سلَّط تقريرٌ أعدَّه تسيجا أتيفا، أستاذ مساعد في مجال التاريخ بجامعة كولجيت الأمريكية، ونشره موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي الضوء على الدوافع التي تقف وراء أعمال العنف والهجمات الوحشية التي نُفِّذت مؤخرًا في إقليم بني شنقول–جومز، أحد أكثر أقاليم إثيوبيا وعورة وفقرًا، مشيرًا إلى هناك عدة عوامل لاندلاع ذلك العنف ومن أبرزها الانقسامات الإثنية بين المسلمين والمسيحيين في المنطقة، بالإضافة إلى بناء سد النهضة، محل النزاع بين عدة دول، على أراضيها.

هجمات وحشية

في مستهل تقريره أشار الكاتب إلى أنه في الوقت الذي يُركِّز فيه العالم على الأزمة الإنسانية الناجمة عن الحرب بين الحكومة الإثيوبية الفيدرالية و«جبهة تحرير شعب تيجراي» في شمال إثيوبيا، وقعت عدة هجمات وحشية في منطقة ميتيكل بإقليم بني شنقول-جومز، الذي يقع في غرب إثيوبيا بمحاذاة السودان.

مجتمع

منذ 4 شهور
«إيكونوميست»: بعد شهرين من الحرب.. خطر المجاعة يهدد إقليم تيجراي

ويوضح كاتب التقرير أن هناك عدة أسباب تقف وراء أعمال العنف في الإقليم، من بينها ادِّعاء ولاية أمهرة الإثيوبية المجاورة سيادتها على منطقة ميتيكل، وتريد أمهرة الحصول على حقها في إدارة منطقة ميتيكل لأنها تستهدف السيطرة على الرواسب المعدنية في المنطقة والأراضي الصالحة للزراعة. لكن أهالي منطقة ميتيكل، بما في ذلك غالبية سكان إقليم بني شنقول-جومز، يعارضون احتلال ولاية أمهرة للمنطقة.

وتابع الكاتب موضحًا أن بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير على أراضي منطقة ميتيكل ربما يكون أحد أسباب اندلاع أعمال العنف في الإقليم؛ لأنه يُمثل تعارضًا مع مصالح السودان ومصر، اللتين تعترضان على ملء خزان السد. وبالإضافة إلى ذلك قد يرجع السبب في شن الهجمات الوحشية في الإقليم إلى وجود أطراف محلية أخرى غير راضية عن تشكيل الائتلاف الجديد الحاكم في إثيوبيا بقيادة حزب الرخاء

حصيلة أعمال العنف

ولفت التقرير إلى أن الهجمات الوحشية التي وقعت في الإقليم أسفرت عن مقتل الآلاف ودفنهم في مقابر جماعية، وأُجبر آخرون على الفرار، وترك منازلهم التي أُضرمت فيها النيران ونُهبت ممتلكاتها. وتشرد أكثر من 100 ألف شخص ونزح سبعة آلاف شخص إلى السودان. ولا يحصل عددٌ من هؤلاء الذين ما زالوا يعيشون في المنطقة على أي مساعدات إنسانية.

وأبرز كاتب التقرير أن الهجمات، التي شنتها الميليشيات المسلحة المنتمية تحديدًا إلى قبائل جومز ضد المجموعات العِرقية الأخرى، مثل الأورومو والأمهرة وإثنية شناشا وأوي في منطقة ميتكل، تصاعدت في سبتمبر (أيلول) 2020 واستمرت حتى مارس (آذار) 2021. وتعد إثنية الجومز إحدى المجموعات العِرقية الأساسية في ميتيكل. 

وفي الوقت الراهن، يُرجِّح بعض المراقبين أن ترقى الفظائع التي ارتُكبت في منطقة ميتكيل إلى «أبعاد محرقة». 

مطالبات ولاية أمهرة

ويرسم الكاتب خريطة للتركيبة السكانية لمنطقة ميتيكل، التي تعد واحدة من ثلاث مناطق في إقليم بني شنقول–جومز، ولها حدود مع ولايتي الأمهرة، وأوروميا، ودولة السودان، قائلًا: تتكون التركيبة السكانية من مجموعات عِرقية أساسية، وهم: الجومز، والأورومو، والأوي، والأمهرة، وإثنية شناشا. وتسيطر عِرقية الجومز وشناشا، ضمن الترتيب السياسي الفيدرالي، على الدوائر الست في هيكل الإدارة المحلية للإقليم. أما المجموعات العِرقية الأخرى فليست ممثلة تمثيلًا جيدًا في إطار القيادة المحلية للإقليم.

Embed from Getty Images

ويتذكر الكاتب أنه عندما كان يقوم بعمل ميداني لكتابه حول العلاقات بين الأعراق في منطقة ميتيكل في عام 2003، كان الناس من المجموعات العِرقية المختلفة مجمعين على رغبتهم في التعايش السلمي. لكن بعد 18 عامًا، أثَّر التهميش والإقصاء العِرقي، وسوء الإدارة وغياب الآليات الديمقراطية العملية تأثيرًا كبيرًا على العلاقات المجتمعية داخل المنطقة.

عمليات الاستيلاء على أراضي الإقليم

يضيف التقرير: من جهتها، أكدَّت موفريات كامل، وزيرة السلام في جمهورية إثيوبيا الفيدرالية، على أن «المنطقة حاليًا أصبحت نقطة اتصال تتلاقى فيها مجموعات المصالح المختلفة». وتضم مجموعات المصالح عدة أطراف، من بينها ولاية أمهرة المجاورة التي تدَّعي ملكيتها لمنطقة ميتيكل، واكتسب هذا الادِّعاء زخمًا بعد وصول رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى السلطة في أبريل (نيسان) 2018.

وألمح التقرير إلى أن ولاية أمهرة الإقليمية ونشطاء الولاية يقولون إن منطقة ميتيكل أُدرجت قسرًا ضمن ولاية بني شنقول-جومز الإقليمية بعد وصول الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية إلى سدة الحكم في البلاد عام 1991. وكانت مطالبة ولاية أمهرة بأحقيتها في ملكية منطقة ميتيكل بالكامل سببًا في تغذية وتأجيج الهجمات التي نفذتها ميليشيات تنتمي لعِرقية جومز ضد غير المنتمين لعِرقيتهم في إقليم بني شنقول-جومز. وتريد الميليشيات حماية حكم جومز للإقليم والذي دام 30 عامًا في المنطقة من الوقوع تحت سيطرة عِرقية الأمهرة.

ونوَّه التقرير إلى أن الهجمات زادت وتيرتها مؤخرًا بسبب عمليات الاستيلاء على أراضي المنطقة التي تنفذها الأمهرة وغيرهم من المستثمرين من غير السكان الأصليين، الذين يريدون السيطرة على قطاعي الزراعة والتعدين في المنطقة. وقد نزح عديدٌ من عِرقية الجومز إلى أماكن أخرى بسبب عدم رضاهم عن توظيف المستثمرين لعمال من خارج الإقليم لمساعدتهم في مخططاتهم لاحتلال المنطقة الغنية بالموارد مثل الذهب والرخام، إلى جانب أن أراضيها الزراعية تمتاز بخصوبتها.

تضارب المصالح الإقليمية

ويستدرك الكاتب قائلًا: لكن بخلاف ذلك هناك أيضًا أسباب أخرى يجب مراعاتها – ومنها مصالح مصر والسودان في هذه المنطقة، التي يُبنى عليها سد النهضة الإثيوبي. ويعارض كلا البلدين مخططات إثيوبيا للتعبئة الثانية لخزان سد النهضة من دون مفاوضات. ويقع سد النهضة في مدينة جوبا، إحدى المدن الست في منطقة ميتيكل. وتعد مدينة جوبا أقرب منطقة إلى السودان.

دولي

منذ 11 شهر
تاريخ المفاوضات الفاشلة حول «سد النهضة».. تفاصيل يرويها مستشار الخارجية المصرية

وفي هذا الصدد أعلنت كلٌ من مصر والسودان أن السد يُؤثر على تدفق مياه النيل إلى بلادهما. وقد بدأت إثيوبيا في ملء خزان السد، الذي اكتمل بنسبة تربو على 70%، في يوليو (تموز) 2020 وتستعد للتعبئة الثانية في يوليو 2021. وأدَّت مطالبة السودان الأخيرة بملكيتها لمنطقة ميتيكل ومدينة جوبا تحديدًا في إصابة المنطقة وسكانها بالصدمة. ويأتي هذا الادِّعاء من الاعتقاد أن مدينة جوبا أهداها خليفة عبد الله، زعيم الثورة المهدية في السودان في عام 1897 إلى منليك الثاني إمبراطور إثيوبيا (1889-1913). ورُسِّمت الحدود بين إثيوبيا والسودان في عام 1902. 

ومن ناحية أخرى، تنظر مصر إلى سد النهضة على أنه تهديد كبير لأمنها الغذائي؛ لأن النيل الأزرق، الذي ينبع من إثيوبيا، يمد نهر النيل بما يصل إلى 80% من المياه. واتَّهمت إثيوبيا كلًا من السودان ومصر بالوقوف وراء دعم ميليشيات الجومز، التي تشن الهجمات الأخيرة، لتعريض بناء السد ومخطط ملء خزانه للخطر.

الأسباب المحلية

أما السبب الأخير – كما يقول كاتب التقرير – فقد أقر مسؤولو الحكومة المحلية في إقليم بني شنقول-جومز بتنظيم عمليات قتل واستهداف العِرقيات الأخرى في منطقة ميتيكل ردًا على الائتلاف الجديد الحاكم بقيادة حزب الرخاء، الذي يتزعمه رئيس الوزراء آبي أحمد، والذي حل محل الائتلاف الحاكم السابق في إثيوبيا، الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية.

وفي السياق ذاته، يعتقد المسؤولون في الإقليم أن حزب الرخاء، الذي ينتمون إليه حاليًا، يريد إلغاء الترتيبات الفيدرالية الموجودة التي تضمن الحكم الذاتي للمجموعات العِرقية في البلاد. وتحظى قومية الجومز بالسيطرة الإدارية على منطقة ميتيكل، لكن إذا غيَّر حزب الرخاء الترتيب الفيدرالي العِرقي، فسيؤثر ذلك تأثيرًا كبيرًا على مصالح عِرقية الجومز ذات الأغلبية في إقليم بني شنقول-جومز.

Embed from Getty Images

وتابع التقرير أن المسؤولين المحليين حرَّضوا على شن هجمات على السكان من غير عِرقية الجومز، الذين شعروا أنهم ستكون لهم اليد العليا في إدارة منطقة ميتيكل إذا تغير الترتيب الفيدرالي الحالي. وفي نهاية المطاف خلُص الكاتب إلى أن أعمال العنف التي اندلعت في غرب إثيوبيا يقف وراءها مزيج من المصالح المحلية والإقليمية والوطنية، وربما الخارجية.

خطوة إلى الأمام

وأكد الكاتب على أن منطقة ميتيكل وُضِعت تحت قيادة مسؤولة مسؤولية مباشرة أمام رئيس الوزراء الإثيوبي. لكن الهجمات والتوترات لم تزل في تصاعد مستمر. وربما تكون أعمال العنف ذات دوافع إثنية، لكن هذا صراع سياسي في الصميم – كما يرى الكاتب.

ويختتم الكاتب تقريره بالتأكيد على ضرورة التعامل مع ادِّعاءات ولاية الأمهرة من خلال الأدوات الدستورية وليس بالقوة. إلى جانب التأكيد على وجوب حماية جميع الجماعات الإثنية في منطقة ميتيكل ومعالجة جميع قضاياهم قانونيًّا. وينبغي السعي لإيجاد حل للخلاف الدبلوماسي مع السودان ومصر من خلال الحوار، ويجب أن تسير مفاوضات السد بصورة ودية بين جميع الأطراف.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد