في أوائل عام 1917، اندلعت ثورة في روسيا لتضع حدًا لحكم عائلة رومانوف الاستبدادي الذي استمر لقرابة ثلاثة قرون. وقد ضربت الفوضى أنحاء البلاد، التي كانت منهكة من الحرب العالمية الأولى الطاحنة مع ألمانيا وحلفائها، ولم يتمتع قادة البلاد الجدد بالكفاءة اللازمة. انتهز فلاديمير لينين تلك الظروف، فاستخدم القبضة الحديدية للسيطرة على مقاليد الحكم في البلاد.

ولكن ظهرت مشكلة أمام لينين، ألا وهي كيفية دخول روسيا. اندلعت الثورة في روسيا، وكان لينين نافذ الصبر ويتوق للعودة للانخراط فيها. ففكر في تزوير جواز سفر سويدي، لكنه كان يعاني من التحدث في السياسة أثناء نومه، لذا قامت زوجته بإثنائه عن الفكرة خشية أن يفتضح أمرهما.

في عام 2000، شقت المؤرخة كاثرين ميريديل طريقها نحو الشهرة بعد تأليفها كتابًا حمل العنوان «ليلة الحجر»، تحدثت فيه عن ضحايا الحقبة السوفييتية. وحكت رحلة القطار التي غيرت مجرى التاريخ.

في جو من الإثارة السياسية والتجسس والبيروقراطية، تسترجع السيدة ميريديل باحترافية أجواء تلك الحقبة، مقتبسة رواية جون بوشان «العباءة الخضراء»، التي سردت مغامرات لينين ببراعة متناهية. يتتبع كتاب ميريديل رحلة لينين من سويسرا إلى روسيا، التي امتدت على مدار ثمانية أيام و3200 كلم.

كان لينين مناهضًا للحرب مع ألمانيا، لذا ارتأت الاستخبارات الألمانية أن تجنيد لينين لحسابها سيحقق هدفًا استراتيجيًا. فإذا ما أمكن تحييد روسيا، ستتفرغ ألمانيا لهزيمة كل من بريطانيا وفرنسا. اتفق كل من الألمان ولينين بعد مفاوضات لم تدم طويلاً. وأصر لينين على أن القطار يعتبر أرضًا مستقلة، مثل السفارات، وألا يتم تفتيش ركابه.

زادت الرحلة مشقة بعد أن أوقفتهم السلطات السويسرية وصادرت كل مؤنهم قبيل انطلاق القطار. عُرف عن لينين الصرامة، لذا فقد فرض نظامًا صارمًا على مرافقيه في الرحلة. فكان يتحكم في نظام نومهم ومدى استهلاكهم للسجائر أو دخول المرحاض. وعند اقترابهم من الحدود السويدية للعبور صوب روسيا، تظاهر لينين ومرافقوه بأنهم صحفيون روس عائدون إلى وطنهم. لكن جاسوسًا بريطانيًا، تظاهر بأنه ضابط جوازات، حاول تعطيلهم. لكنه تمكن من العبور أخيرًا بعد أن سمحت له السلطات في بتروغراد، سانت بطرسبرغ حاليًا، بالعبور. وهو خطأ كارثي تسبب في مقتل الملايين.

وحين وصل إلى هناك، استقل عربة مدرعة وألقى خطابًا ناريًا وعد فيه بإحلال السلام وتوفير الخبز وإعادة السلطة إلى الشعب وتوزيع الثروات بشكل عادل. إلا أن أيًا من هذا لم يتحقق. فقد اتسم عهد لينين بالدكتاتورية المطلقة، وشهد مجاعة وقتل الملايين وسلبًا للحريات السياسية.

لكن أكثر الصفحات التي تجذب القارئ هي تلك المتعلقة بتاريخ روسيا الحديث المضطرب. فقد خلد التاريخ الحقبة الشيوعية المرعبة عبر مجلدات تصف حكايات الضحايا والجلادين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات