سلط تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية الضوء على التصويت المثير للجدل المزمع عقده اليوم الأحد في فنزويلا لانتخاب جمعية تأسيسية تتألف من 545 عضوًا لوضع دستور جديد للبلاد. وتسعى المعارضة، التي تنظم مظاهرات شبه يومية في البلاد منذ عدة أشهر، إلى إلغاء التصويت والدخول في عملية انتقال سياسي في البلاد، وتتهم الرئيس نيكولاس مادورو بمحاولة تهميش البرلمان الذي تهيمن عليه وبمحاولة إضعاف الديمقراطية.

وقال تقرير الصحيفة الأمريكية: إن علامات الديمقراطية الفنزويلية تم تنحيتها واحدة تلو الآخرى جانبًا:

أولًا، يسيطر القضاة الموالين للرئيس على المحكمة العليا بالبلاد، فيما حُرم العديد من مشرعي المعارضة من أخذ مقاعدهم. بعد ذلك، ألغى القضاة القوانين التي عارضها الرئيس، وأُوقفت فجأة انتخابات المحافظين في جميع أنحاء البلاد، ثم حكمت المحكمة لصالح حل السلطة التشريعية تمامًا.

والآن، يدفع الرئيس مادورو في اتجاه خطة جذرية لتعزيز قبضة حركته اليسارية على الأمة: فهو ينشئ هيئة سياسية تتمتع بسلطة إعادة كتابة دستور البلاد وتعديل أو تفكيك أي فرع من فروع الحكومة يوصف بأنه غير موال للرئيس.

من المتوقع أن تمنح الهيئة الجديدة التي تسمى الجمعية التأسيسية سلطة غير محدودة تقريبًا لليساريين في البلاد.

وسوف يتوجه الفنزويليون إلى صناديق الاقتراع اليوم الأحد للتأثير على الخطة، ولكن لن يكون لديهم خيار رفضها، على الرغم من أن بعض استطلاعات الرأي تظهر أن الأغلبية الكبيرة تعارض إنشاء الجمعية. وبدلًا عن ذلك، سيطلب من الناخبين فقط اختيار مندوبي الجمعية، واختيارهم من قائمة من المؤيدين لحركة مادورو السياسية. وسيكون للجمعية الجديدة سلطة تفوق كل السلطات الحكومية الأخرى – حتى من الناحية التقنية – الرئيس – مع نوع من السلطة التي لم يسبق لها مثيل.

اقرأ أيضًا: الاحتجاجات في فنزويلا.. هكذا تعلو أصوات الجماهير فوق صوت المعركة

تهديد للديمقراطية

ونقل التقرير عن ديفيد سميلد، المحلل في مكتب واشنطن في أمريكا اللاتينية، وهو فريق للدفاع عن حقوق الإنسان، قوله: «هذا تهديد وجودي للديمقراطية الفنزويلية».

وتضم قائمة المندوبين أعضاء فاعلين في الحركة السياسية للرئيس، من بينهم ديوسدادو كابيلو، وهو كبير المشرعين في الحزب الاشتراكى الحاكم، الذي تورط في محاولة انقلاب فاشلة في التسعينات، وزوجة الرئيس سيليا فلوريس. غير أن التقرير ذكر أن الدفع باتجاه توطيد السلطة يضع البلاد أيضًا على مفترق طرق محفوف بالمخاطر.

وقال التقرير: «بما أن مادورو يوجه بلاده نحو حكم الحزب الواحد، فإنه يضعها على مسار تصادم مع الولايات المتحدة التي تشتري ما يقرب من 50% من نفط فنزويلا. يوم الأربعاء، جمدت إدارة ترامب أموال 13 فنزويليًا مقربين من مادورو، بمن فيهم وزير الداخلية ورؤساء الجيش والشرطة والحرس الوطنى، وحظرت على الأمريكيين التعامل معهم».

قال ترامب: إن الإدارة تحذر من اتخاذ إجرءات أشد في حال تم تمرير التصويت. ووصف بيان للبيت الأبيض مادورد بأنه «الزعيم السيئ الذي يحلم بأن يصبح ديكتاتور».

وفقًا للتقرير، هناك أيضًا احتمالات باندلاع احتجاجات واسعة في شوارع فنزويلا. وقد حشدت المعارضة مدفوعة بمشاعر إحباط وغضب من حكومة مادورو، تظاهرات امتدت لأكثر من ثلاثة أشهر، وهي الاحتجاجات التي شلت المدن بإضرابات عامة ومظاهرات ونهب. وقتل أكثر من 110 شخص، وأصيب الكثيرون في اشتباكات بين الدولة والمتظاهرين المسلحين.

حتى أعضاء الجمعية الجديدة أنفسهم سيكونون خطرًا محتملًا. ونقل التقرير عن بعض المحللين قولهم إن قوتهم ستكون واسعة جدًا لدرجة أنهم قد يطيحون بمادورو من منصبه؛ مما ينهي الرئاسة التي لم تحظَ بشعبية كبيرة، حتى بين العديد من اليساريين.

ويدعي مادورو أن إعادة هيكلة الحكومة ضرورية لمنع المزيد من إراقة الدماء في الشوارع، وإنقاذ اقتصاد فنزويلا الفاشل الذي يعاني من نقص الأغذية والأدوية. ورفض الرئيس التفاوض مع المتظاهرين في الشوارع، واصفًا بعضهم بالإرهابيين، مؤكدًا أنهم يمولون من قبل حكومات خارجية تحاول الإطاحة به. وقال: إن ميثاقًا جديدًا للحكم سيعطيه أدوات واسعة النطاق «لبناء السلام». التقرير نقل ما ذكره مادورو خلال مقابلة مع تلفزيون الدولة هذا الشهر: «إننا بحاجة إلى النظام والعدالة. ليس لدينا سوى خيار واحد، وهو جمعية تأسيسية وطنية».

اقرأ أيضًا: «واشنطن بوست»: طلاب الجامعات.. كيف أداروا معركتهم ضد الحكومة في فنزويلا

تراجع شعبية اليسار

أشار التقرير إلى أن الاضطرابات التي تجتاح فنزويلا تظهر الانخفاض الكبير في شعبية اليسار الفنزويلي منذ وفاة الرئيس هوجو شافيز، في عام 2013. وكان تشافيز أشرف على آخر إعادة صياغة للدستور في عام 1999، الذي كان مدعومًا على نطاق واسع من قبل الناخبين الذين دفعوه إلى منصبه معتقدين بأن كتاب الحكم في البلاد كان يفضل الأغنياء.

وقد أدى هذا الدستور الجديد – وارتفاع أسعار النفط – إلى إحداث تحول مستوحى من الاشتراكية في فنزويلا. وساعد ذلك على تمكين شافيز من إعادة توزيع ثروة الدولة على الفقراء، وتأميم الأصول الأجنبية. كما ترك الدستور الباب مفتوحًا لاحتمالية إنشاء جمعية تأسيسية أخرى في المستقبل.

وقد اتخذ مادورو هذا الخيار الآن في وقت يعاني فيه اليساريون من أعمق أزمة خلال عقود. هذه المرة، الفنزويليون يرون أنه طعنة في قلب الإصلاح من قبل الطبقة الحاكمة التي تكافح للحفاظ على السلطة. وبموجب قواعد التصويت، سوف تسيطر الجمعية التأسيسية على مقاليد البلاد خلال 72 ساعة من اعتمادها رسميًا، على الرغم من أنه من غير الواضح لمعظم الناس ما سيحدث بعد ذلك.

وقد اقترح بعض السياسيين بالفعل استبدال «المجالس البلدية» بالحكام ورؤساء البلديات. وطالب كبار أعضاء حزب مادورو بإقالة لويزا أورتيغا، النائب العام، الذي انتقد حملة مادورو ضد المتظاهرين.

اقرأ أيضًا: «بروكنجز»: 10 معلومات تود معرفتها عن احتجاجات فنزويلا الأخيرة

تفكيك البرلمان

التقرير رصد مخاوف الكثيرين من أن الخطوة الأولى للجمعية التأسيسة عقب اعتمادها على الأرجح ستكون إلغاء السلطة التشريعية في البلد، وهو تكتيك استخدمه تشافيز عند إعادة صياغة الدستور في عام 1999.

لم يسيطر اليساريون على السلطة التشريعية آنذاك، والشيء نفسه صحيح اليوم. وعلى مدى أكثر من عام، انتقصت المحاكم القريبة من مادورو من صلاحيات المشرعين المعارضين، وألغت القوانين التي عارضها الرئيس.

وقال منظمون لتصويت رمزي ضد الإجراء هذا الشهر: إن اكثر من سبعة ملايين ناخب قد أدلوا بالتصويت، مع تأييد 98% للمعارضة. من بين المعارضين للتصويت خوان قويدو، المشرع المعارض، الذي يخشى من أن تقوم الجمعية التأسيسية بتفكيك المجلس التشريعي، وبتصفية فعلية لأية سلطة سياسية يحملها منافسون لمادورو، ونقل التقرير عنه قوله: «إذا كان هناك شيء باق من الديمقراطية الفنزويلية المضطربة، فإنها القوى التي انتخبها الشعب بشكل شرعي مثل الجمعية الوطنية. ومن شأن التصويت أن يخلق دكتاتورية شمولية وقمعية».

يقول البعض: إن المعارضة فشلت في تقديم بدائل واضحة لمادورو. وقالت إيفا غولينجر، المحامية الأمريكية التي كانت إحدى المقربين من شافيز، إن منافسي اليسار ركزوا بشدة على انتزاع السلطة من الرئيس، وهو أمر يمكن أن يخاطر بحرب أهلية أوسع نطاقًا.

وقالت غولينغر، التي تعارض خطوات مادورو لإعادة صياغة الدستور: «إنهم يحتشدون فقط حول تغيير النظام». وستكون الجمعية التأسيسية أيضًا قادرة على اتخاذ خطوة لم ينهها من قبل تشافيز: خلق دستور أكثر اشتراكية.

حاول شافيز في وقت لاحق تعديل وثيقته لعام 1999 مع التغييرات التي قال: إنها ستسرع مسار ثورته الشعبوية. إلا أن الإجراءات الإضافية لم تحظ بقبول واسع من قبل الناخبين في عام 2007. وقد اقترح مادورو مخططًا من تسع نقاط يتضمن زيادة الإنفاق العام على التعليم والرعاية الصحية؛ مما يتيح للمنظمات الاشتراكية زيادة قدرات الحكم واتخاذ إجراءات غير محددة لمنع التدخل الأجنبى فى فنزويلا، وفق ما أورده التقرير.

ويتوقع المحللون أيضًا أن الدستور الجديد يمكن أن يعزز السياسة الاقتصادية التي يفضلها الرئيس، والتي يلقي العديد من الاقتصاديين باللوم عليها في تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد.

مع توقع مقاطعة الكثير من قوى المعارضة التصويت، ثمة توقعات بأن يحرص معظم الفنزويليين الموالين لحزب مادورو على التوجه إلى صناديق الاقتراع. ونقل التقرير عن ماريا إيلينا بيريز، 54 عامًا، وهي ناشطة يسارية في العاصمة كاراكاس، قولها إن الوقت قد حان لكتاب حكم جديد. وقالت: «إن الدستور الحالي ضعيف، وهناك الكثير من المواد التي يتعين إصلاحها».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد