1,833

في الآونة الأخيرة تردت الأوضاع الاقتصادية في فنزويلا بوتيرة متسارعة، إلى الحد الذي شد الآلاف رحالهم باحثين عن وجهة تأويهم بعيدًا عن جحيم الوطن، وربما لم يبق سوى المواطنون الأكثر فقرًا ممن يعجزون عن توفير تكاليف السفر التي باتت باهظة ككل شيء في البلاد، والذين صار الكثير منهم يقايض المنتجات للحصول على طعام له، أو حتى ينبش الفضلات أملًا في العثور على ما يسد رمقه. في تقرير له في مجلة «ذا سبكتاتور» البريطانية، يتحدث جيسون ميتشن عن الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يعيشها الفنزويليون، وعن آخر خطة لنيكولاس مادورو التي لا يفتأ يتحدث عما تحمله للفنزويليين لإنهاء معاناتهم، والتي لا تبدو لهم وللعالم إلا ضربًا من الجنون.

عملة جديدة بلا أصفار.. خطة مادورو لمواجهة الأزمة

يفتتح ميتشن حديثه طالبًا منا أن نتخيل تيريزا ماي وقد أعلنت فجأة أن حكومتها ستخفض قيمة الجنيه الإسترليني بنسبة 96%، وفي الوقت نفسه سترفع الحد الأدنى للأجور إلى 6000%، وستقوم بتحمل زيادة الأجور في ملايين الأعمال لمدة ثلاثة أشهر، وستربط الجنيه بعملة رقمية افتراضية (Cryptocurrency)، وستستعد لترشيد توزيع البترول، وستفرض ضريبة بنسبة 0.7% على المعاملات المالية الضخمة، ويؤكد الكاتب أننا بلا ريب سننظر إلى ذلك على أنه فعل جنوني، أو بلد منهار أو كليهما، أما بالنسبة للشعب الفنزويلي الذي طالت معاناته، ليس كل ذلك إلا أحدث مرحلة ضمن التجربة الاشتراكية الكبرى في بلاده.

يضيف الكاتب أن الرئيس نيكولاس مادورو قد أصدر لتوه عملة جديدة تعرف بـ«البوليفار السيادي»، وكانت الفكرة الأساسية أن تكون هذه العملة الجديدة ممثالة للقديمة مع استبعاد ثلاثة أصفار، لكن التضخم المفرط خرج عن نطاق السيطرة بحيث استبعدت الحكومة خمسة أصفار بدلًا من ثلاثة.

الرئيس نيكولاس مادورو حاملًا صورة لعملته الجديدة «البوليفار السيادي» ومن خلفه لوجو لعملته الرقمية «البترو» – libya360

كان من المفترض أن تكون خطة مادورو الجديدة، عملية كبيرة لإعادة ضبط الاقتصاد -كما يصف الكاتب في تقريره-، لكن عند إطلاقها فوجئ الناس أثناء محاولتهم السحب من آلات الصرافة بوجود حد للسحب يصل إلى 10 بوليفارات سيادية في اليوم، ولم يكن هذا الاكتشاف إلا الجزء الأحدث مما دعاه مادورو بـ«الوصفة السحرية المثيرة للإعجاب» لاستعادة الاقتصاد، أما الفينزويليون -سكان البلد الذي كان في أحد الأيام ذا أقوى اقتصادٍ في أمريكا اللاتينية-، فلا يرون سحرًا في ذلك، بل مزيدًا من البؤس وحسب.

ارتفع الحد الأدنى للأجور في يوليو (تموز) الماضي للمرة الألف هذا العام ليصل إلى ثلاثة ملايين بوليفار أي ما يعادل 30 بوليفار سيادي (نصف دولار شهريًا)، ثم ارتفع مجددًا في الشهر الماضي ليصل إلى 1800 بوليفار سيادي ما يعادل 30 دولارًا في الشهر، وتعرض حكومة مادورو تغطية الزيادة في الرواتب التي وصلت إلى 60 ضعفًا لأن أرباب العمل يقولون أنهم غير قادرين على تغطيتها، ومع نقص الأدوية والطعام الأساسي والسقوط الحر للاقتصاد، بدأ مليونان من قاطني الأحياء الفقيرة مقايضة البضائع للبقاء على قيد الحياة.

ويشير الكاتب إلى أن تغييرات مادورو الجديدة كانت بإيعازٍ من إيران وروسيا، متسائلًا عن الفائدة التي يمكن أن تعود عليهم من وراء تدمير بلدٍ كان ذات يومٍ غنيًا؟

الفنزويليون حقل لمزيد من التجارب الفاشلة

يصف التقرير فنزويلا بأنها مثلت مختبرًا اقتصاديًا عملاقًا لسنوات عديدة، تحول فيه مواطنوها البالغ عددهم 32 مليونًا إلى حقلٍ للتجارب، وقد أدان العالم أجمع نظام مادورو، باستثناء جيرمي كوربين الذي هاتفه ليهنئه على انتصاره في الانتخابات ورفض إدانته، وتجربة مادورو الأخيرة لا تخفي سرًا، وربما تقود إلى كارثة اقتصادية أعظم، بل قد توصل البلاد إلى مجاعة هائلة.

ويقول الكاتب: إن تجربة فنزويلا تضع مبادئ الاشتراكية على المحك؛ فإذا كان الاقتصاد عاجزًا، قم بإصدار المراسيم، وإذا قل المال، استدن أو اطبع المزيد منه، وإذا ارتفعت الأسعار، أصدر أمرًا بتثبيتها، وليس ذلك إلا صورة مكبرة من الأفكار التي يقترحها كوربين على نطاق أصغر، ويمكن للعالم الآن أن يشاهد النتائج.

تقول باولا رودريجز الموظفة البالغة من العمر 32 عامًا: «الجميع فزعون ولا يستطيعون النوم، فنحن لا نعلم ما الآتي، وما يحدث كثير لنتلقاه دفعة واحدة».

وقد توقع صندوق النقد الدولي أن يصل التضخم إلى مليون بالمئة بنهاية هذا العام -حتى قبل اتخاذ التدابير الجديدة-، وفي هذه اللحظة تتضاعف الأسعار تقريبًا كل شهر. يقول أحد الاقتصاديين عن الإصلاحات «إنها تشبه سكب دلو من البنزين على النار».

تواجه فنزويلا الآن واحدًا من أسوأ التضخمات في التاريخ كما يقول الكاتب مستدعيًا ما يصفه آدم فيرجسون في دراسته المهمة عن مدينة فيمار الألمانية والتي تحمل عنوان «عندما يموت المال»: «عندما تتبخر المدخرات، ويصبح الدفع بلا جدوى، وتفقد الأوراق المالية قيمتها إلى الحد الذي لا يكلف فيه المتسولون أنفسهم عناء التقاطها من الشوارع،  إنه ليس خرابًا اقتصاديًا وحسب، بل تداعياتٍ اجتماعية مروعة متمثلة في النهب والفساد في ظل قيادة ميؤوس منها.»

Embed from Getty Images

بوليفارات فنزويلية بقيت على الرصيف في الشارع بعد أن ألقى بها المتظاهرون

وفي مقارنة مع أسوأ التضخمات في التاريخ يعود بنا التقرير إلى أغسطس (آب) عام 1922، حيث بلغت نسبة التضخم في ألمانيا 22% لليوم، وفي يوليو (تموز) عام 1946 سجلت المجر أسوأ تضخم في التاريخ حيث كانت الأسعار تقفز بنسبة 207% في اليوم (أي تتضاعف كل 15 ساعة)، وكان ثاني أسوأ تضخم في التاريخ من نصيب زمبابوي في مارس (آذار) عام 2007 حيث بلغت نسبته 98% في اليوم (أي تتضاعف الأسعار كل 24.7 ساعة)، وحتى الآن لم تحطم فنزويلا هذه الأرقام المروعة.

يقول ستيف هانكي أستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة جوبز هونكز -التي قدمت استشارات للحوكمة لمواجهة التضخم-: «إن إزالة الأصفار ليست سوى شيء تجميلي ليس له قيمة ما لم تتغير السياسة الاقتصادية».

لقد أوصدت معظم المتاجر والشركات في فنزويلا أبوابها مترقبة نجاح التغيرات الأخيرة، والخوف الكبير من ألا يستطيع أكثرها توفير الحد الأدنى الجديد للأجور، فتظل مغلقة إلى الأبد، وحيث يعمل 11 مليون فنزويلي في شركات صغيرة أو متوسطة، فسيتم تسريح أكثرهم مفاقمين الكارثة الاجتماعية التي لا يمكن تصورها، وقد تحاول الشركات تحميل هذه الزيادة في الرواتب لعملائها لكنها لن تكون متأكدة من مقدرتهم على دفع أسعار أعلى بكثير للحصول على البضائع والخدمات.

وينقل التقرير قول كارلوس ستيف -مالك مخبز صغير في مدينة ميريدا في جبال الأنديز الفنزويلية-: «لقد رفعت الأسعار 40 مرة هذا العام، ولا أستطيع أن أتخيل رفعها إلى 60 ضعفًا، وقد سرحت 5 من العاملين لدي في العامين الماضيين، وعلى وشك التخلي عن آخر اثنين»، ويضيف متشككًا في عرض مادورو تحمل نفقات العاملين: «هل يمتلكون الأنظمة المعمول بها؟ كيف سنحصل على المال؟ هذه الحكومة عديمة الفائدة ولا أظنها قادرة على تحقيق ذلك، هل يخططون للاستحواذ على أعمالنا وتأميمنا؟»

عادة ما يقال أن فنزويلا لا تمثل الاشتراكية الصحيحة، وهذا ما يراه أيضًا بعض أنصار كوربين، كما يوافق عدد قليل من اليسار الفنزويلي -وربما يحث في بعض الأحيان- الحكومة على الذهاب إلى حد أبعد في تجربتها الاشتراكية، لترسيخ «الثورة البوليفارية» عن طريق إقامة مجتمع عملاق واحد، وحتى الآن كشفت هذه الفكرة عن حماقتها الشديدة حتى لمادورو نفسه، ومع ذلك هي على وشك أن تتحقق، بما أن الحل الذي تقدمه الدولة لأي شيء لا يكون بأقل من تدخل مأساوي منها.

ما «البترو» ولماذا يعد فكرة فاشلة؟

وقد قفز مادورو قفزة عنيفة تجاه تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين -كما يصف الكاتب-، عندما ربط البوليفار بالعملة الرقمية المسماة «بترو»، نظريًا قد تعني حركة كهذه التحرر من سطوة الدولار والسلطات النقدية أو «مافيا الأموال» كما صار يسميها مادورو مؤخرًا، وقد أُنشئ «البترو» بواسطة حكومته، ومن المفترض أنه مربوط باحتياطها من النفط، أي أن قيمة البترو تعادل قيمة برميل النفط، ويُعتقد أن روسيا وتركيا وإيران فكروا فيما إذا كان عليهم خوض تجربة مماثلة، أي طرح عملة رقمية وربطها ببعض أصولهم القومية، فيتسنى لهم التغلب غلى العقوبات المفروضة عليهم، عبر البيع لمستثمرين أجانب.

Embed from Getty Images

الرئيس مادورو أثناء إعلانه عن عملته الرقمية الجديدة «البترو»

وحيث أن قيمة البترو لا تتحرك صعودًا وهبوطًا على حسب الطلب، وحيث أنه عرضة للاعتداء التعسفي الذي يعامل به مادورو عملته الورقية، فسينظر إليه باعتباره احتيالًا بادئ ذي بدء، وهذا بالفعل ما وسمته به وكالة التصنيفات «ICOindex»، وعندما يكون ما تقدمه بلا قيمة في عالم العملات الرقمية، فأنت تواجه مشكلة كبيرة بلا شك.

ويرى الكاتب أنه واقعيًا لن تثق الأسواق في عملة رقمية لا يمكن استبدالها بالدولارات أو بالنفط، كما لن تثق أو تقرض حكومة متأخرة في سداد ديونها الخارجية التي تصل إلى 6 ملايين دولار، وما دامت الدولة متورطة في طباعة مزيد من الأوراق النقدية بلا ضابط، فلا سبيل لترويض التضخم.

اشتراكية مادورو لا تنحاز إلى الفقراء كما تزعم

وقد وصف التقرير الأسابيع القليلة الماضية لمادورو بالعصيبة، فقد كان هدفًا لأول محاولة اغتيال عبر طائرة بلا طيار في العالم، الحادثة التي يظن الكثيرون أنها أفقدته صوابه تمامًا.

ويرى الكاتب أن الحادثة ربما كانت محاولة من مادورو لاستبعاد الطبقة المتوسطة المثيرة للمتاعب خارج البلاد، ليتسنى له إخضاع الفقراء عبر تجويعهم، وحسب تقدير الأمم المتحدة فقد فر حوالي 2.3 مليون فنزويلي مذ وصل مادورو إلى السلطة، مخلفين أزمة لاجئين في أمريكا اللاتينية تنافس أزمة اللاجئين السوريين، بل وتلقي بظلالها على أمريكا الشمالية أيضًا، الأمر الذي جعل الرئيس دونالد ترامب يهدد مرارًا وتكرارًا بالتدخل العسكري في فنزويلا.

Embed from Getty Images

مهاجرون فنزويليون على الحدود الكولومبية

مرت خمس سنوات منذ أن خَلَف مادورو هوجو شافيز البطل الدولي لليسار المتشدد، والذي قال عنه كوربين عند وفاته: «لقد استحق الشكر لأنه أظهر أن أمر الفقراء مهم، وأن الثروة يمكن تقاسمها»، كما ألهم السياسيين حتى في بريطانيا بـ«التقدم»، لكن التقدم نحو ماذا؟ -يتساءل الكاتب-، مشيرًا إلى أن شافيز كان هو من يتولى منذ عشر سنوات إزالة الأصفار من الأوراق النقدية ليخلق ما يفترض به أن يكون بوليفارًا «قويًا»، وكان يفاقم العجز لاعتقاده بأن المال المقترض سينمي الاقتصاد بطريقة ما ويسدد نفسه، من هنا فقد حق لمادورو أن يطلق على نفسه «ابن شافيز»، إذ يواصل ما بدأه سلفه من تفكيك للاقتصاد عبر تنظيم وتأميم وإفساد صناعات بلاده.

ويبدو أن دياني أبوت كانت محقة في قولها: «إن أهمية فنزويلا تكمن في إظهارها أن الطريق الآخر ممكنًا»، إنها تظهر أنه في حين ينتشر نظام الأعمال الحرة عبر العالم، فإن الأيديولوجيات السياسية ما زال بوسعها أن تقلب الدول الغنية على أعقابها.

يتحدث مادورو الآن عن تدابير تقشفية لمواجهة النيوليبرالية القاسية، تتضمن ارتفاعًا هائلًا في أسعار البنزين (آخر مرة تم فيها ذلك أعقبتها أعمال شغب)، وقد لا يكون ذلك سوى دفعة صغيرة من عذاب قادم.

ويرى الكاتب أن الركود الفنزويلي الحالي يفوق الكساد الكبير الذي عانت منه الولايات المتحدة، فقد انخفض الناتج الاقتصادي إلى النصف تقريبًا في السنوات الأربع الماضية، ويتوقع خبراء صندوق النقد الدولي أن ينخفض من جديد هذا العام بنسبة 18%، وبالمقارنة فقد انخفض الاقتصاد الأمريكي بنسبة 30% بين عامي 1929 و1933.

كما يرى أن إخفاق الاشتراكية يتجلى في الانخفاض الحاد في إنتاج النفط، من 2.8 مليون برميل في اليوم منذ تولي شافيز السلطة عام 1999، إلى 1.3 مليون برميل في اليوم الآن، ويشكل النفط 95% من صادرات البلاد وقد تنخفض هذه النسبة إلى النصف في العام المقبل.

يقول مادورو في خطابه الذي يفصل فيه خطته الأخيرة: «لنتحلَ بالإيمان، ولنكن مطمئنين أننا عاجلًا أو آجلًا سنحصد الانتصارات في الأمور المالية»، وقد رد عليه آلاف مواطنيه بالتوجه إلى الحدود، حتى بدأت الإكوادور بطلب جوازات السفر عوضًا عن بطاقات الهوية التي كانت تكتفي بها في الماضي، ومن العسير الحصول على جوازٍ للسفر في ظل الفساد الحالي، إذ تصل تكلفته -بالرشوة- إلى 1500 دولار، مما يجعل الموسرين وحدهم قادرين على تحمل تكلفته والتوجه إلى الحدود، أما الباقون فهم محاصرون في بلد تديره عصابة مخدرات إجرامية تربح أصحابها بشكل ضخم من السيطرة على أسعار الصرف الرسمية والسوق السوداء لأكثر من عقد، وهم لا يأبهون مثقال ذرة إذا ما كانت مصالحهم ستنقل الناس إلى الفقر المدقع، فبحسب التقديرات بات حوالي 2 مليون فنزويلي ينبشون الفضلات بحثًا عن طعام لهم.

ويختتم الكاتب تقريره قائلًا: «تأميمات واقتراض للمال لا يقف عند حد والإيمان بوجود أشجار سحرية للمال، هي معادلة كانت كافية لإفقار البلد الذي كان ذات يوم الأكثر ازدهارًا في أمريكا اللاتينية، وفي حين يستهدف الخطاب الأثرياء -كما هو الحال دائمًا مع الاشتراكية-، تبقى أحد مآسي فنزويلا في مواطنيها الأكثر فقرًا والذين لا يملكون حساباتٍ مصرفية وتكون المعاناة الأكبر من نصيبهم عندما يموت المال».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك