اللقاح أفضل حماية ضد العدوى بفيروس كورونا، ولكن عندما تحدث الإصابة بعد تلقي اللقاح، يظل السؤال الرئيس دون إجابة مُرضية.

نشرت مجلة «ذي أتلانتيك» الأمريكية تقريرًا لياسمين تياج، الكاتبة والمحررة العلمية، تحدثت فيه عن المشكلة التي تؤرِّق الباحثين وخبراء الصحة، وهي إمكانية إصابة المُلقَّحين بفيروس كورونا بعد تلقيهم اللقاح المضاد له، وأيضًا إمكانية نقلهم العدوى لغيرهم.

تقول ياسمين في مستهل تقريرها: أفسد الخوف من تفشي كوفيد-19 الصيف على الناس. ففي الأيام الأولى التي أُتيح فيها اللقاح للعامة، اعتقد الناس أن هذه اللقاحات هي تذكرة العبور نحو الحياة الطبيعية، وهذا بالضبط ما كان يكرره خبراء الصحة العامة الأمريكيون لمدة وجيزة على الأقل. وبالطبع، كان يمكن للمُلقَّحين الإصابة بالفيروس، ولكن لم يكن هناك داعٍ للقلق كثيرًا بشأن نقله إلى أي شخص آخر. وذكرت التوجيهات المؤقتة التي نشرها المركز الأمريكي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها في مارس (آذار) أن هذه الحالات «تُشكل خطرًا ضئيلًا من حيث نقل المرض للآخرين». وبعد بضعة أسابيع، قالت روشيل والنسكي، مديرة المركز إن: «المُلقَّحين لا يحملون الفيروس».

متحور دلتا يقلب المعادلة

ثم جاء متحور دلتا، وهو النسخة الشديدة العدوى من الفيروس، والذي أدَّى إلى ارتفاع حاد في عدد الإصابات، وامتلأت بفعله غرف العناية المركَّزة بمرضى فيروس كورونا من جديد. وأثار أيضًا حالة من الخوف الشديد؛ لأن ما فهمناه حول مَنْ يمكنه نقل العدوى كان خاطئًا. وفي أوائل أغسطس (آب)، نشر مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها نتائجه حول مجموعة ضخمة من حالات كوفيد في مدينة بروفينستاون بولاية ماساتشوستس، والتي خلُص فيها إلى أن 74% من الإصابات كانت في صفوف المُلقَّحين.

صحة

منذ شهر
مترجم: 4 عوامل تزيد من خطر الإصابة بفيروس كورونا حتى بعد تلقي اللقاح!

وتضمنت النتائج أمرًا أكثر شؤمًا؛ إذ إن المُلقَّحين من الممكن أن ينشروا الفيروس تمامًا مثل غيرهم من غير المُلقَّحين. وسرعان ما عاد مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها لتوصية المُلقَّحين بارتداء الكمامة داخل المنازل والأماكن المغلقة، بينما تصدرت وسائل الإعلام عناوين مثل: «متحور دلتا ينتقل عن طريق المُلقَّحين الذين أصيبوا بالفيروس بعد التطعيم، وفقًا لمركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها». وفجأة بدا السيناريو الأسوأ ممكنًا، وهو أن المُلقَّحين يمضون بممارسة حياتهم اليومية وينشرون أطنانًا من حالات الإصابة بفيروس كورونا.

وبعد ثلاثة أشهر، ولحسن الحظ لم نرَ هذا المشهد المرعب يتحقق، وكانت المخاوف التي أثارها تقرير بروفينستاون مبالغًا فيها إلى حد كبير. ولكن لا يعني هذا أن المُلقَّحين في أمانٍ أيضًا، فما زالوا معرضين للإصابة بالفيروس ويمكن أن ينقلوا العدوى لغيرهم. إلا أننا ما زلنا لا نعرف مدى هذا الانتشار فعليًّا. 

وتشير الكاتبة إلى أن المُلقَّحين ينشرون الفيروس أقل من غيرهم بوجه عام، لأنهم أقل عرضة للإصابة في المقام الأول. ووجد مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في أوائل سبتمبر (أيلول) أنه مقابل 6 فحوص إيجابية في صفوف غير المُلقَّحين، هناك فحص واحد إيجابي مِن المُلقَّحين. وهناك مزيد من الأسباب التي تبعث على التفاؤل؛ إذ وجدت دراسات حديثة أنه حتى في حال الإصابة بالفيروس، فإن المُلقَّحين ينشرون العدوى بدرجة أقل بكثير من غير المُلقَّحين. ويقول روس كيدل، أستاذ المناعة في كلية الطب بجامعة كولورادو: «نعم، لقد عُدنا إلى هذه الفئة، يمكن أن ينقل المُلقَّحون العدوى، لكن يبدو أنه أمر نادر جدًّا». 

هل يؤثر اللقاح في مدى نقل العدوى؟

أردفت الكاتبة قائلة: أرشدني كيدل إلى دراستين، لم يحظَ أيٌّ منهما بمراجعة، لتوضيح وجهة نظره. وتُظهر إحداهما أنه بالرغم من انتقال العدوى بين المُلقَّحين في بروفينستاون، تُمثل هذه الحالات ما يسميه كيدل نسبة «محدودة للغاية» من إجمالي عدد الإصابات التي حدثت في ذلك التفشي للفيروس. وفي الدراسة الأخرى، وجد باحثون في المملكة المتحدة أن لقاحي فايزر وأسترازينيكا يقللان انتقال العدوى من المُلقَّحين إلى غيرهم. واستندت كثير من المخاوف الأساسية بشأن متحور دلتا إلى شيء يسمى بـ«الحِمْل الفيروسي»، أي كمية الفيروس التي يحملها الشخص أثناء الإصابة. لكن الباحثين خلصوا إلى أن الحِمْل الفيروسي عامل واحد فقط من عدة عوامل مرتبطة بالحد من انتقال العدوى. وبعبارة أخرى، حتى لو كان الحِمْل الفيروسي عند المُلقَّحين وغير المُلقَّحين هو نفسه، فهذا لا يعني بالضرورة أنهم من المحتمل أن ينشروا الفيروس بالقدر نفسه. 

Embed from Getty Images

وقد يكون أحد أسباب ذلك هو أن المُلقَّحين يحملون جزيئات من الفيروس أقل قدرة على العدوى، كما أوضحت الدراسات الهولندية (التي لم تُراجع بعد) مؤخرًا. يقول كيدل: مع أن الافتراض المنتشر على نطاق واسع هو أن جزيئات الفيروس التي يحملها المُلقَّحون وغير المُلقَّحين هي نفسها، فإن المبادئ الأساسية لعلم المناعة تتوقع العكس. فيُعتقد أن جزيئات الفيروس التي تخرج من المُلقَّحين تكون مغلَّفة بأجسام مضادة، بعضها يُنتَج في الأنف والفم، وتُعد جزءًا من مناعة «الغشاء المخاطي»، لذا «يمكننا أن نتوقع قدرًا أقل من انتقال العدوى»، وفقًا لكيدل. 

وتوصل باحثون آخرون أيضًا إلى استنتاجات مماثلة. وقال كريستوفر بايرون بروك، الأستاذ المساعد في جامعة إلينوي في أوربانا شامبين، في رسالة بريد إلكتروني أرسلها إلى الكاتبة، إن: «البيانات واضحة جدًّا، وهي أن المُلقَّحين ينشرون العدوى أقل من غير المُلقَّحين».

وأظهرت ورقة بحثية شارك فيها بروك مؤخرًا أن المُلقَّحين يفرزون عددًا أقل من الفيروسات، ويتوقف عن ذلك في وقت أقصر من غير المُلقَّحين. كما يفرزون جزيئات أقل قدرة على العدوى، مما يدعم فكرة أن المُلقَّحين ينقلون العدوى بدرجة أقل من غيرهم. ووجدت دراسة من هولندا أن هناك انخفاضًا بنسبة 63% في انتقال العدوى في صفوف الأسر التي تلقت اللقاح. وهذا يؤكد فاعلية لقاحاتنا، وفقًا لبروك؛ إذ إن أفراد الأسرة يكونون قريبين بعضهم من بعض لأوقات طويلة. (ولكن لم تجد دراسة حديثة أخرى أي فرق ملحوظ في انتقال العدوى داخل الأسر بين المُلقَّحين وغير المُلقَّحين). يقول بروك: «في نهاية المطاف، يمكنك أن تقول إن خطر نقل العدوى من المُلقَّحين أقل، لكنني لا أعرف تحديدًا كيف تُعرَّف كلمة أقل». 

الحذر سيد الموقف

تلفت الكاتبة إلى أن البحث الجديد لم يؤثر بعد في مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الذي لا يزال حذرًا. وتقول: أخبرني المتحدث باسم المركز في رسالة بريد إلكتروني بأن البيانات التي ظهرت منذ دراسة بروفينستاون توضح أن المُلقَّحين الذين أُصيبوا بالعدوى يمكن أن ينقلوا المرض لغيرهم، بمن فيهم المُلقَّحون. ومع أن الأبحاث لا تزال جارية، فإنه «يبدو أنه على الأقل في الفترة الأولى من الإصابة، فإن المُلقَّحين المصابين بالفيروس معديين بالدرجة نفسها، وهم على الأرجح أقل قدرة على نقل المرض لغيرهم من غير المُلقَّحين». 

تضيف الكاتبة قائلةً: خبراء الصحة الآخرون حذرون أيضًا، فأخبرتني ليزا ماراجاكيس، المديرة الأولى للوقاية من العدوى في نظام جونز هوبكنز الصحي، بأنها «تعتقد أن القرار ما زال معلقًا بشأن المدى الذي يمكن أن يقلل فيه اللقاح من خطر انتقال العدوى، ولكننا نعلم أن انتقال العدوى يحدث فعلًا. ولن أقول إنها خطرة بدرجة أقل»، مُلمِحةً إلى بيانات تُظهر حمولات مشابهة من الفيروس بين المُلقَّحين وغير المُلقَّحين.

Embed from Getty Images

وجميع الباحثين الذين تحدثت إليهم الكاتبة يتفقون على أمر واحد، وهو أن اللقاح لا يزال هو الطريقة الأفضل للوقاية من العدوى ونقلها. وقد لا تكون اللقاحات مثالية، لكنها أفضل شيء توصلنا إليه في معركتنا ضد كوفيد-19 لحماية أنفسنا والآخرين. ويمكن للمُلقَّحين أن يخففوا من نشر الفيروس عن طريق الابتعاد عن المواقف التي من المرجح أن يحدث فيها ذلك.

وتقول سيرا ماداد، اختصاصية الأوبئة في مستشفيات مدينة نيويورك ومراكزها الصحية، عندما يتعلق الأمر في الإصابة بالعدوى بعد تلقي اللقاح، «الشيء الوحيد الذي لم يُناقش جيدًا هو السلوك». فالاحتياطات مثل ارتداء الكمامة والتهوية ما زالت مهمة حتى بعد تلقي اللقاح. ولهذه الأسباب، ستراقب ليزا ماراجاكيس «البيانات بقلق» مع اقتراب موسم العطلات؛ فإذا بدأ الناس بالتجمع في بيوتهم أكثر، ربما يؤدي ذلك إلى مزيد من العدوى في صفوف المُلقَّحين ومزيد من الانتشار للفيروس.

الجرعات المعززة من اللقاح

تشير الكاتبة إلى العامل الآخر المهم هو المدة التي انقضت على تلقِّينا للقاح، فكما أظهرت الورقة البحثية من المملكة المتحدة، تبدأ الحماية من انتقال العدوى في التضاؤل بعد مضي ثلاثة أشهر، مع أن معظم البيانات تُشير إلى أن الحماية العامة لا تزال قوية. وفيما يخص الأشخاص تحت عمر 60 سنة، قد تؤدي الإصابة بالفيروس بعد تلقي اللقاح إلى التعب لمدة أسبوع، ولكن على الأرجح لن تؤدي إلى دخول المستشفى.

وقال كيدل إن هذه الفئة العمرية ليس من المرجح أن تنقل العدوى، لا سيما للمُلقَّحين، بفضل مناعتهم القوية. ولكن لا ينطبق الأمر نفسه على المُلقَّحين بعمر 65 سنة فأكثر، وهم الذين لديهم جهاز مناعي أضعف وأكثر عرضة للإصابة بالأعراض الخطرة من المرض ونقل العدوى. ومن هنا تبرز الحاجة لجرعات معززة من اللقاح. تقول ليزا ماراجاكيس: «سؤال المليون دولار الآن» هو: كم مرة سنحتاج فيها إلى جرعات معززة من اللقاح في الأشهر والسنوات المقبلة؟ 

Embed from Getty Images

قد لا نتوصل إلى اتفاق حول المدى الذي تكون فيه الإصابة بفيروس كورونا بعد تلقي اللقاح معدية، ولا بأس في ذلك. فعدم اليقين جزء من تعايشنا مع فيروس كورونا، حتى بعد مرور 20 شهرًا على الجائحة. وطالما نحن غير متيقِّنين، فتوخي الحذر أفضل طريقة للحفاظ على سلامة المحيطين بنا. تقول ليزا: «هذا يعني أن أي شخص يصاب بالعدوى، يجب أن يخضع للعزل، وسأكون مترددة جدًّا في إخبارهم بأنهم لن ينقلوا العدوى للآخرين». ولسوء الحظ، مع أن اللقاح يتيح لك القيام بعديد من الأنشطة بأمان، فإنه لا يمنحك حرية التصرف كما لو كنت في عام 2019. 

وتختم الكاتبة بالقول: في أفضل السيناريوهات، تصبح الإصابة مرةً أخرى بالفيروس بعد تلقي اللقاح مثل الإصابة بالإنفلونزا. يقول بروك: «في نهاية المطاف، سيصاب الجميع بهذا الفيروس في مرحلة ما، بغض النظر هل تلقى اللقاح أم لا، عندما يصبح الفيروس مستوطنًا». وإذا تلقى عدد كافٍ من الناس اللقاح، وإذا استمرت المناعة، فلن يكون هناك ما يدعو للذعر من أن الملقحين قد ينقلون العدوى.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد