نشر موقع مجلة «ريسبونسبل ستيتكرافت» التابعة لمعهد كوينسي الأمريكي لفن الإدارة تقريرًا للكاتب ماثيو بيتي أوضح فيه أن المسؤول عن العنف في الشرق الأوسط ليس دولة واحدة، بل البيئة الأمنية برمتها في المنطقة، حسب ما كشف بحث جديد.

يستهل الكاتب تقريره بالإشارة إلى أن الأمريكيين يحبون قصة الرجل الطيب والشرير، خاصة في الشرق الأوسط.

وفي ثمانينيات القرن الماضي، كان معمر القذافي «كلب الشرق الأوسط المسعور». ولم يكد يمضِ عقدان من الزمان حتى أضحت إطاحة صدام حسين ضربة قاضية لـ«محور الشر». وفي الوقت نفسه تقريبًا، أصبحت سوريا «دولة مارقة» تُصدِّر «القتلة». وطوال هذا الوقت، ظلت إيران «اليد الشريرة» وراء كل عدم الاستقرار الذي تشهده المنطقة.

إيران ليست وحدها

وأوضح الكاتب أن بحثًا جديدًا أعدَّه كاتب التقرير بالشراكة مع الباحث تريتا بارسي لمعهد كوينسي وجد أن الواقع أكثر تعقيدًا بعض الشيء، مشيرًا إلى أن البحث الجديد المعنون بـ«لا توجد أيدٍ نظيفة: تدخلات قوى الشرق الأوسط، 2010-2020»، يُلقي نظرة على العقد الأخير من الصراع في الشرق الأوسط ولا يُظهر أن إيران تتقدم الرَكْب في هذا الشأن، والتي شجَّعها إخفاقات الولايات المتحدة في التحرك في المنطقة.

دولي

منذ 4 شهور
مترجم: بايدن يريد إنهاء الحرب في اليمن.. لكن لهذه الأسباب قد يشعل حروبًا أخرى

وبدلًا من ذلك، يُظهر البحث أن قوى إقليمية متعددة قد تدافعت للاستفادة من اضطرابات ما بعد الربيع العربي، مع انخراط شركاء الولايات المتحدة وأعدائها على حد سواء في حرب دموية بالوكالة.

وكما يقول بيتر بينارت، فإن كل لاعب رئيس في الشرق الأوسط هو «قوة أوسطية وحشية وذات مصالح ذاتية بين الآخرين».

الدور الأمريكي

ونوَّه الكاتب إلى أن البحث يُلقي الضوء أيضًا على دور الولايات المتحدة في المنطقة، ذلك أن الولايات المتحدة تُسلِّح وتُموِّل خمسًا من الدول الإقليمية الست المُتورِّطة في التدخلات الإقليمية، وهي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وتركيا وقطر وإسرائيل. (في الواقع، ذهب ثلث صادرات الأسلحة الأمريكية في مختلف أنحاء العالم إلى هذه الدول الخمس بين عامي 2010 و2020).

وعلى الرغم من أن قادة الولايات المتحدة لا يروقهم دومًا تصرفات هذه الدول، فإنهم يواصلون دعمهم بمليارات الدولارات من الأسلحة والمساعدات العسكرية كل عام.

كانت ثلاث قوى، إيران وتركيا والإمارات، ذات طابع تدخلي على نحو واضح في الأعوام الأخيرة. وقد استقروا جميعًا على نموذج مماثل لتدخلاتهم: جلب طائرات مسيَّرة وجيش من المرتزقة (غالبًا جنود أطفال) يُجنَّدون من مختلف مناطق الصراع باعتبار ذلك وسيلة «رخيصة» للتأثير في نتائج الحروب الأهلية. واستلهمت هذه الدول الكثير من أساليبها من «الحروب الأبدية» الأمريكية، سواء من خلال مراقبة كيفية أداء الطائرات المسيَّرة الأمريكية لمهامها أثناء العمل، أو الاستعانة بمرتزقة أمريكيين لترقية جيوشهم.

Embed from Getty Images

ولكن على الرغم من جميع أنشطتها الخبيثة، لا يتحمل أيٌّ من هذه القوى وحدها اللوم عن العقد الماضي من عدم الاستقرار. وإذا كان أي شيء، فيبدو أن الاضطرابات هي الدافع وراء تلك التدخلات وليس العكس. لقد اندلعت صراعات مثل الحروب الأهلية في سوريا وليبيا والعراق واليمن من تلقاء نفسها، أو بسبب التدخل العسكري الأمريكي، قبل تدخل القوى الإقليمية. وبمجرد أن تنخرط قوة إقليمية ما في صراع، فسرعان ما تتبعها قوى أخرى.

العنف في الشرق الأوسط.. المعضلة الأمنية

وألمح الكاتب إلى أن هناك ظاهرة شائعة في العلاقات الدولية تدعى «المعضلة الأمنية». وفي بعض البيئات، تشعر الدول بأن السبيل الوحيد لضمان أمنها يكمن في تقويض مواقف منافسيها. وتشير البيانات إلى أن هذا كان بالضبط ما حدث في الشرق الأوسط خلال العقد الماضي.

كما أن لهذا البحث تأثيرات في المحادثات النووية الجارية بين إدارة بايدن وإيران. فقد حاول بعض الصقور أن يجادلوا بأن العقوبات الاقتصادية الأمريكية ساعدت في الحد من أنشطة إيران الإقليمية، وأن رفع هذه العقوبات من شأنه أن يغمر الجمهورية الإسلامية بالنقود للإنفاق على الحروب الخارجية. ولكن بيانات البحث لا تقدم أي دليل على هذه الحجة، إذ إن التدخلات الإقليمية الإيرانية بلغت ذروتها قبل إتمام الاتفاقية النووية في عام 2015، وظلت ثابتة أثناء رفع العقوبات وإعادة فرضها على حد سواء.

الدوافع وراء التدخلات

ولفت الكاتب إلى أن دولًا مثل السعودية وتركيا والإمارات صعَّدت تدخلاتها بعد التوقيع على الاتفاق النووي. وكانت تلك القوى تخشى جزئيًّا ما تعنيه لها الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران. وإذا كانت الولايات المتحدة لن تستخدم «القوة العسكرية لتصفية الحسابات» بعد الآن، على حد تعبير الرئيس باراك أوباما آنذاك، فربما كانت دول مثل السعودية بحاجة إلى التصرف على نحو أكثر استباقية.

ومع ذلك، فإن كثيرًا من التصعيد لا علاقة له بإيران ومنافسيها. وكانت عديد من الصراعات التي حَمِيَ وَطِيسُها منذ عام 2014 فصاعدًا حروبًا بالوكالة بين شركاء واشنطن، مثل الصراع القطري الإماراتي في ليبيا، والصراع التركي الكردي في سوريا والعراق. بل إن المسؤولين الأمريكيين حرَّضوا على بعض هذه الصراعات.

Embed from Getty Images

ولأن الولايات المتحدة اضطلعت بهذا الدور الكبير في تسليح قوى التدخل ودعمها، فإن لديها أيضًا نفوذًا لتخفيف حدة الصراعات التي ينخرط فيها هؤلاء الشركاء. وقد لا يتمكن الساسة في الولايات المتحدة من التغلب على جميع القضايا بين شركاء الولايات المتحدة مثل قطر والسعودية، ولكنهم يستطيعون أن يطالبوا تلك البلدان بأن تتصرف بمزيد من المسؤولية بالأدوات التي تضعها أمريكا في أيديهم.

وفي ختام تقريره يرى الكاتب أن المشكلة لا تكمن في مُثير مشكلات واحد بعينه، بل هي البيئة الأمنية في الشرق الأوسط برمته. ومرةً أخرى، لا يمكن للولايات المتحدة أن تحل بمفردها جميع مشكلات المنطقة. ولكنها قادرة على تشجيع الدول على التحدث معًا، والتوقف عن خلق فراغات السلطة التي تتحول إلى أماكن للمنافسة الوحشية. وكما يقول الطبيب في قَسَمه: «أولًا، لا تؤذي».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد