرَّت العاصمة الأمريكية واشنطن المنشطات، وقالت الكاتبة كل هذا سنحتاجه، لا سيما إذا احتفظ ميتش ماكونيل، زعيم الأغلبية الجمهورية بمجلس الشيوخ، بالسيطرة على مجلس الشيوخ.

وأبرزت الكاتبة أن النظم العنصرية والوحشية الخاصة بعقوبة المدانين في الولايات المتحدة تلقَّت مزيدًا من الضربات، إذ انتخبت مدن (وفي بعض الحالات أعادوا انتخاب) عددًا من المدَّعين العموميين التقدميين للمقاطعات، والذين أطلقوا حملات في مسار الإصلاح القضائي، منها على سبيل المثال، إنهاء الكفالة النقدية ومن هؤلاء المدَّعين كيم فوكس في شيكاجو، وكيم جاردنر في سانت لويس، ومارك جونزاليس في كوربوس كريستي، ومونيك ووريل في أورلاندو، وإيلي سافيت في آن أربور، وأوستن خوسيه جارزا وجورج جاسكون في لوس أنجلوس، وتعلق الكاتبة: على ما يبدو أن جولي غونيجل، المدَّعية العامة في فينيكس، ربما تفوز أيضًا عند إحصاء جميع الأصوات، لكن هذا السباق الانتخابي لا يزال متقاربًا جدًّا.

أما عندما نتحدث عن رفض الكونفدرالية، فقد صوتت ولاية ميسيسيبي بأغلبية ساحقة (73%) لتبني علم ولاية جديد بدون رمز الكونفدرالية، ليحل محله شجرة المغنولية النباتية المحايدة والأكثر جاذبية، بحسب الكاتبة.

ليلة نسوية قوية

وأشارت الكاتبة إلى أنه في انتخابات الكونجرس أُعِيد انتخاب تكتل العدالة الأصيل المنبثق من الحزب الديمقراطي -إلهان عمر وألكساندريا أوكاسيو وكورتيز وأيانا بريسلي ورشيدة طليب- بالإضافة إلى بطل برنامج الرعاية الصحية للجميع براميلا جايابال وإدوارد ماركي، رئيس برنامج الصفقة الجديدة الخضراء.

كما أُعيد انتخاب كاتي بورتر، وهي نائبة ديمقراطية ليبرالية تُمثل إحدى مقاطعات كاليفورنيا المعروفة بطابعها المحافظ تاريخيًّا، بهامش مريح في نسبة الأصوات. وهَزَم المربي التقدمي جمال بومان من نيويورك إليوت أنجل النائب المخضرم والراسخ في منصبه منذ سنوات، وأصبحت الناشطة كوري بوش أول امرأة من ذوي البشرة السوداء وممرضة وأم عزباء تُمثل ولاية ميزوري في الكونجرس.

Embed from Getty Images

في الواقع، لقد كانت ليلة قوية للاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، الذين ساندوا ودعموا 29 مرشحًا و11 مبادرة اقتراع. ومن بين هذا كله، فاز عشرون مرشحًا وأُقِرَّت ثماني مبادرات اقتراع.

وألمحت الكاتبة إلى أنه بالإضافة إلى فوز كلٍ من ألكساندريا أوكاسيو كورتيز ورشيدة طليب وجمال بومان وكوري بوش، حقق الحزب الاشتراكي الديمقراطي الأمريكي فوزًا كبيرًا في سباقات مجلس الشيوخ. إذ فاز الحزب، في نيويورك، بخمسة مرشحين في سباق انتخاب الحكومات على مستوى الولاية، إذ أعيد انتخاب جوليا سالازار في مجلس شيوخ الولاية وانضم إليها الجابري بريسبورت، بينما فاز ثلاثة مرشحين آخرين مدعومين من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الأمريكي (وهم مارسيلا ميتاينز وفارا سوفرانت فورست وظهران ممداني) بمقعد في مجلس الولاية. 

وفاز أيضًا بمقاعد في مجلس ولاية نيويورك عضوان آخران في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الأمريكي، وهما إميلي جالاجر وجيسيكا جونزاليس روخاس، وهما من النشطاء الرائعين الذين لم يؤيدهم الحزب من قبل. وصوتت فيلادلفيا لثلاثة مرشحين مدعومين من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الأمريكي ليصبحوا أعضاءً في حكومة الولاية وهم نيكيل سافال إلى مجلس شيوخ الولاية وريك كراجوسكي وإليزابيث فيدلر إلى مجلس الولاية التشريعي. وفازت مينيسوتا أيضًا بعضو منتمي للتوجه الاشتراكي في مجلس شيوخها، وهي جين ماكوين. وفي غرب مونتانا، ساند الحزب الاشتراكي الديمقراطي الأمريكي داني تينينباوم ليفوز بمقعد في إلى مجلس الولاية التشريعي.

وأردفت الكاتبة قائلة: وعلى صعيد السباقات المحلية، حقق الحزب الاشتراكي الديمقراطي الأمريكي عدة انتصارات رائعة، من بينها انضمام جريج كاسار إلى مجلس مدينة أوستن، وانضمام جوفانكا بيكلز إلى مجلس النقل العام في إيست باي، ودين بريستون إلى مجلس المشرفين في سان فرانسيسكو، وجينيز لويس جورج إلى مجلس مدينة العاصمة واشنطن. وفازت قسطنطين أنتوني بمقعد في مجلس مدينة بوربانك في لوس أنجلوس، كما اقتربت نيثيا رامان، المرشحة لمجلس مدينة لوس أنجلوس، من تحقيق الفوز.

الآثار المترتبة على المكاسب

واستشهدت الكاتبة بوصف صحيفة لوس أنجلوس تايمز للانتخابات المحلية الجارية في ولايتها بأنها «تغيير سياسي تقدمي»، متسائلةً: «هل هي مجرد بداية؟» ما من شك أن الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها لوس أنجلوس في الصيف ضد ممارسات الشرطة الوحشية أثرت على الانتخابات هنا، والحال نفسه في عديد من المدن الأخرى.

دولي

منذ 3 أسابيع
«الإندبندنت»: لماذا لن يستطيع ترامب التلاعب بنتائج الانتخابات الرئاسية؟

وتعظيمًا لمبدأ الفصل القوي في سباق انتخابات المدعي العام للمقاطعة في لوس أنجلوس، أقرَّت المدينة إجراء تحقيق العدالة، الذي خصَّص 10% من الأموال التي رصدتها المقاطعة للخدمات الاجتماعية، والتي تشمل علاج الصحة العقلية والإسكان، للمجتمعات المتضررة من الممارسات العنصرية وفرضت حظرًا على الحكومة المحلية من إنفاق أيِّ من هذه الأموال على السجون أو الشرطة.

وفي ختام مقالها، تساءلت الكاتبة: ما هي الآثار المترتبة على كل هذه المكاسب التي حققها الاشتراكيون في أمريكا؟ وخلُصت إلى حاجة اليسار الأمريكي إلى الفعاليات المنظمة وأنه يمكنهم تكوين أغلبية يسارية وأن عديدًا من الأمريكيين لديهم رغبة في تحقيق العدالة القائمة على أساس العِرْق، فضلًا عن إعادة توزيع جاد للثروات وتحقيق حياة أفضل للطبقة العاملة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد