استعرض الأكاديمي ستانلي ستيبانيك، أستاذ مساعد في اللغات والآداب السلافية بجامعة فيرجينيا، أسطورة مصاصي الدماء وكيف نشأت، وذلك في مقالٍ نشره موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي.

يستهل الكاتب مقاله بالقول إن مصاص الدماء يشكل صورة شائعة في الثقافة الشعبية اليوم، وتتخذ هذه الصورة أشكالًا عديدة: من ألوكارد، شخصية خيالية لابن مصاص الدماء دراكولا في سلسلة ألعاب الفيديو كاسلفينيا «سيمفوني أوف ذا نايت»، إلى إدوارد، العاشق الرومانسي المثالي في مسلسل «تويلايت».

يقول الكاتب: ومصاص الدماء اليوم بعيد كل البعد عن جذوره في فولكلور أوروبا الشرقية من نواحٍ عدَّة. وبوصفي أستاذًا للدراسات السلافية الذي درَّس دورة دراسية عن مصاصي الدماء تدعى «دراكولا» لأكثر من عقد من الزمان، فإنني دائمًا مفتون بشعبية مصاص الدماء، نظرًا لأصوله، بوصفه مخلوقًا شيطانيًّا يرتبط ارتباطًا قويًّا بالمرض.

تفسير المجهول

يوضح الكاتب أن أول إشارة معروفة إلى مصاصي الدماء ظهرت في شكلٍ مكتوبٍ باللغة الروسية القديمة في عام 1047جم، بُعيد انتقال المسيحية الأرثوذكسية إلى أوروبا الشرقية. وكان المصطلح الذي يصف مصاص الدماء هو أوبير (upir)، الذي له أصول غير مؤكدة، ولكن يشير معناه الحرفي المحتمل إلى «الذبيحة التي تكون في الاحتفال الديني أو القربان»، في إشارة إلى كائن روحي خطير محتمل يعتقد الناس أنه يمكن أن يظهر أثناء الطقوس المتَّبعَة عند دفن الموتى.

مجتمع

منذ 9 شهور
مترجم: عندما كان الإنسان « زومبي».. 10 أمثلة من التاريخ لأكل لحوم البشر

وكانت هذه كناية تُستخدَم لتجنب التحدث باسم المخلوق مباشرةً، ومن المؤسف أن المؤرخين قد لا يعرفون اسمه الحقيقي أبدًا، أو حتى عندما تظهر المعتقدات حوله.

لقد أدَّى مصاص الدماء وظيفة مماثلة لوظيفة عديد من المخلوقات الشيطانية الأخرى في الثقافة الشعبية في مختلف أنحاء العالم: يُلقى عليهم اللوم في مجموعة متنوعة من المشكلات، والمرض على وجه الخصوص، في وقتٍ لم تكن هناك معرفة بالبكتيريا والفيروسات.

وطرح العلماء عدة نظريات حول ارتباط الأمراض المختلفة بمصاصي الدماء. ومن المرجح أنه لا يوجد مرض واحد يمكن أن يمثل أصلًا بسيطًا «خالصًا» لأساطير مصاصي الدماء، وذلك لأن المعتقدات حول مصاصي الدماء تغيرت بمرور الوقت.

بيد أن هناك مرضَيْن على وجه الخصوص يُظهران روابط قوية مع تلك الأساطير؛ أحدهما هو داء الكلب، الذي يأتي اسمه من مصطلح لاتيني لـ«الجنون». وهو واحد من أقدم الأمراض المعروفة على كوكب الأرض، ينتقل من الحيوانات إلى البشر، وينتشر في المقام الأول من خلال عض الكلب للإنسان، في إشارة واضحة إلى سمة مصاصي الدماء الكلاسيكية.

Embed from Getty Images

وأضاف الكاتب أن هناك روابط غريبة أخرى. وأحد الأعراض الرئيسة للمرض هو رُهَاب الماء؛ بمعنى الخوف من الماء. وتدفع التقلصات العضلية المؤلمة في المريء ضحايا داء الكلب إلى تجنب الأكل والشرب، أو حتى ابتلاع لعابهم، الأمر الذي يسبب في نهاية المطاف وجود «رغوة في الفم».

وفي بعض الفلكلور الشعبي، لا يمكن لمصاصي الدماء عبور المياه الجارية دون حملهم أو مساعدتهم بطريقةٍ ما، امتدادًا لهذا العرض. وعلاوةً على ذلك، يمكن أن يؤدي داء الكلب إلى الخوف من الضوء، وتغيير أنماط النوم وزيادة العدوانية، وهي عناصر توضح كيفية وصف مصاصي الدماء في مجموعة متنوعة من القصص الشعبية.

أما المرض الثاني فهو البيلاجرا (الحُصَاف)، الذي يسببه نقص فيتامين النياسين الغذائي (فيتامين ب 3) أو الحمض الأميني تريبتوفان. وغالبًا ما ينتج مرض البيلاجرا عن طريق الوجبات الغذائية الغنية بمنتجات الذرة والكحول. وبعد وصول الأوروبيين إلى الأمريكتين، نقلوا الذرة إلى أوروبا. ولكنهم تجاهلوا خطوة أساسية في تحضير الذرة، وهي الغسيل، باستخدام الجير في كثير من الأحيان، وهي عملية تسمى النيكستاماليزيشن (nixtamalization) والتي يمكن أن تقلل من مخاطر الإصابة بمرض البيلاجرا.

ويسبب البيلاجرا التهاب الجلد والإسهال والخرف والموت. وكذلك يعاني بعض المصابين بهذا المرض من حساسية عالية تجاه أشعة الشمس، الموصوفة في بعض الصور لمصاصي الدماء، والتي تحوِّل لون جلدهم إلى ما يشبه جلد الجثة.

الرعب الاجتماعي

وينوِّه الكاتب إلى أن الأمراض المتعددة تظهر صلات بالفولكلور الشعبي حول مصاصي الدماء، لكنها لا يمكن أن تُفسِر بالضرورة كيف بدأت الأساطير في الواقع. ومرض البيلاجرا، على سبيل المثال، لم يكن موجودًا في أوروبا الشرقية حتى القرن الثامن عشر، بعد قرون من ظهور معتقدات مصاصي الدماء في الأصل.

ومع ذلك، فإن كلًّا من البلاجرا وداء الكلب مهمان، لأنهما كانا وباءَيْن خلال حقبة رئيسة في تاريخ مصاصي الدماء. وخلال ما يسمى بوباء مصاص الدماء العظيم، من عام 1725 إلى عام 1755 تقريبًا، «انتشرت» أساطير مصاصي الدماء انتشارًا كبيرًا في جميع أنحاء القارة.

ومع انتشار المرض في أوروبا الشرقية، غالبًا ما كان يُلقى باللوم على الأسباب الخارقة للطبيعة، وانتشرت هستيريا مصاصي الدماء في جميع أنحاء المنطقة. واعتقد كثير من الناس أن مصاصي الدماء هم «الموتى الأحياء»، بمعنى الأشخاص الذين عاشوا بطريقة ما بعد الموت، وأنه يمكن إيقاف مصاص الدماء بمهاجمة جثته.

Embed from Getty Images

وقد نفذوا ممارسة «دفن مصاصي الدماء»، والتي يمكن أن تتضمن وضع وتد في الجثة وتغطية الجثة بالثوم ومجموعة متنوعة من التقاليد الأخرى التي كانت موجودة في الفولكلور السلافي لقرونٍ عدة.

وفي الوقت نفسه، شهد الجنود النمساويُّون والألمان الذين كانوا يقاتلون العثمانيين في المنطقة هذا الانتهاك الجماعي لحرمة القبور وعادوا إلى أوطانهم في أوروبا الغربية مع قصص عن مصاصي الدماء.

وفيما يتعلق بالسؤال المطروح حول سبب ظهور كثير من هستيريا مصاصي الدماء في المقام الأول، أجاب الكاتب أن المرض كان هو الجاني الأساسي، ولكن كان هناك نوع من «العاصفة الكاملة» في أوروبا الشرقية في ذلك الوقت. لم يكن عصر وباء مصاص الدماء العظيم مجرد حقبة مرض، بل كانت حقبة اضطرابات سياسية ودينية أيضًا.

وخلال القرن الثامن عشر، واجهت أوروبا الشرقية ضغوطًا من الداخل والخارج، ذلك أن القوى المحلية والأجنبية مارست سيطرتها على المنطقة، مع قمع الثقافات المحلية في كثير من الأحيان. وقد كانت صربيا، على سبيل المثال، تناضل بين مَلَكية هابسبورج في أوروبا الوسطى والعثمانيين. وكانت بولندا تخضع خضوعًا متزايدًا لقوى أجنبية، فيما كانت بلغاريا ترزح تحت الحكم العثماني، وكانت روسيا تشهد تغيُّرًا ثقافيًّا دراماتيكيًّا بسبب سياسات القيصر بطرس الأكبر.

ويختم الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن تلك الضغوط تشبه إلى حدٍّ ما ما يحدث اليوم، إذ يتعامل العالم مع تفشي جائحة كوفيد-19 في خضم التغيير السياسي وحالة عدم اليقين. ويمكن أن يؤدي الانهيار المجتمعي المتصور، سواءً كان حقيقيًّا أم متخيَّلًا، إلى استجابات دراماتيكية في المجتمع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد