“فون آن”، المدير التنفيذي ل “Duolingo” وأستاذ متخصص في علوم الحاسب الآلي لدى جامعة كارنيجي ميلون.

عندما كان “لويس” في الثانية عشر، خطرت بباله فكرة لتوفير النوادي الرياضية بشكل مجاني للجميع.

عندما يتمرن الناس على الأجهزة الرياضية فإن الطاقة الحركية الناتجة يمكن استخدامها في توليد الكهرباء، وهذه الطاقة الكهربائية قيّمة، لذلك فكر “لويس” في هذه الفكرة: “لماذا لا نلغي رسوم الاشتراك في النادي وعوضا عن ذلك نقوم بتوصيل جميع الأجهزة الرياضية بشبكة كهربائية ونقوم ببيع الطاقة الكهربائية الناتجة لشركة طاقة كبرى؟ سيتمكن الجميع الذهاب إلى النادي الرياضي مجانا، وسيصبح لدى العالم مصدر جديد لإنتاج الطاقة، وسيتمتع الجميع بصحة جيدة”.

ابتسم “فون آن”، في الرابعة والثلاثين من عمره حاليا، “اتضح أنها لم تكن فكرة جيدة، الناس ليسوا جيدين في إنتاج الكهرباء،ومن الأفضل فرض رسوم للاشتراك “.

بالرغم من أن الفكرة لم تنجح،”فون آن” أستاذ علوم الحاسب في جامعة كارنيجي ميلون، كان يحلم بفكرة لمشروع مبتكر منذ ذلك الوقت، وقد نجح وبجدارة في ذلك. خلال الثمان السنوات الماضية استطاع “فون آن” تأسيس وبيع مشروعين لشركة “Google”. وحاليا مشروعه الجديد هو برنامج مجاني لتعليم اللغات يطلق عليه اسم “Duolingo”،البرنامج ذو الشعبية الكبيرة في نظام تشغيل أندرويد ونظام iOS في متجر البرامج والذي تم تحميله أكثر من 12 مليون مرة.

في عام 2006، تم مكافأة “لويس” بمنحة ماك أرثر أو كما يسمونها “منحة العباقرة”.

تكمن العبقرية الحقيقة في أفكار “فون آن” في النظرية التي يمُّثلها في كل مشاريعه: وهي فكرة أنه عندما تُدمج التكنولوجيا مع بعض من المتعة، فبإمكانك استغلال وقت وجهد بسيط من الناس حول العالم وتحويلهما لشيء مفيد ومثمر، مما قد يعتبر من أذكى الطرق لتطبيق مبادئ التمويل الجماعي حتى الآن، استطاع “فون آن” تحويل نشاطاتنا التي نقوم بها على الإنترنت بأقل مجهود ذهني إلى شيء منتج ويمكن الاستفادة منه.

بدأ “فون آن” أول مشاريعه الريادية عام 2004 بفكرة لعبة جديدة من نوعها على الإنترنت،تقوم اللعبة باختيار اللاعبين عشوائيا على الإنترنت بحيث تُكوّن منافسة فردية لكل اثنين،ثم تبدأ اللعبة بعرض صورة لكلا اللاعبين في كل مرة. “المطلوب من كل لاعب التعرف على الصورة، وكتابة عنوان لها بحيث يكون مطابقا لما يكتبه اللاعب المنافس بدون أن يعرف كل منهما ما يكتب الآخر”، في كل مرة يخمن اللاعب نفس العنوان الذي خمّنه اللاعب الآخر يحصل الاثنين على درجات أعلى، لتوضيح الفكرة: إذا عرضت صورة “كلب” على اللاعبين، سيبدأ الاثنين عملية التخمين لتشمل الاحتمالات التالية: “جرو”، “كلب”، “حيوان”، “حيوان أليف” إلى أن يكتب اللاعبين نفس التخمين لعنوان الصورة ثم تعرض الصورة التالية.

يمكنك اعتبارها نشاط قاتل للوقت يحبه معظمنا: مزيج من الصور الظريفة، مسابقة تنافسية ولا تتطلب أي مجهود ذهني أيضا. ولكن بالنسبة ل “فون آن”، كان لهذه اللعبة استخدام آخر، “عندما يلعب الناس هذه اللعبة فإنهم يساهمون في تحديد محتويات الصور على الإنترنت عن طريق إعطاء عناوين ذات معنى لتلك الصور”، “فون آن” وزميله قاما بكتابة ورقة بحثية ونشرها عام 2004، وقالا فيها “إذا لُعبت هذه اللعبة بنفس مقدار ألعاب الإنترنت ذات الشعبية الكبيرة، فإن عملية التسمية لمعظم الصور على الإنترنت لن يستغرق عدة أشهر تقديريا”.

فكّر في هذا المقترح، عدد هائل من الصور غير المُعَنوَنة يملأ الإنترنت، مما يعيق عملية البحث الدقيق عن الصور في محركات البحث أو عملية حجب المحتويات غير اللائقة. معظم الشركات التقنية لديها وظائف مخصصة لتقييم محتويات الإنترنت وتحديد إذا ما كانت لديها أي محتوى غير لائق أو تجاوزات، “فون آن” كان يقترح أن عملية تسمية الصور على الإنترنت يمكن تنفيذها بالاستعانة بالأشخاص العاديين لو قمنا بجعل هذه العملية ممتعة قليلا.

تم إطلاق البرنامج في عام 2005 وأطلق عليه اسم “The ESP Game”. وفي خلال أربعة أشهر قام 13 ألف متصفح يشعرون بالملل بإنتاج 1.3 مليون عنوان ل300 ألف صورة، نشرت مجلة Wired تقريرا في 2007 عن اللعبة. نسخة “فون آن” التجريبية من اللعبة لفتت نظر كل من “سيرجي برين” و”لاري بيج” في “Google”، وبعد عدة شهور لاحقة قامت “Google” بشراء اللعبة وإعادة إطلاقها لتسمى بعد ذلك ب “Google Image Labeler”.

مشروع “فون آن” التالي كان “reCAPTCHA” وتمكن “فون” من استخدام متصفحي الإنترنت في شيء مفيد أيضا . أثناء تحضيره لمرحلة الدكتوراه ساعد “فون” أستاذه “مانويل بلام” المشرف على رسالته في جامعة كارنيجي ميلون في تطوير أداة للتحقق من هوية مدخل البيانات تعرف بتقنية “CAPTCHA”، فكّر في تلك الكلمات الصعبة في قراءتها والتي يطلب منك كتابتها عند عدم نجاحك في تسجيل الدخول إلى بريدك الإلكتروني عدة مرات متتالية، والمستخدمة في التحقق من أنك بشريّ، هذه هي فكرة أداة “CAPTCHA”، في البداية تم ابتكار هذه الأداة لحماية غرف المحادثات من الهجمات الإلكترونية، الكلمات التي يُطلب من المستخدمين إعادة كتابتها تعتبر طريقة فعالة للتحقق من هوية المُدخل لأن الحواسب تجد صعوبة بالغة في قراءة صور النصوص المكتوبة وخصوصا المشّوه منها بينما يستطيع البشر ذلك.

رأى “فون آن” طريقة تفاعل المستخدمين مع “CAPTCHA” وتوّصل إلى أن هناك إمكانية لاستغلالها أبعد من الهدف الحالي المستخدمة من أجله، العشر ثواني الإضافية الذي تستغرق المستخدم للدخول إلى بريده الإلكتروني والحسابات الأخرى يمكن الاستفادة منها، وانطلاقا من هذه الفكرة قام “فون آن” ببدأ مشروع “reCAPTCHA“،اختلافا عن سابقه،”reCAPTCHA” تحدّت مستخدمي الإنترنت بكلمتين بدل كلمة واحدة لكتابتهما، وتظهر بالشكل الآتي:

Google Recaptcha

” شكل reCAPTCHA”

الحيلة العبقرية في “reCAPTCHA” أنها لا تقوم فقط بالتحقق من أنك بشريّ، ولكن في جعلك تقوم بالتعرف على الكلمات ثم إعادة كتابتها والتي لا يستطيع الحاسب الآلي التعرف عليها لتحويلها إلى نصوص رقمية دقيقة. الكلمة الأولى في “reCAPTCHA” هي اختبار أوتوماتيكي من النظام ،أما الكلمة الثانية عادة ما تأتي من كتاب ورقي قديم أو مقال صحفي لم تستطع أجهزة المسح الضوئي التعرف عليها لتحويلها إلى محتوى رقمي، إذا استطاع الشخص تخمين وكتابة الكلمة الأولى بشكل صحيح فإن النظام سيفترض أن الكلمة الثانية قد تم كتابتها بشكل صحيح أيضا.

في عام 2009، قامت “Google” بشراء “reCAPTCHA” بمبلغ غير معلن (قال “فون آن” أنه تم الشراء بقيمة تتراوح بين عشرة ملايين إلى مئة مليون دولار”)، وتم تشغيل “reCAPTCHA” لتعمل على مستوى ضخم، لتحويل كل من “Google Books” وأرشيف صحيفة “New York Times” إلى محتويات رقمية. في عام 2012، كان يتم ترجمة حوالي 150 مليون كلمة يصعب على الحواسب قراءتها يوميا.

“كانت CAPTCHA فكرتي” هذا ما قاله أستاذ “بلام”. “ولكن جعل البشر يساهمون في هذه العملية كانت فكرة “فون آن”، هو الذي لفت الانتباه لها، انظر كم استغرق بناء البنما أو شق القنوات أو الأهرامات من ساعات، بوجود هذا العدد من مستخدمي الإنترنت حاليا يمكنك الاستفادة من ساعات عمل أكبر بكثير”.

آخر تجسيد لنظرية “فون آن” كان تطبيق “Duolingo”، لعبة تعليم اللغات المحبوبة، هذه الخدمة المجانية تقوم بتوفير دروس في الأسبانية، الفرنسية، الايطالية، الألمانية، البرتغالية، وتستخدم نفس البُنية المستخدمة في ألعاب الحاسب الآلي مثل المستويات التحسينية، أو العملات الافتراضية لجذب المستخدمين، تعتبر تطبيقا لمبادئ بناء الألعاب الكلاسيكية.
Duolingo logo
“تطبيق Duolingo”

“عندما تتحدث مع أي شخص يستخدم تطبيق “Duolingo” فإنه عادة يقول “أنا ألعب Duolingo ” كانت هذه ملاحظة “فون آن”، “لو سألت أي شخص ما هو السبب الرئيسي لاستخدام Duolingo، لن تكون إجابته أنه يستخدمه بغرض التعلم ولكن لأنه تطبيق ممتع”.

يقضي 12.5 مليون مستخدم حوالي 30 دقيقة يوميا عند استخدام Duolingo، والتطبيق أيضا مُصمم للأشخاص الذين يريدون قتل الوقت أثناء انتظارهم في طابور المحاسبة، “فون آن” يبّين في بحثه أن قضاء 34 ساعة في استخدام Duolingo تستطيع تعليمك ما يعادل دراسة فصل متخصص في تعليم اللغات في الجامعة. 80% من مستخدمي البرنامج يستخدمون التطبيق من هواتفهم النقالة.

ربع مستخدمي تطبيق Duolingo من الولايات المتحدة، بينما 35% من المستخدمين من أمريكا اللاتينية والبرازيل، و30% الآخرون من أوروبا. وهذا شيء مهم بالنسبة ل “فون آن”، حيث إنه نشأ في عائلة من الطبقة المتوسطة العليا في مدينة غواتيمالا قبل أن يتجه إلى أمريكا لإكمال دراسته الجامعية، ولاحظ أن الكثير من شعب غواتيمالا كانوا يعانون ماديا.

“دولة غواتيمالا تعتبر دول فقيرة جدا”، قال “فون آن”. “الجميع يريد تعلم الانجليزية هناك ولكن لا أحد يملك المال لتحمل نفقات التعلم”.

أخذ “فون آن” عهدا على نفسه بإبقاء تطبيق Duolingo مجانيا بالكامل لمستخدميه، وباستخدامه نفس المنطق المستخدم في كل من “The ESP Game” و”reCAPTCHA”، توصل إلى فكرة ذكية وبديل لتمويل المشروع، عندما يسجل المستخدمين في تطبيق Duolingo، فإن أحد الخيارات للتدرب على اللغة هو خيار “الاندماج ” وفي هذا التدريب، يطبق المستخدم ما تعلمه من اللغة عن طريق ترجمة مستندات ووثائق حقيقية على الإنترنت، من أين تأتي المستندات التي يترجمها المستخدمين ؟ CNN وBuzzfeed كبداية.

معظم الشركات الإعلامية الكبيرة تعاقدت مع Duolingo كمقّدم لخدمات الترجمة لمستنداتها. حتى بالنسبة للمستخدمين المبتدئين، تعتبر الترجمة نوعا ما دقيقة لأن هناك عدة أشخاص يعملون على ترجمة نفس المستند ويقوم الأعضاء بالتصويت على النسخة الأفضل من الترجمة ليتم إرسالها إلى الشركة الإعلامية بعد ذلك، بالنسبة للمستخدمين تعتبر وسيلة من وسائل التعلم، أما بالنسبة ل Duolingo، هي طريقة لربح مئات الآلاف من الدولارات.

وكما في كل مشاريع “فون آن”، كانت الحيلة في Duolingo هي استغلال الوقت الذي يقضيه المستخدمون بسعادة على مشروعه لتقديم شيء مفيد على الجانب الآخر، ابتكار تلو الآخر، استطاع “فون آن” إرضاء رغبتنا كمستخدمين للقيام بأنشطة ممتعة مضيعة للوقت ولا تتطلب مجهودا ذهنيا أثناء جعله للمجتمع أكثر كفاءة وفاعلية.

“ما الأمر ألا أستخدام شيئا يفعله الناس في جميع الأحوال، وأحاول استخراج شيء مفيد منه؟”قال: “فون آن”

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد