العقوبات الأمريكية على فنزويلا التي كان الهدف منها الإطاحة برئيس تعده واشنطن مستبدًا، أدت في نظر البعض إلى فرض تغييرات خففت التوترات وحسنت الحياة بالنسبة لشريحةٍ من الفنزويليين، بينما يلمس آخرون زيادة في انعدام المساواة؛ ما أبعد البلد عن ثورتها المستلهمة من الاشتراكية.

دولي

منذ شهر
«بلومبرج»: 7 أسئلة تشرح الوضع في فنزويلا بعد عام من الاضطرابات

هذا ما خلصت إليه تغطية أعدها مراسلا صحيفة «نيويورك تايمز» في كراكاس أناتولي كورماناييف وإيسين هيريرا، تناولا خلالها كيف خففت فنزويلا الضوابط الاقتصادية، وتركت باب الانتعاش مفتوحًا أمام المواطنين الأكثر ثراء، وهو ما يهدد بإنهاء الثورة.

يقول المراسلان: على أنغام الدي جي، يتمايل الشباب طربًا، ويتجمع عدد من طلاب المدارس الخاصة المراهقين وهم يرتدون أحذيتهم من «ماركة برادا» ويمسكون بحقائب من ماركة شانيل تكشف عن ثرائهم، يتناولون العصائر في شرفة مفتوحة في أحد البارات على جانب الجبل، ومن هذا المكان المرتفع يستطيع المرء أن يلقي نظرة أيضًا على ما يسمى بمدن الصفيح (الأحياء العشوائية) المنتشرة أسفل الوادي المتاخم لعاصمة فنزويلا، كراكاس.

وفي ضواحي المدينة الأكثر فقرًا يواصل السكان نضالهم في ظل نقص المياه وسوء التغذية. وفي المناطق الريفية الواقعة خارج العاصمة تزداد قتامة الصورة؛ إذ تنهار فنزويلا، ويفتقر السكان إلى أبسط الخدمات، مثل توفر الكهرباء، وتواجد الشرطة.

طفرة اقتصادية في العاصمة

من ناحية أخرى شهدت المناطق الأكثر ثراءً في العاصمة طفرة اقتصادية مذهلة في الأشهر الأخيرة. فمراكز التسوق التي كانت مهجورة منذ ستة أشهر أصبحت مزدحمة، وسيارات الدفع الرباعي المستوردة تجوب الشوارع طولًا وعرضًا، وتظهر مطاعم وحانات جديدة أسبوعيًا في الأجزاء الأكثر ثراءً في المدينة، وتمتلئ طاولاتها برجال الأعمال الأجانب، والسكان المحليين المتأنقين، والمسئولين الحكوميين المطلعين على بواطن الأمور.

Embed from Getty Images

يقول راؤول أنزولا، مدير صالة وبار 1956، التي استضافت الحفل: «لقد سئم الناس من عيش الكفاف، إنهم يريدون إنفاق الأموال، وتذوق طعم الحياة». وبين عشية وضحاها تقريبًا، جعل زعيم البلاد «المستبد»، نيكولاس مادورو، ذلك ممكنًا – بالنسبة للبعض.

في ظل تعطل اقتصاد البلاد جراء سنوات من سوء الإدارة والفساد، ووصوله إلى شفا الانهيار بسبب العقوبات الأمريكية، اضطر السيد مادورو إلى تخفيف القيود الاقتصادية التي اشتهرت بها حكومته الاشتراكية، والتي كانت أساسًا لشرعيته السياسية.

يضيف المراسلان: ساعدت التغييرات الجديدة في تحويل شكل فنزويلا بشكل ما. كان قليلون في واشنطن أو كاراكاس يتخيلون إمكانية حدوثه، لكن هذا يذكرنا كيف خففت حليفتاها كوبا ونيكاراجوا من السياسات الشيوعية وسمحوا ببعض الاستثمارات الخاصة عندما واجهوا انهيارًا اقتصاديًا في العقود السابقة.

فبعد سنوات من تأميم الأعمال التجارية، وتحديد سعر الصرف وتحديد أسعار السلع الأساسية – وهي التدابير التي ساهمت منذ فترة طويلة في حدوث حالات نقص مزمن في بعض الخدمات – يبدو أن السيد مادورو قرر تحقيق السلام مع القطاع الخاص وتخفيف القيود. وفي حين يستمر اقتصاد البلاد في الانكماش بشكل عام، شجع تخفيف اللوائح الشركات التي تخدم الأثرياء أو سوق التصدير على الاستثمار مرة أخرى.

فالتعامل بالدولار الأمريكي أصبح مقبولًا الآن في كل مكان، على الرغم من إدانة السيد مادورو المتكررة للولايات المتحدة باعتبارها أصل كل مشكلات فنزويلا. وأصبح من الصعب العثور على عملة البلاد – البوليفار – التي لا قيمة لها بسبب التضخم الشديد.

«الدولرة» ليست دائمًا سيئة

في مقابلة تلفزيونية بُثت في شهر ديسمبر (كانون الأول) قال مادورو: «لا أرى ذلك الأمر سيئًا، أقصد تلك العملية التي يطلقون عليها الدولرة»، في إشارة إلى حرية تداول الدولارات. وأضاف مادورو: «الحمد لله أن هذا الأمر موجود».

فرؤية الأرفف وقد اكتظت مرة أخرى بالسلع ساعد في تخفيف التوترات في العاصمة؛ إذ ساعد الغضب من عدم وجود الضروريات الأساسية على مر السنين في تأجيج الاحتجاجات الجماعية.

Embed from Getty Images

وفي ظل الاقتصاد الجديد، فإن مؤيدي السيد مادورو من النخبة الفنزويلية يعيشون بشكل رائع على الصفقات التجارية ومدخراتهم المُخَبئة من العملة الصعبة، والتي منعتهم العقوبات الأمريكية من إنفاقها في الخارج. وفي صالة بار 1956، قام المراهقون وأولياء أمورهم باحتساء الشمبانيا ومناقشة رحلات اليخوت القادمة. كما جلب التحول بعض الراحة لملايين الفنزويليين الذين لديهم عائلة في الخارج ويمكنهم الآن استقبال تحويلاتهم المالية التي يرسلونها بالدولار وإنفاقها في شراء الأغذية المستوردة، لكن الطفرة التي تحققت في البلاد كان لها ثمن.

فاقتصاد السوق الحرة الجديد يستبعد تمامًا نصف الفنزويليين الذين ليس لديهم إمكانية حيازة الدولار. وأدى هذا إلى تفاقم الظلم أو عدم المساواة، الذي تسبب فيه معظم الرأسماليين، وقوض دعوى السيد مادورو للحفاظ على إرث المساواة الاجتماعية الأكبر الذي خلفه سلفه، هوجو شافيز، و«الثورة البوليفارية» التي قادها. 

الفجوة بين الخطاب والواقع أصبحت كبيرة

يواصل السيد مادورو، في خطبه، ترويج رؤيته لدولة فنزويلا التي يتقاسم الجميع مواردها، لكن الفجوة بين الخطاب والواقع أصبحت أكبر من أي وقت مضى، كما قال راميرو مولينو، الخبير الاقتصادي في جامعة أندريس بيلو الكاثوليكية.

ويضيف السيد مولينو: «لقد أجبرت المعركة من أجل البقاء الحكومة على أن تصبح براجماتية، والشيء الوحيد الذي «لا يزال اشتراكيًا هو لغة الخطاب»، حتى أن بعض أعضاء الحزب الحاكم وصفوا التغييرات التي حدثت في عهد السيد مادورو بأنها خيانة لحركة السيد شافيز المستلهمة من الاشتراكية ورسالتها المعلنة لمساعدة الفقراء.

وقال إلياس جاوا، النائب السابق للرئيس شافيز، الذي لا يزال عضوًا في مجلس الحزب الاشتراكي للسيد مادورو: «هذه رأسمالية وحشية تمحو سنوات من النضال». واستقر إنتاج النفط، وهو أكبر مصدر للأموال في البلاد، بعد انخفاضه إلى أدنى مستوياته منذ أربعينات القرن الماضي، بعدما خفف السيد مادورو من قبضة الدولة على قطاع النفط وتبنى فكر الاستثمار الخاص.

ولكن بدلًا عن الاستمرار في الإنفاق العام السخي الذي ميز عصر شافيز حدث خفض شديد في البرامج الاجتماعية. وانخفض الإنفاق الحكومي الفنزويلي بنسبة 25٪ العام الماضي، وفقًا لمكتب (إيكواناليتكا) للاستشارات الاقتصادية ومقره كراكاس.

Embed from Getty Images

فنزويلا.. الصين الحارة

صاحب التحرير الاقتصادي الهائل قمع سياسي يهدف إلى القضاء على آخر بقايا المعارضة المنظمة لحكم السيد مادورو. وهذا النموذج الجديد دفع بعض الفنزويليين إلى تسمية بلادهم باسم «الصين المدارية».

وفي إشارة إلى الثقة في السوق، المكتسبة حديثًا، تقدمت حوالي 100 شركة فنزويلية بطلب لإصدار سندات جديدة في عام 2019، وهو أعلى رقم تحقق في عقد من الزمان. والأسبوع الماضي أكملت أكبر شركة لإنتاج النبيذ في البلاد «رون سانتا تيريزا» أول إصدار جديد للأسهم في البورصة المحلية منذ 11 عامًا.

ويتابع التقرير: خفضت الحكومة الإجراءات البيروقراطية، وغضت الطرف عن فرض الضرائب؛ مما أدى إلى طفرة في الصادرات الخاصة لكل شيء بدءًا من النفط إلى الشوكولاتة، وأثرت النخبة التجارية التقليدية المرتبطة بالطبقة السياسة. والعام الماضي تجاوزت واردات الشركات الخاصة واردات الدولة لأول مرة في تاريخ فنزويلا الحديث، وفقًا لما صرح به الخبير الاقتصادي، السيد مولينو. 

وقال المحاسب، زائير لوبيز، خلال مهرجان موسيقي عُقد مؤخرًا في كاراكاس واكتظ بالرواد، وبلغ رسم الدخول أو تذكرة الدخول 70 دولارًا أو ما يعادل 14 شهرًا من الحد الأدنى للراتب في البلاد: «هناك الكثير من المال يجري تداوله في الوقت الحالي، وما عليك سوى معرفة كيفية العثور عليه»

يتابع التقرير: كان المهرجان في الهواء الطلق، وضم أفضل فرق المهاجرين في فنزويلا، وقُدمت فيه المأكولات والمشروبات غالية الثمن، وكان أحد الأحداث الترفيهية العديدة التي ازدهرت في جميع أنحاء العاصمة التي كانت قاتمة في الأشهر الأخيرة.

تأثير الانفتاح الاقتصادي على الفنزويليين

استفاد المسؤولون والضباط العسكريون ذوو العلاقات القوية من عدد كبير من الفرص التجارية الجديدة والتنازلات الحكومية التي حدثت في كل شيء بدءًا من أنشطة تعدين الذهب إلى مجال الفنادق الشاطئية. ومن خلال حد الحكومة من إمكانية السفر للخارج والخدمات المصرفية الأجنبية، أجبرت العقوبات أيضًا هذه النخب على الإنفاق في الداخل؛ مما نشط الاستهلاك المحلي الترفيهي.

Embed from Getty Images

وهرعت الطبقات العليا والمتوسطة المعارضة للسيد مادورو، التي سئمت من انتظار حدوث التغيير السياسي، إلى الاستفادة من مدخراتها الأجنبية التي وفرتها خلال فترة الطفرة النفطية الفنزويلية في العقد الأول من القرن الماضي، عندما منحت الحكومة المواطنين مليارات الدولارات بأسعار صرف مدعومة للغاية.

ووفقًا لبيانات البنك المركزي في فنزويلا، كان لدى الفنزويليين ودائع في الخارج بقيمة 136 مليار دولار في عام 2018. فإذا ما تم تقسيمها بالتساوي بين الفنزويليين، فسوف يبلغ نصيب الفرد 4 آلاف و500 دولار، لكن لم يحتفظ كثير من الفنزويليين بمبالغ أكثر من ذلك بكثير.

ويعتمد المُصنَّفون بأنهم من ذوي المستوى الاجتماعي المنخفض بشكل متزايد على الأموال التي يرسلها ملايين الفنزويليين الذين هاجروا في السنوات الأخيرة للبقاء على قيد الحياة. فيتلقى حوالي 40٪ من الأسر الفنزويلية أموالًا من الخارج، أي ما مجموعه حوالي 3.5 مليار دولار سنويًا، وهو الأمر الذي أصبح ضروريًا للحفاظ على الاقتصاد الفنزويلي صامدًا، وفقًا لرأي الخبير  الاقتصادي، السيد مولينا.

وقال فيليكس سيجاس، مدير مركز ديلفوس لاستطلاعات الرأي ومقره كاراكاس: «لقد تمكنت الحكومة من تحقيق تأثير الوفرة، وهي قوية جدًا. إنها تجلب بعض الارتياح الذي يساعد على خفض التوتر الاجتماعي».

لكن نصف الفنزويليين تقريبًا لا يستطيعون الحصول على الدولار. فمعظمهم يعيش في المقاطعات، إذ يحيون بالكاد على المساعدات الحكومية التي تقدم بالعملة المحلية المنخفضة القيمة وعلى المواد الغذائية المدعومة، وفقًا لمركز ديلفوس لاستطلاعات الرأي. وأكثر هذا الطعام يُستورد أو يُعبأ بواسطة الشركات الخاصة التي سخر منها السيد مادورو ذات مرة، واصفًا إياها بدعاة الانقلاب والطفيليات.

وعلى الرغم من أن المحلات التجارية والمطاعم المزدحمة حسنت الحالة المزاجية في العاصمة بالنسبة للبعض، بعد سنوات من التدهور الاقتصادي المستمر، إلا أنها لم تغير الآفاق الاقتصادية العامة للبلاد.

نزيف الناتج المحلي الإجمالي في فنزويلا

من المتوقع أن يخسر الناتج المحلي الإجمالي لفنزويلا 10٪ أخرى هذا العام بعد أن تقلص بأكثر من الثلثين منذ عام 2013، وهو أكبر انخفاض في التاريخ الحديث خارج منطقة حرب، وفقًا لصندوق النقد الدولي.

Embed from Getty Images

ووفقًا لمركز ديلفوس لاستطلاعات الرأي، يعتقد حوالي 80٪ من الفنزويليين أنهم في وضع أسوأ أو حالهم الآن كما كان الحال قبل عام. وبينما خفضت التغييرات الاقتصادية للحكومة الحافز لدى المواطنين للقيام بالمظاهرات، على الأقل في العاصمة، قال اثنان من أصل ثلاثة فنزويليين إنهم سيحتجون، إذا كانت الظروف مناسبة.

وقال السيد سيجاس: «لقد هدأ السخط، لكنه لم يذهب للأبد». فبالنسبة لمعظم الفنزويليين، لم تحقق إصلاحات السيد مادورو سوى تخفيف هامشي للدمار الاقتصادي الذي حدث في السنوات الأخيرة.

فها هي ماريلي مارين، البالغة من العمر 30 عامًا، تبيع حلوى «غزل البنات» في ميدان بوسط مدينة كاراكاس، لتكسب دولارين فقط في اليوم، وهو مبلغ بالكاد يكفي لشراء الطعام ولا يكفي لعلاج أمراض الجهاز التنفسي التي أفقدتها إحدى الرئتين مؤخرًا.

وقالت ماريلي عن حشود الأشخاص الذين يأخذون صور سيلفي في الميدان المضيء ويصطفون مع بائعي الشوارع الذين يجوبون الميدان لبيع الفشار والحلويات: «إنها طريقة للتستر على الواقع. فأولئك الذين عرفوا فنزويلا أخرى يفهمون أن الأمور ليست على ما يرام. ومن الواضح أن الأزمة ما زالت مستمرة».

دولي

منذ شهر
«ن. تايمز»: لماذا البرازيل هادئة في حين تشعل الاحتجاجات بقية القارة اللاتينية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد