عبد الرحمن طه

18

عبد الرحمن طه

18

4,510

ليس التدهور البيئي أمرًا يُستهان به؛ ذلك لأن له من العواقب الاجتماعية والاقتصادية ما قد يُشعل فتيل أزماتٍ دولية مستعصية. حدث هذا من قبل في رواندا: حين مهّد تناقص الإنتاج الزراعي الساحة لجرائم الإبادة الجماعية في تسعينات القرن الماضي، وفي سوريا: حين طارد الجفاف سكّان الريف إلى المُدن في مطلع الحرب الأهلية المستعرة حاليًا.

ومِصر تواجه الآن خطرًا مُشابهًا. نهر النيل معرّضٌ لتهديدٍ مزدوجٍ، يتمثّل في سدّ النهضة الإثيوبي، وفي التغيّر المناخي الذي يتسبب في ارتفاع مستويات سطح البحر، ويهدّد بإغراق جزءٍ كبيرٍ من دلتا النيل في الشمال.

في تقريره بمجلة جامعة «يال» الأمريكية Yale Environment 460، يستعرض الكاتب «ريتشارد كونيف» الخطر المزدوج المحدق بنهر النيل، وآثاره المتوقّعة على مصر في المستقبل القريب.

اقرأ أيضًا: «عطشان مع إني بلد النيل».. الجفاف يضرب آلاف الأفدنة الزراعية في مصر

حين نامت مصر واستيقظت إثيوبيا

الدلتا هي منطقة منخفضة مثلثة رأسها القاهرة في الجنوب وتمتدّ حوالي 160 كم إلى الشمال نحو البحر المتوسّط. في دلتا النيل يعيش من 45 مليون إلى 50 مليون مصري، وأغلب السكّان الباقين يتكدّسون في وادي نهر النيل.

آخر التهديدات التي تواجه نهر النيل تأتي من سدّ النهضة الإثيوبي العظيم، المخطّط الانتهاء منه هذا العام على منابع نهر النيل. غطّى التمويل الذاتي أغلب تكاليف بناء السد البالغة 5 مليار دولار، على وعدٍ بأن يُنتج السدّ 6 آلاف ميجاوات من الطاقة. ولهذا أهمية كُبرى في بلدٍ يفتقر ثلاثة أرباع سكانه إلى الطاقة الكهربائية. ويُمكن أن تجلب مبيعات الفائض من الطاقة الكهربائية إلى الدول الأخرى حوالي مليار دولارٍ لإثيوبيا المُحتاجة بشدّة إلى العملة الصعبة.

لكن، لكي يتمكّن سد النهضة من تحقيق المنافع الموعودة، ستصنع إثيوبيا خزانًا يبلغ حجمه ضِعف حجم أكبر خزانات الولايات المتّحدة الأميركية، ليخزّن حوالي 74 مليار مترٍ مكعب من مياه النيل في مدّة تتراوح بين خمسة أعوام وخمسة عشر عامًا. هذه المليارات من الأمتار المكعّبة كانت لتمرّ إلى السودان ومن بعده مصر.

وتوضّح دراسةٍ نُشرت بمجلة المجتمع الجيولوجي الأميركي أثر هذا على تدفّق مياه النيل. «خلال تلك المدّة، ربّما يقلّ معدل تدفق المياه العذبة إلى مصر بحوالي 25%، مع فُقدان ثُلث الطاقة الكهربائية المولّدة من السد العالي في أسوان». وفقًا للدراسة، ربّما تواجه مصر «نُدرة في المياه العذبة والطاقة الكهربائية بحلول عام 2025»، وقد تواجه الزراعة في الدلتا، والتي تُنتج ما يقترب من 60% من الغذاء المصري، نُدرة في مياه الريّ كذلك.

إنّ مصر دائمًا ما أكّدت على حقها في نصيب الأسد من مياه النيل، متجاهلة
احتياجات دول حوض النيل. ورئيسها حسني مبارك في عهده الطويل انسحب فعليًا
من إفريقيا.

الأمر جدّ خطير؛ إلى الحد الذي جعل مسؤولين حكوميين في القاهرة، بحسب ويكيليكس، يتحدّثون في مرحلة ما عن قصفٍ جوي أو غارة فدائية تستهدف السدّ، لكن الحرب احتمال مستبعد، خاصة بعد توقيع مصر والسودان وإثيوبيا اتفاقية مُشتركة في 2015، ولِقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي برئيس الوزراء الإثيوبي في أديس أبابا يناير (كانون الثاني) الماضي، غير أنّهما لم يصلا إلى اتفاقٍ رسمي على كيفية مشاركة موارد النيل.

مِصر، على أية حال، لا تقف على أرضٍ صلبة تمكّنها من الوصول إلى اتفاقٍ يصبّ في مصلحتها. يقول هاري فيرهوفن، أستاذ السياسة الإفريقية بجامعة جورجتاون، إنّ مصر دائمًا ما أكّدت على حقها في نصيب الأسد من مياه النيل، متجاهلة احتياجات دول حوض النيل. ورئيسها حسني مبارك في عهده الطويل انسحب فعليًا من إفريقيا.

في الوقت نفسه، «بينما نامت مصر» على حد قول فيرهوفن، أعادت حكومة «بالغة الكفاءة» بناء الاقتصاد الإثيوبي، مُتناغمة مع المصالح الأمريكية والصينية في المنطقة، لتشنّ «هجومًا سياسيًا مائيًا يستهدف إعادة تنظيم المنطقة»، ليس فقط من الناحية السياسية والنظرية، وإنما على الأرض بتوثيق سيطرتها على مياه النيل، شُريان الحياة في المنطقة.

«من هذا المنطلق، من الصعب أن تشعر بالأسف على حال مصر».

التغيّر المناخي يزحف على أراضي الدلتا

لا تدخّر الدراسة جهدًا في توضيح أن السدّ ما هو إلا تحدٍ واحدٍ من ضمن عدّة تحديات بيئية تواجه مصر. أوضحها هو ارتفاع مستويات سطح البحر بفعل التغير المناخي. لا يتجاوز ارتفاع أغلب أراضي دلتا النيل عن سطح البحر مترًا واحدًا. يعني هذا أن ارتفاع مستوى سطح البحر نصف مترٍ فقط قد يقلّص مساحة الدلتا بنسبة 19%، وفقًا لتحليلٍ قاده الجيولوجي أحمد سيف النصر بجامعة أسيوط عام 2014.

تنحسر أراضي الدلتا أيضًا وتفقد خصوبتها بفعل غياب إمداد رواسب فيضان النيل، والتي يحجزها خزان السد العالي في أسوان، حيثُ تتكون دلتا أخرى تحت الماء. كذلك يُشير الجيولوجي جان دانييل ستانلي، الباحث الرئيس في الدراسة المُشار إليها سابقًا، إلى دور النشاط الزلزالي والتقلّص الطبقات الجيولوجية التحتية في انحسار أراضي الدلتا. وتُعزي بعض الدراسات ذلك الازدياد في النشاط الزلزالي في المنطقة إلى وزن السدّ العالي والمياه المخزّنة خلفه.

اقرأ أيضًا: كل ما تريد معرفته حول أزمة مياه حوض النيل وسد النهضة .. 13 سؤالًا تشرح لك كل شيء

لن يؤدي ذلك الانحسار إلى الفُقدان شبه المؤكد لمساحاتٍ من الأراضي الخصبة في الدلتا، وإنمّا سيؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر والانحسار المتزامنين إلى اقتحام المياه المالحة للموارد العذبة. وهو أمرٌ جلل في بلدٍ يعدّ بالفعل من أفقر البلاد في العالم من حيث نصيب الفرد من الموارد المائية المُتاحة، والذي يصل إلى 660 مترًا مكعبًا فقط من المياه العذبة للفرد. ارتفاع مستوى سطح البحر مترًا واحدًا قد يؤدي – وفقًا لأحمد سيف النصر – إلى خُسارة ثُلث كمية المياه العذبة في دلتا النيل.

يرى ستانلي أن مصر عند هذه النقطة يجدر بها البدء في الاستثمار في تحلية مياه البحر، مثل السعودية، وتقنيات الري بالتنقيط مثل إسرائيل. وربّما رفع الاستثمار الحكومي في برامج تنظيم الأسرة قد يساعدها على المدى الطويل في تقليل معدلات الزيادة السكانية.

الآن لم يعُد النيل حق المصريين المكتسب، والدلتا تُغمر تدريجيًا تحت مياه البحر. سيضطر الكثيرون من أبناء الشعب المصري – لا محالة – إلى البحث عن مستقبلهم في مكانٍ آخر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك