تُوَجَّه الانتقادات للمتظاهرين عندما يستخدمون القوة، لكن حينما تفعل الدولة الأمر ذاته يكون استخدامها العنف تصرفًا طبيعيًّا.  

كتب كاي إم. ثالر، وهو أستاذ مساعد في الدراسات الدولية في جامعة كاليفورنيا ومتخصص في دراسات الصراع المدني والعنف السياسي وتغيير النظم، مقالًا في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية حول جدوى تخلي المحتجين عن اللاعنف في مواجهة آليات القمع الحكومية. وإذا كان العنف العدواني مرفوض، فإن العنف الدفاعي له ما يبرره، حسبما يخلص المقال الذي يؤكد أن الشخصيات البارزة في العصر الحديث التي دعت إلى اللاعنف لم تكن تعارض العنف بتلك الصرامة التي يتخيلها البعض.  

يستهل الكاتب مقاله بتوجيه لوم مستتر لأولئك الذين يقصرون دعوتهم إلى اللاعنف على المحتجين قائلًا: «عندما يشتبك المتظاهرون مع الشرطة، أو يحرقون السيارات، أو يحطمون النوافذ؛ يدوي صوت جوقة مألوفة من مسافة آمنة ليقول: لماذا لا يلتزمون باللاعنف، مثل موهاندس غاندي أو نيسلون مانديلا أو مارتن لوثر كينج الابن؟ 

ومع انتشار الاحتجاجات المناهضة للحكومة في جميع أنحاء العالم منذ الصيف الماضي، تردد هذا الرأي الشائع مرة أخرى داعيًا إلى الامتناع عن العنف. حتى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، في الوقت الذي يذكر فيه الحكومات بالسماح بحرية التجمع والتعبير، قال إن المحتجين «يجب أن يحذو حذو أمثال غاندي ومارتن لوثر كينج الابن وغيرهم من أبطال التغيير اللاعنفي».

ازدواج المعايير إزاء العنف.. حلال على الدولة حرام على المتظاهرين

يستدرك الكاتب أن هذا معيارًا مزدوجًا؛ إذ يتوقع أن يظل المتظاهرون غير عنفيين، حتى في مواجهة هجمات الحكومات القوية المدججة بالسلاح. ولكن بغض النظر عما يفعله المتظاهرون، تصورهم الحكومات دائمًا على أنهم «بلطجية» أو «مجرمون» لإضفاء الشرعية على حملاتها العنيفة، كما حدث في إيران خلال الأسابيع الأخيرة. حتى مارتن لوثر كينج نفسه لم ينجُ من تهمة التحريض على العنف التي ألصقها به مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي).

وينظر إلى قوات الأمن الحكومية على أنها تلتزم بضبط النفس إذا استخدمت الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع وغيرها من الأسلحة التي يطلق عليها «غير مميتة» بدلًا من الذخيرة الحية. لكن يوصف المتظاهرون بالعنف ويدانون بمجرد أن يُلقوا أول حجر، ما يبرر حتى قمع الدولة الأشد قسوة. ويتعامل أولئك الذين يدَّعون شجب العنف من جميع المشارب مع عنف الدولة باعتباره ممارسة طبيعية، بل يلتمسون له الأعذار. حتى الاستخدام المحدود للقوة إذا صدر عن المتظاهرين، مثل: التدمير المستهدف لممتلكات بعينها، أو المقاومة المباشرة لوحشية الشرطة، يصبح ذريعة لإدانة الحركة الاحتجاجية برمتها.

العنف مبرر إذا كان دفاعًا عن النفس.. مصر وأوكرانيا نموذجًا

يضيف الكاتب: مثل معظم الناس، أؤيد اللاعنف باعتباره مثلًا أعلى. ولكن في مواجهة القمع الذي تمارسه القوات الموالية للحكومة، قد لا يمكن الدفاع عن هذا المثل الأعلى. وفي حين يمكن للمرء أن يعارض العنف العدواني، لكن لا مفر من الاعتراف بأن اللجوء إلى العنف للدفاع عن النفس أو الرد على الهجوم له ما يبرره. حتى عندما تبدو القضية ميئوسًا منها، فإن الاستجابة القتاليّة قد تمنح المتظاهرين شعورًا بالقوة وتقدير الذات، بدلًا من الاكتفاء بالمعاناة على أمل حدوث تغيير افتراضي في المستقبل، وهو مستقبل قد لا يمتد بهم العمر ليشاهدوه.

Embed from Getty Images

ويرى ثالر أن دعوات اللاعنف غالبًا ما تصدر عن شعوب الديمقراطيات الغربية، حيث يكون نطاق عنف الدولة المحلية محدودًا أو مقيدًا نسبيًا باستهداف أقليات معينة، مثل الأمريكيين السود أو الأشخاص المنحدرين من أصول شرق أوسطية وأفريقية في فرنسا. لكن على المستوى العالمي، تكون حركات الاحتجاج المستعدة لاستخدام العنف أكثر فعالية في بعض الأحيان في تغيير النظام أو التحول إلى الديمقراطية.

والعديد من الحالات التي احتفى بها دعاة المقاومة اللاعنفية باعتبارها حالات نجاح، مثل: احتجاجات الربيع العربي في مصر وحركة ميدان الأوكرانية، كانت مصحوبة فعليًا بعنف استراتيجي كبير ضد الشرطة دفع قوات الأمن إلى الهروب أو التخلي عن النظام.

حين يكون استخدام المتظاهرين للقوة مفيدًا

 يضيف كاي إم. ثالر حتى في الدول الديمقراطية، يمكن أن تكون القوة مفيدة. ففي تشيلي، ساعد استعداد المحتجين للقتال ضد الشرطة وحرق المباني، بالإضافة إلى التكتيكات اللاعنفية، في تحفيز الحكومة على تقديم تنازلات هامة. وفي حين كان العديد من أبناء بوليفيا غاضبين غضبًا متفهمًا بسبب استيلاء اليمين والجيش على السلطة، إلا أن عنف المتظاهرين دفع الرئيس إيفو موراليس إلى التنحي في خضم حالة من السخط، بسبب تجاهله لنتائج الاستفتاء ومزاعم تزوير الانتخابات.

إن دعوة المتظاهرين إلى التزام اللاعنف دائمًا يتمخض عن اعتياد المزيد من عنف الدولة باعتباره رد فعل مقبول عندما يرد المحتجون على العنف بمثله. حتى لو لم يلجأ المتظاهرون إلى العنف إلا بعد الهجمات التي تشنها قوات الأمن، يُصوَّر الأمر على أن «كلا الجانبين» يستخدمان العنف في «الاشتباكات»، على الرغم من انعدام التكافؤ في القوة النارية أو إدانة المتظاهرين للعنف في صفوفهم. 

ويقع العبء على المتظاهرين في التضحية بأنفسهم باسم اللاعنف، بدلاً من إلقاء عبء المسؤولية على قوات الأمن المسلحة والمدربة تدريبًا أفضل للحفاظ على نموذجهم اللاعنفي المنضبط. حتى عندما تستخدم قوات الأمن في الديمقراطيات الليبرالية مثل فرنسا أعمال عنف غير متناسبة ضد المتظاهرين، فمن الأهمية بمكان عدم إعفاء الجهات الفاعلة الحكومية، التي تكون عادة أكثر تنظيمًا وقوة من المتظاهرين من الناحية العسكرية، من المسؤولية. 

إن من يسدي النصائح بتبني المقاومة اللاعنفية من الخارج يفترض أنه أكثر دراية من المحتجين بشأن وضعهم ومعرفة بالاستراتيجية الأفضل بالنسبة لهم.

لا يحق للآمنين نصح المتظاهرين بالاستسلام للقتل

يؤكد كاي إم. ثالر أن أعين المتظاهرين ليست غافلة عن القوى المحتشدة ضدهم. ففي هونج كونج، يدرك المحتجون جيدًا طبيعة الحملة التي شنتها الصين عام 1989 في ميدان تيانانمن، لكنهم يعرفون أيضًا الحريات المعرضة لخطر الاختفاء. وعلى حد تعبير أحد المحاربين القدامى في ميدان تيانانمن الموجود الآن في هونج كونج، «إنهم مستعدون للاحتراق معًا إذا ما شب الحريق». 

شرطة هونج كونج

واستشهد أبناء هونج كونج بالمراقبة والاعتقال الجماعي للإيغور في شينجيانج؛ إنهم يعرفون ما تستطيع الدولة الصينية فعله، ويعتقد الكثير منهم أنهم ما لم يردوا على الهجوم، بما في ذلك اللجوء إلى العنف، ستداس حقوقهم تحت الأقدام. 

ويشير الكاتب إلى استحالة أن نعرف في بداية الحركة ما إذا كانت المقاومة اللاعنفية ستكون استراتيجية ناجحة أم لا. فغالبًا ما يكون النشطاء الذين يلتزمون باللاعنف مستعدين ذهنيًا  ومدربين على مواجهة عنف الدولة، لكن مع تصاعد القمع، من الطبيعي أن يتساءل المتظاهرون عن مدى فعالية اللاعنف وما إذا كان ينبغي عليهم القتال دفاعًا عن أنفسهم. ولم يلجأ المتظاهرون في هونج كونج إلى العنف المتزايد إلا بعد حملة القمع الوحشية التي شنتها الشرطة، مما دفع بعضهم إلى التقاط الصخور والقضبان وقنابل المولوتوف، وقال أحد المحتجين: «لم يعد بوسعنا البقاء مكتوفي الأيدي بعد الآن». 

على أرض الواقع، من الجيد للأشخاص داخل الحركة الاحتجاجية أن يناقشوا ويجادلوا بشأن ما إذا كانت تكتيكات المقاومة اللاعنفية أو العنيفة ستخدم أهداف الحركة على الوجه الأفضل. أما الموجودون في الخارج، فهم لا يمتلكون الحق لأن يفرضوا على المتظاهرين إلى أي مدى يجب عليهم قبول الضرب أو رؤية أصدقائهم يقتلون قبل أن يردوا بالعنف على من يقمعهم.

أيقونات اللاعنف بين الواقع والصورة المتخيلة

يتابع المقال أنه غالبًا ما كانت الشخصيات البارزة المؤيدة للمقاومة اللاعنفية أقل صرامة في معارضتها للعنف من الاعتقاد السائد، مهما كان مريحًا أن يستشهد الناس بغاندي وكينج باعتبارهم أبطالًا. وأنفق هنري ديفيد ثورو، مؤلف كتيب «العصيان المدني»، الكثير من الوقت والحبر في الدفاع عن جون براون، المؤيد لإلغاء العبودية، التي عارضها بعنف في كنساس وسعى إلى إشعال انتفاضة في صفوف المستعبدين في فرجينيا.

وكان غاندي، مثله مثل ثورو، ملتزمًا بصفة شخصية باللاعنف، واعتقد أنها كانت أكثر الاستراتيجيات التزامًا بالأخلاق، لكنه اعترف أن الجميع ليسوا على استعداد للمخاطرة بالتضحية بالذات مثله. وإذا لم تكن على استعداد للموت وأنت تقاوم مقاومة لاعنفية، فإن غاندي يرى أن اللجوء إلى المقاومة العنيفة للدفاع عن النفس أفضل من أن تكون جبانًا.

وكان مارتن لوثر كينج الابن يمتلك بنادق، وأيّد العنف من أجل الدفاع عن النفس. وكان نيلسون مانديلا متمردًا ومدافعًا عن الصراع العنيف قبل أن يصبح رمزًا للمقاومة اللاعنفية. وكان تهديد العنف في جنوب أفريقيا حاسمًا في قبول نظام الفصل العنصري بحل وسط، على الرغم من أن النقاد المحافظين كانوا يرغبون في أن يكون مانديلا أكثر شبها بكينج وغاندي.

غير أن الأكثر إشكالية بالنسبة للمدافعين عن المقاومة اللاعنفية، هي الأسئلة التي تدور حول الأدلة التي يستند إليها لتأكيد الفاعلية الفائقة والمستمرة لـ اللاعنف. ويستشهد المقال بتجديد دراسات المقاومة اللاعنفية في كتاب إريكا تشينويث وماريا ستيفان الصادر عام 2011 «لماذا تنجح المقاومة المدنية»، Why Civil Resistance Works الذي خلص إلى أن الحركات اللاعنفية من المرجح أكثر في المتوسط أن تحقق أهدافها.

Embed from Getty Images

فهم السياق أولًا.. التضامن الواعي أنفع من المواعظ العمياء

يستدرك الكاتب: لكن العديد من الحركات تتبنى مزيجًا من الاحتجاجات الجماهيرية غير العنيفة، والأجنحة الأكثر عنفًا وراديكالية التي تنخرط في أعمال عنف جماعية غير مسلحة مستخدمة العصي، أو الحجارة، أو الاشتباك بالأيدي، أو قنابل المولوتوف. وكما أقرت مؤخرًا تشينويث والكتاب المشاركون معها، فإن الأدلة على تأثير الأجنحة المتطرفة مختلطة.

ففي بعض الأحيان، قد يؤدي عنف المتظاهرين إلى نتائج عكسية ويستدعي نفور الرأي العام، لكن في أحيان أخرى، عندما يُنظر إلى الحكومة على أنها غير شرعية أو فاسدة والمحتجين لديهم المبررات، فقد لا يكون لها أي تأثير سلبي بل ربما تزيد الدعم لمطالب المحتجين. وفي البيئات الأكثر استبدادًا، قد لا يكون من الممكن تنظيم احتجاج مستمر دون قدر من المقاومة العنيفة لقوات الأمن، ولولا ذلك لاجتاحت الشرطة المحتجين في الشوارع.  

حتى عندما تستند الدراسات الإحصائية إلى بيانات جيدة، وتبرهن على أن المقاومة اللاعنفية أكثر فعالية، فإن هذا المبدأ الموسع لا يمكن تطبيقه على جميع المواقف. فبدون معرفة عميقة بالسياق السياسي والاجتماعي، لا يمكن أن نقول للمحتجين إن اللاعنف سيكون أكثر فعالية. لأن هذا طرح أخلاقي وليس حجة استدلالية.

ويختتم الكاتب مقاله بالقول إنه في عالم مثالي، لن يلجأ المتظاهرون، ولا الحكومات، إلى العنف. لكن إذا شعر المتظاهرون المناهضون للسلطوية بأنهم ليس لديهم مخرج آخر من تسلط حكومة عنيفة وقمعية، عندئذ يكون التضامن والضغط على الحكومة، وليس المواعظ الأخلاقية، هو أفضل وسيلة لدعم الحركة.

دولي

منذ سنة واحدة
مترجم: كيف تنهار الحكومات في بلد ينتشر فيه العنف؟ تجربة مالي تخبرك الكثير

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد