رغم عزوف الناخبين عن التصويت ليمين الوسط في فرنسا، يسلط أستاذ العلوم السياسية، أندرو جلينكروس، الضوء على موقع فاليري بيكريس بين المرشحين الرئاسيين الآخرين في الانتخابات الفرنسية لعام 2022. 

يشير الكاتب في مطلع تحليله الذي نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية إلى أن إيمانويل ماكرون بدأ حملته الانتخابية غير الرسمية للانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2022. وقد كان فوزه عام 2017، في نظر عديد من المراقبين في الخارج، نتيجة تصويتٍ عِقَابِيٍّ رافِضٍ لسياسة منافسته اليمينية المتطرفة مارين لوبان، بَيْدَ أنَّ نجاح ماكرون في الانتخابات المقبلة مرهون بانهيار دعم حزب الجمهوريين، حامل لواء يمين الوسط في فرنسا.

يسترجع الكاتب العثرات التي واجهها حزب الجمهوريين في السنوات الأخيرة؛ على وقع فضيحة الفساد التي أطاحت مرشحه الرئاسي، فرانسوا فيلون، وعجز الحزب عن ضبط بوصلة هويته تحت قيادة عدد من الزعماء المخيبين للآمال. ولكنه يستدرك قائلًا إن حظوظ الحزب قد تكون على وشك التغيير، بعد اختيار فاليري بيكريس لتكون مرشحة الحزب للرئاسة.

من هي فاليري بيكريس؟

أوضح الكاتب أن فاليري بيكريس ليست مشهورة خارج فرنسا، وإن كان اختيارها لتصبح أول مرشحة رئاسية لحزب تأسس أصلًا لدعم شارل ديجول قد يرفع من مكانتها كثيرًا، ويقع معقلها السياسي في منطقة باريس، حيث تشغل منصب رئيسة منطقة «إيل-دو- فرانس». ولديها خبرة وزارية، كما عملت لسنوات عديدة في البرلمان الفرنسي، ولكن دون أن تترك بصمة كبيرة.

Embed from Getty Images

وكان أبرز مواقفها السياسية هو: معارضة تشريع زواج المثليين وتبنيهم للأطفال عندما طُرِح للتصويت قبل عقد تقريبًا، لكنها تراجعت عن موقفها ووافقت على قانون زواج المثليين؛ لتفوز برئاسة المجلس الإقليمي، ومع ذلك تعهدت بوقف تمويل منظمات المثليين ومزدوجي الميل الجنسي والمتحولين جنسيًّا؛ استرضاءً للمحافظين الكاثوليك.

مثَّلت فاليري بيكريس بوضوح الجناح الليبرالي لحزبها في انتخابات الإعادة التمهيدية الداخلية لحزب الجمهوريين، ويشهد تاريخها على وقوفها بحزم ضد اليمين المتطرف، حتى إنها دعمت علانية حملة ماكرون ضد مارين لوبان في عام 2017.

وكان إريك سيوتي، الذي فاجأ كبار الشخصيات في الحزب بفوزه في الجولة الأولى من التصويت، قد رفض دعم ماكرون في تلك الانتخابات، وأدى نجاحه في الجولة الأولى إلى إقصاء المتصدر الأول، كزافييه برتراند، وكذلك ميشيل بارنييه، وهو المرشح الذي اعتقد الكثيرون أن يقع عليه اختيار حزب الجمهوريين.

اختيار مرشح الحزب.. معركة محبطة

ونوَّه الكاتب إلى أن التصويت الداخلي لاختيار مرشح الرئاسة عن حزب الجمهوريين جرى بعد حملة أولية فشلت في إثارة اهتمام معظم المراقبين غير المتابعين للتطورات بصفة دائمة، لكن فاليري بيكريس كان لها دور في لفت انتباه المراقبين المهتمين بالانتخابات التمهيدية المليئة بالدراما.

دولي

منذ شهرين
«قمع المسلمين منحى وطني».. هل يصبح مسلمو فرنسا كبش فداء انتخابات 2022؟

أولًا، تركت فاليري بيكريس الحزب في عام 2019، ولم تعاود الانضمام رسميًّا إلا في أكتوبر (تشرين الأول)، ولم تكن بِدْعًا في محاولة قطع علاقتها مع الحزب الذي تراجعت شعبيته؛ إذ سبقها برتراند على هذا الطريق في عام 2017، وحافظ سيوتي على حظ وافر من ولائه لحزب الجمهوريين، لكن اتهامات الخيانة لا يبدو أنها ألحقت الأذى بفاليري بيكريس بقدر ما أضرَّت ببرتراند.

اشتبك المتنافسون على ترشيح الحزب في مناظرات تلفزيونية دارت حول رؤية الحزب اليميني المتطرف بشأن الهجرة، واتخذ سيوتي الموقف الأكثر تطرفًا؛ إذ دعا إلى إقامة «جوانتنامو فرنسي» لاعتقال الإرهابيين الإسلاميين المشتبه بهم، كما رفض إبداء الندم لعدم دعمه ماكرون ضد مارين لوبان في انتخابات 2017.

ولم يكن مفاجئًا أن يطلب برتراند وبارنييه – المدافعَان عما يُعرَف باسم «اليمين الجمهوري» لتمييز قِيَمِه عن اليمين المتطرف في فرنسا – من مؤيديهما حشد الدعم لصالح فاليري بيكريس في جولة الإعادة.

Embed from Getty Images

تمخضت النتيجة عن فوز فاليري بيكريس بأغلبية مريحة بلغت نحو 61% من أعضاء حزب الجمهوريين الذين شاركوا في التصويت والبالغ عددهم نحو 110 آلاف شخص، ومع ذلك، فإن استعداد ما يقرب من 40% من أعضاء الحزب لدعم سيوتي يشير إلى أن كثيرين داخل حزب يمين الوسط في فرنسا قد اتجهوا أكثر نحو اليمين.

وجه جديد في صفوف اليمين المتطرف

ويشير الكاتب إلى وجود وجه جديد في صفوف اليمين المتطرف، موضحًا أن صعود نجم المرشح المستقل إيريك زمور بروز قد يطغى على ظهور فاليري بيكريس منافسًا على الرئاسة. وكان زمور قد جذب اهتمام الصحف الفرنسية خلال فصل الصيف باستفزازاته العرقية القومية. وعلى الرغم من افتقاره إلى الانتماء الحزبي، وإعلانه الترشح متأخرًا في يوم 30 نوفمبر (تشرين الثاني)، فإن معدلات تأييده في استطلاعات الرأي تجاوزت معدلات تأييد مارين لوبان في شهر أكتوبر.

ويعتمد نجاح زمور في جزء كبير منه على إمبراطورية فنسنت بولوريه الإعلامية. وبولوريه ملياردير بريتانيٌّ (من منطقة بريتاني الفرنسية) تسيطر أذرعه على كبريات القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية ووسائل الإعلام المطبوعة، التي وفرت تغطية واسعة النطاق لتصريحات زمور المثيرة للجدل.

دولي

منذ 4 شهور
«خصيم المسلمين».. إريك زمور «نبي الكراهية» الذي قد يصبح رئيس فرنسا القادم

وقد ظهر زمور في مقطع مصور وهو يحاول إجبار امرأة في إحدى الضواحي الباريسية على خلع حجابها، وتبين لاحقًا أن المرأة لم تكن من سكان المنطقة، بل كانت تعمل في مجموعة بولوريه، التي تمتلك قناة «سي نيوز» الإخبارية، التي كان يعمل فيها زمور سابقًا، وهي التي صوَّرت الواقعة المثيرة.

ولفت الكاتب إلى أن بولوريه كاثوليكي تقليدي، يشتهر على نطاق واسع بمعاداته لماكرون، لأسباب تتجاوز الأيديولوجيا؛ إذ يلقي بولوريه باللائمة على الرئيس الفرنسي في اتخاذ القرارات التنظيمية التي أعاقت خطط عمله، وعلى الرغم من وجود أوجه تشابه بين دعم بولوريه لزمور، والدور الذي لعبته شبكة فوكس التابعة لروبرت مردوخ في منح دونالد ترامب وقتًا مجانيًّا للبث على الهواء، فليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن دعم بولوريه يضمن لزمور النجاح الانتخابي.

وتشير بيانات استطلاع أجري مؤخرًا إلى عودة الدعم لمارين لوبان؛ مما يجعلها تتفوق على زمور، وفي غياب حزب رسمي يدعمه، تنتظر زمور أيضًا معركة مضنية للمشاركة في السباق الرئاسي المزمع انعقاده في أبريل (نيسان)؛ ذلك أن القانون يشترط أن يحصل كل مرشح على دعم مُوَقَّع من 500 مسؤول منتخب ليخوض سباق الرئاسة.

طريق طويل نحو الفوز

يرى الكاتب أن خفوت نجم فاليري بيكريس نسبيًّا في الساحة العامة لا يعكس بدقة ما تتمتع به من مهارات سياسية وتكنوقراطية كبيرة؛ فهي خريجة المدرسة الوطنية للإدارة، وهي مدرسة النخبة التي ارتادها ماكرون نفسه، وقد أظهرت في مناظرة الحملة التمهيدية لحزب الجمهوريين أنها خصم قوي، كما أن استعادتها المفاجئة لتأييد الناخبين في استطلاعات الرأي تشير إلى الآفاق الرحبة التي تنتظرها إذا استطاعت توحيد يمين الوسط.

Embed from Getty Images

تحتاج فاليري بيكريس لعمل دؤوب؛ ولا غروَ فقد ظل الضعف ملازمًا ليمين الوسط الفرنسي منذ هزيمة نيكولا ساركوزي في عام 2012، بَيْدَ أنَّ مرشحي يمين الوسط فازوا بالرئاسة في معظم انتخابات العصر الحديث، وكانت فاليري بيكريس حريصة على الإشارة إلى مؤهلاتها الكاثوليكية لاستمالة الشريحة التي لا تزال تشكل القاعدة الانتخابية الرئيسية لليمين الفرنسي.

وستحتاج فاليري بيكريس كذلك إلى التغلب على مارين لوبان، التي لا تزال تفوقها في استطلاعات الرأي، لخوض الجولة الحاسمة في العام القادم. (من المقرر أن تجري الجولة الأولى من الانتخابات في 10 أبريل، وسوف تجري الجولة الثانية في 24 أبريل).

ويختم الكاتب تحليله قائلًا: حين تخوض فاليري بيكريس المعركة الانتخابية وجهًا لوجه ضد ماكرون، فإن مواهبها ستجعلها خصمًا شرسًا، حتى في مواجهة منافسها الذي أظهر تفوقًا كاسحًا على مارين لوبان في المناظرات التلفزيونية لعام 2017، صحيح أن ماكرون حتى الآن يعدُّ المرشح الأوفر حظًّا للفوز بإعادة انتخابه، لكنه هذه المرة سيحتاج إلى الانتباه أكثر للتهديد القادم من حزب الجمهوريين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد