«تُمكّن التقنيات الحديثة روسيا والصين من تدمير القواعد الأمريكية، وشبكات الخدمات اللوجستية، بما في ذلك تلك الموجودة على الأراضي الأمريكية»؛ تحذير أطلقه مايكل بيكلي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة تافتس، في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي». 

يتناول المقال التحولات الحديثة التي نتجت عن التقدم الهائل في تكنولوجيا الأسلحة؛ ما يجعل الحروب غير مكلفة كما كانت في السابق، لكنها أكثر تهديدًا لقوة الولايات المتحدة؛ حيث يمكن لخصومها ضرب قواعدها على الأراضي الأمريكية نفسها، وليس فقط قواعدها المنتشرة حول العالم. 

يستهل الكاتب مقاله بالقول: «خلال معظم تاريخها، كان لدى الولايات المتحدة رفاهية خوض حروبها من ملاذات آمنة. إذ لم تقع معارك دولية كبرى على أراضي الولايات المتحدة القاريّة منذ أكثر من قرنين، ولم تتعرض أراضيها الخارجية لهجوم خطير منذ قصفت اليابان بيرل هاربر في الحرب العالمية الثانية. وخلال العقود القليلة الماضية، حتى القواعد الأمريكية على الأراضي الأجنبية لم تواجه سوى القليل من التهديدات العسكرية التقليدية».

تهديد شبكات الإمداد اللوجستي

مكنت هذه الحصانة غير المسبوقة الولايات المتحدة من خوض الحروب عن طريق شن هجمات ساحقة انطلاقًا من ملاذات محصنة تقريبًا ونائية جغرافيًا.

في الحروب الأخيرة في أفغانستان، والعراق، وليبيا، وصربيا، على سبيل المثال، استخدم الجيش الأمريكي قواعد آمنة وشبكات إمدادات لوجستية تمتد من قلب الولايات المتحدة وصولًا إلى حدود العدو. من هذه المساحات الآمنة الشاسعة، كان الجيش قادرًا على اختيار معاركه بشكل إستراتيجي، وتوجيه ضربات جوية وصاروخية بكفاءة صناعية. ونتيجة لذلك لم تكن نتائج الحروب المباشرة – إن لم تكن عواقبها – موضع شك.

Embed from Getty Images

ويستدرك الكاتب: غير أنه في الحروب المستقبلية، قد تُمَكِّن التقنيات الجديدة القوى العظمى المنافسة، مثل الصين وروسيا، من شن هجمات دقيقة ومدمرة على القواعد العسكرية الأمريكية وشبكات الإمداد اللوجستية، بما في ذلك تلك الموجودة داخل الولايات المتحدة نفسها. 

«إن التقدم في مجالات الفضاء، وعلوم الروبوت، والتعلم الآلي، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والمواد النانوية (متناهية الصغر)، يخلق طرازات جديدة من الصواريخ والطائرات بدون طيار الفتاكة التي يمكن إطلاقها في تكتم، وتستطيع التحليق لمسافات كبيرة، وعرقلة القوات المحتشدة. كل ذلك مقابل جزء صغير من تكلفة الأسلحة التقليدية المأهولة (التي يوجهها البشر)».

حروب المستقبل.. أقل تكلفة وأكثر خطرًا

يستشهد المقال بعدة أمثلة: تجمع الصواريخ الجديدة التي تفوق سرعة الصوت بين سرعة الصواريخ الباليستية ومداها، مع القدرة على المناورة والدقة التي تميز صواريخ كروز. وتقطع الطائرات بدون طيار والمركبات ذاتية الحركة التي تسير تحت الماء مسافات طويلة عبر المحيطات. ويمكن للخوارزميات تنسيق أسراب تضم أكثر من ألف طائرة بدون طيار، كما يمكن لطابعات الكربون ثلاثية الأبعاد إنتاج ألف طائرة بدون طيار يوميًا بأقل من 10 دولارات لكل نسخة، ويمكن للمواد النانوية تزويد الطائرات برؤوس حربية تبلغ قوتها ضعف قوة المتفجرات التقليدية.

ويتابع الكاتب: «إن نشر هذه التقنيات سيجعل طريقة الحرب التي تتبعها الولايات المتحدة حاليًا عتيقة الطراز. حيث أصبحت الصين وروسيا، المسلحتان بترسانات كبيرة ومتنامية من الصواريخ بعيدة المدى والطائرات بدون طيار المسلحة، قادرتين بشكل متزايد على حرمان أمريكا من الملاذ الآمن للعمليات العسكرية». 

في العصور التقنية السابقة كان ضرب القواعد الأمريكية يتطلب شن غارات جريئة عادةً ما تكون صغيرة ومتقطعة للغاية بحيث لا تضعف القوة القتالية الأمريكية، أو ضربات الصواريخ النووية التي من شأنها أن تقدح شرارة انتقام هائل من ذات النوع. غير أنه الآن يمكن للصين وروسيا إرسال جحافل من الصواريخ التقليدية وطائرات بدون طيار مستهلكة لتلحق الدمار بالشبكات الأمريكية، وتدمر منصات الأسلحة الأمريكية أثناء وجودها في قواعدها، وتقطع خطوط الاتصالات الأمريكية، وتمحو مستودعات الوقود والذخيرة الحيوية.

المشكلة الحقيقية أمام الجيش الأمريكي

يكمل بيكلي: سيواجه الجيش الأمريكي مشكلة في سرعة الاستجابة لمثل هذه الهجمات؛ لأنه غير مستعد لها. ذلك أن معظم القواعد لديها القليل من أنظمة الدفاع الصاروخي أو الملاجئ الصلبة إن وجدت. والطائرات القتالية والسفن الحربية غالبًا ما تكون مخزنة في العراء جنبًا إلى جنب. وتعتمد الاتصالات بين مراكز القيادة والجنود في الميدان اعتمادًا كبيرًا على الأقمار الصناعية التي تسير في مدارات يمكن التنبؤ بها وعلى الكابلات البحرية المنتشرة في أماكن موجودة في مصادر مفتوحة.

Embed from Getty Images

وتتألف القوة اللوجستية الأمريكية أساسًا من سفن تعمل بالبخار غير مسلحة، ومن المقرر أن يخرج معظمها من الخدمة في غضون 15 عامًا، ولا يمكن إعادة شحن السفن الحربية والغواصات الأمريكية في البحر، لذلك في وقت الحرب يجب عليها التنقل بين مسرح القتال وحفنة من الموانئ في الولايات المتحدة وأراضي حلفائها.

لقد أنتجت مثل هذه الثغرات الأمنية الأمريكية الهائلة، واقترانها بالتغير التكنولوجي السريع، نوعًا من المفارقات: إذ تمتلك الولايات المتحدة أقوى جيش في العالم بهامش واسع، لكنها برغم ذلك «تتعرض لهزائم مريرة» بشكل روتيني في حروب المحاكاة عندما تطلق روسيا أو الصين ترسانتها من الصواريخ والطائرات بدون طيار.

إذا كانت البدائل الأمريكية مهددة.. ماذا يحمي واشنطن غدًا؟

يتابع المقال: قد تزداد المشكلة سوءًا، «ففي محاولة لمواجهة قدرات الصين وروسيا على منع الوصول إلى المناطق التي تستهدف قوات الولايات المتحدة المنتشرة في المواقع الأمامية يزيد الجيش الأمريكي من اعتماده على أنظمة القتال التي تستلزم قيام القواعد الآمنة والشبكات اللوجستية بمهامها». 

على سبيل المثال: تنفق الولايات المتحدة مليارات الدولارات لإنتاج قاذفة شبح جديدة من طراز بي 21 (B-21) لاختراق شبكات منع الوصول إلى المنطقة. هذه الطائرات الرائعة لن تبدأ العمل قبل عقد، لكن روسيا والصين ربما تكونان قادرتين بالفعل على تدميرها على الأرض، بل قد يكون هذان البلدان قد وضعا صواريخ كروز متطورة في حاويات شحن يمكن أن تضرب موقع التمركز المستقبلي لقاذفات بي 21 – وهي قاعدة وايتمان الجوية في ميزوري – من خليج المكسيك. 

مثال آخر: تخطط البحرية الأمريكية لبناء مئات السفن الحربية الجديدة على مدار الثلاثين عامًا القادمة، ونشرها في مجموعات صغيرة. ستقلص هذه العمليات البحرية الموزعة تعرُّض الولايات المتحدة لأنظمة أسلحة منع الوصول إلى المنطقة/الحرمان التابعة للعدو. لكنها ستقوم أيضًا بتشغيل قوات لوجستية أمريكية متداعية، سيكون عليها نقل الإمدادات إلى مئات السفن المنتشرة على ملايين الأميال المربعة. بينما الصين وروسيا لديهما بالفعل خطط لضرب هذه الخطوط اللوجستية بالصواريخ والألغام الذكية.

Embed from Getty Images

أهداف الحرب غير المتكافئة في صالح أمريكا

يرى الكاتب أن الوقت قد حان كي يستعد الجيش الأمريكي للقتال بدون ملاذات. وبدلًا عن انتظار اندلاع الحرب، ومن ثم زيادة حاملات الطائرات الضعيفة والألوية المدرعة في الخارج، ينبغي على الولايات المتحدة أن تضع قاذفات الصواريخ والطائرات المسلحة بدون طيار على الأراضي الحليفة والسفن التجارية في مناطق النزاع المحتملة. 

بالنسبة للحروب ضد روسيا والصين، فهذا يعني قرب دول البلطيق، وفي بحر الصين الشرقي والجنوبي. هذه الصواريخ والطائرات بدون طيار ستكون بمثابة حقول ألغام ذات تقنية عالية، على حد وصف المقال، ويمكن أن تدمر قدرة القوات الصينية والروسية، لكن سيكون من الصعب على أي من الدولتين التخلص منها، ولن يتطلب الأمر وجود أطقم كبيرة، أو ذيول لوجستية. 

يوضح بيكلي أن هذا النهج يستفيد من عدم التماثل الجوهري في أهداف الحرب لدى الولايات المتحدة وخصومها، ففي حين أن الصين وروسيا بحاجة إلى السيطرة على الأراضي، على سبيل المثال: تايوان، أو جزء من دول البلطيق لتحقيق أهدافهما الرئيسة، فإن الولايات المتحدة تحتاج فقط إلى حرمانهما من تلك السيطرة، وهي مهمة تعتبر الصواريخ والطائرات بدون طيار مناسبة تمامًا لأدائها.

هل تحتاج أمريكا إلى هزيمة حربية لتستيقظ؟

الولايات المتحدة لديها التكنولوجيا اللازمة لجعل هذه الإستراتيجية ناجحة، لكن اللاعبين المحليين الأقوياء يترددون في الالتزام بها. فالبحرية تريد سفنًا حربية كبيرة، وليس سفن صواريخ. وتفضل القوات الجوية الطائرات العادية، وليس الطائرات بدون طيار ذاتية التحكم. ويريد مقاولو الدفاع بناء منصات نقل قوات وعتاد باهظة الثمن، وليس ذخائر رخيصة. ويشاركهم العديد من أعضاء الكونجرس في هذا التفضيل؛ لأن المنصات الفاخرة ودورات المشتريات التي تمتد لعقود تنتج وظائف في دوائرهم. 

ويختم المقال بالقول: سيتطلب اختراق هذا المأزق، وتحديث طريقة الحرب الأمريكية بما يتناسب مع عصر تكنولوجي جديد، التزامًا قويًا من كبار المسؤولين في وزارة الدفاع والضغط المستمر من جمهور مثقف. تاريخيًا لم تقم الولايات المتحدة بإصلاح موقفها العسكري، إلا بعد تعرضها لصدمة كبيرة. وسيكون من المأساوي أن تنطوي الصدمة التالية على خسارة الحرب لصالح خصم أضعف، ولكن أكثر ذكاءً تقنيًا.

«ملكة السماء» وسلاح «الاستفزاز» الأمريكي.. تعرف إلى المقاتلة الشبح «بي- 2»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد