تنسى أين وضعت مفاتيحك، أو أين اختفى هاتفك، أن تبدأ في البحث هو السلوك الطبيعي التلقائي التالي. درس علماء النفس سلوك البحث والبحث البصري /المرئي طوال عقود داخل المعامل، من أجل فهم كيفية تطويرنا لسلوك «البحث» في الواقع.

تنشر «الجارديان» تقريرًا يتناول سيكولوجية البحث، وإلى أي مدى تختلف الدراسة والتجربة داخل المعمل عن البحث في العالم الواقعي.

بدايةً.. لنتعرف على سلوك البحث!

يعد سلوك البحث فرعًا رئيسيًّا من فروع علم البيئة السلوكية المعني بأدوار السلوك في تمكين الحيوان على التكيف مع بيئته داخليًا وخارجيًا. وبالطبع من العوامل المهمة في النجاح في عملية البحث هو معرفة ماذا وأين ومتى؟ أي أن يكون البحث بهدف.

يستخدم الإنسان والحيوان في بحثهم، حتى الغريزي منه كالبحث عن الطعام والمؤن الضروري لبقائه، البحث المرئي/ البصري، وهو أحد أنواع مهام الإدراك الحسّي الذي يتضمن عادةً البحث في مكان معين من البيئة المرئية عن عنصر أو كائن معين يسمى (الهدف) الذي يحيطه عناصر وكائنات أخرى، ويكون البحث المرئي مع حركة العين أو بدونها.

يذكر التقرير أن أحد أكبر الأسئلة التي أثيرت حول البحث البصري والمحيرة أيضًا على مر الأربعين سنة الماضية، هو كيف نبحث بفعالية في نطاق مجالنا البصري. فالبحث أمر مجبولون على الانخراط فيه بصفة يومية تقريبًا -سواء كان بحثًا عن مفاتيح السيارة، أو البحث عن عدساتنا اللاصقة، أو التقليب في الحقيبة بحثًا عن غطاء قلم مفقود. لكن الطريقة التقليدية التي درس بها الباحثون حدود البحث البصري، بدت مختلفةً جذريًا عن ما قد نفكر فيه أثناء البحث في الواقع.

جرب بنفسك

يعرض التقرير ما تناوله اختبار معملي مشابه، إذ عُرض على المشاركين صورة مثل الصورة الموضحة أدناه، وطُلب منهم العثور على حرف T من بين عدد من حروف L المضللة:

عادةً ما يظهر المشاركون سرعةً كبيرة من خلال هذا النموذج، لأن الهدف والعوامل المضللة تختلف فقط في ملمح واحد. إلا أن البحث يصبح أكثر صعوبة إذا تضمن أكثر من ملمحٍ واحدٍ –مثلًا محاولة العثور على حرف L باللون الأحمر من بين حروف T باللون الأحمر وحروف L باللون الأزرق:

من بين العديد من خصائص البحث البصري، يذكر التقرير أن ما يحدث بالضبط في هذه الحالات، أن مقدار الوقت المستغرق في البحث في تلك النماذج، يزداد بشكل منتظم اعتمادًا على عدد العناصر الموجودة في مدى البحث. وهو أمرٌ بديهي، فإذا كان عليك «البحث» فيما بين عنصرين فقط، سوف تعثر على الهدف بسرعة. أما إذا بحثت بين 10000 عنصر مختلف، سوف تستغرق بعض الوقت:

البحث البصري المعملى مقابل البحث في الواقع

أشار التقرير أيضًا إلى أن هناك اختلافات في العلاقة بين مدى البحث والوقت المستغرق فيه اعتمادًا على احتواء النموذج على هدف من عدمه.
لكن بغض النظر عن تلك النقطة، وبالرجوع إلى عام 2001، نجد أن الباحثين في جامعة بريستول طرحوا تساؤلًا جوهريًا حول نموذج البحث البصري المعملي: هل يشبه حقًا البحث في الحياة الواقعية؟
وتبين أن هناك اختلاف.

يوضح التقرير أنه قبل تلك الفترة اعتبرت العديد من دراسات البحث البصري هذا السؤال دافعًا لاستخدام اختبارات قائمة على الحاسب الآلي أو ما يضاهيه.

يعد البحث البصري سلوكًا مهمًا في الواقع العملي، لذا افترض الباحثون أنه من خلال تقيده بنموذج تجريبي بسيط، يمكننا أن نفهم طريقة عمل النظام البصري بشكل أفضل. وعلى الرغم من ذلك، لم يتحقق أحد من تلك «الادعاءات» على الإطلاق.

وللإجابة على هذا السؤال، طور كل من «إيان جيلكريست» و«أليس نورث» و«بروس هود» تجربة بسيطة ولكنها خلاقة: فبدلًا من دعوة بعض الأشخاص للبحث من خلال شاشة الكمبيوتر، طلبوا منهم البحث خلال عليبات شرائط أفلام تصوير ملقاة على الأرض. وكان الغرض من هذه المهمة هو العثور على «الهدف» –الذي كان في تلك الحالة، قطعة رخام مخفية داخل واحدة من تلك العلب. مثل نماذج الاختبار الكمبيوتري تمامًا، كان شرطًا أن تتضمن التجربة إما الهدف الحاضر، أو الهدف الغائب، أما حجم العناصر المعروض من الممكن أن يختلف ويتنوع.

اقرأ أيضًا: مترجم: يومٌ بثانية وساعةٌ بسنة.. كيف يتقلَّب إداركنا للوقت؟

وجد «جيلكريست» وفريقه بعض التشابهات بين تجربته ونموذج البحث البصري التقليدي، ولكنه وجد أيضًا بعض الاختلافات الجوهرية.

كما هو متوقع، ازداد وقت البحث مباشرةً بزيادة عدد العناصر المعروضة. وبينما كان المشاركون في اختبار البحث الكمبيوتري يعودون بشكل متكرر للنظر إلى العناصر التي مروا عليها من قبل، كانت إعادة البحث في نفس العناصر خلال تجربة البحث العملي نادرةً نسبيًا. لذلك افترض فريق جيلكريست أن عمليات الذاكرة قد تلعب دورًا حيويًا في عملية البحث. وهو أمر منطقي، لأن البحث الحثيث في الواقع العملي يتطلب جهدًا –ناهيك عن أن الجهد البدني أكثر بكثير من البحث من خلال شاشة الكمبيوتر- وبالتالي يصبح الفرد بالضرورة انتقائيًا في المواقع التي يعيد البحث فيها مرة أخرى.

بُحثت تلك الفكرة بشكل أعمق في دراسة تالية أُعدت في 2005 في مختبر لدراسة سلوك البحث، طُوِّر حديثًا بجامعة بريستول. فبدلًا من استخدام علب الأفلام، استبدلت الأهداف والعناصر المضللة بأضواء وبعض المفاتيح الملحقة بأرضية. وكانت كافة الأضواء في بداية الأمر خضراء، وطُلب من بعض الأطفال البحث عن الضوء الأحمر المستتر، من خلال الضغط مرة على مكان المفتاح الموجود بالأرض، لمعرفة ما إذا تغير لون الضوء أم لا.

أهم ما في الأمر، أن مقدار الجهد المطلوب لتنفيذ تلك المهمة، قد تم التلاعب به من خلال إجبار المشاركين في التجربة على استخدام إما أيديهم المهيمنة –الأقل جهدًا- ، أو استخدام أيديهم غير المهيمنة –الأكثر جهدًا. فعندما كانو مجبرين على استخدام أيديهم غير المهيمنة، كان الأطفال يميلون إلى تكرار البحث في أماكن العناصر التي بحثوا فيها من قبل –ما يشير إلى أن مقدار الجهد المطلوب لإنجاز المهمة قد أثر على تذكر الأماكن التي بحثوا فيها من قبل.

كانت تجربة «جيلكريست» الأصلية امتدادًا بسيطًا لموضوع بُحث مرارًا وتكرارًا، إلا أنها كانت واحدة من أهم النتائج على طريق توصل علماء النفس لفهم ماهية عملية البحث. فقد كان تطوير مختبر تجريبي محكمًا جيدًا، وأكثر واقعية في محاكاة طريقة بحث الناس عن الأشياء في الواقع العملي، علامة فارقة في النمذجة الدقيقة، وتعزيز فهمنا لسلوك بشري متجذر بعمق –سلوك يكاد يبدر تلقائيًا دون عناءٍ في حياتنا اليومية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد