الصورة: لقطة من فيلم Les Miserable

الموسيقى من أقوى أشكال الفن، ربَّما أقواها جميعًا. يمكن لبعض نغماتٍ موسيقية أن تلهب حماس الآلاف. ولأسباب واضحة، كان هذا النوع من الفن مناسبًا للغاية لاستخدامه في الحروب والنزاعات. وعن الموسيقى في الحرب كتبت بيكريا سالياشفيلي في موقع War on the Rocks.

كانت موسيقى فريدريك شوبان رمزًا قوميًّا بالغ الأثر إلى الحد الذي دفع بالألمان إلى
وضع موسيقاه على القائمة السوداء في بولندا وحدها في عام 1941، خوفًا من
إثارتها النزعات القومية البولندية ضد الاحتلال النازي.

لقد استخدم البشر الموسيقى في الحرب من قديم الأزل. الأناشيد وموسيقى المارش كانت وما زالت تمثل جزءًا أصيلًا من الجيوش العسكرية. في كتاب «فن الحرب» يتغزَّل مكيافيللي في الأبواق باعتبارها أداةً تكتيكية تبعث بالإشارات إلى الجنود في ميادين القتال مخترقة ضوضاء المعركة. قبلها استخدم الرومان الآلات الموسيقية في التواصل وإعداد التشكيلات العسكرية، وإلهاب حماسة الجنود.

ثم شاعت الموسيقى بين العامة في القرن التاسع عشر، إيذانًا ببدء موجة جديدة من المقاومة بالتعبير الموسيقى. فرد الفن أجنحته متحررًا من العنصر الموضوعي الديني، ومحدودية الجمهور. وبينما تعد الموسيقى الكلاسيكية عتيقة اليوم، فقد كانت سابقة لزمنها. فرانز ليست، الملحن وعازف البيانو، أحدث ثورةً في فن الأداء لدرجة أن معجبيه كانوا يتقاتلون على الاحتفاظ بخصلات شعره، في موجة أسماها الشاعر الألماني هاينريك هاين بـ«جنون ليست» Lisztomania.

ومن بعده جاء ملحنون جعلوا من الموسيقى لغةً معقدة مستقلة بذاتها للمقاومة والتعبير السياسي. في 1804، كتب بيتهوفن سيمفونية مهداة إلى نابليون بونابرت إذ رأى فيه تجسيدًا لمبادئ الثورة الفرنسية. لكن حين نصَّب نابليون نفسه إمبراطورًا في العام نفسه، أزال بتهوفن اسمه من مخطوطة السيمفونية وغيَّر العنوان إلى «السيمفونية البطولية» Symphony Eroica.

ربَّما كانت سيمفونية بيتهوفن تعليقًا سياسيًّا أعقب الثورة، لكن فريدريك شوبان التحم مباشرة بالثورة البولندية الفاشلة ضد روسيا في مقطوعته الثورية Revolutionary Etude. كانت موسيقى شوبان رمزًا قوميًّا بالغ الأثر إلى الحد الذي دفع بالألمان إلى وضع موسيقاه على القائمة السوداء في بولندا وحدها في عام 1941؛ خوفًا من إثارتها النزعات القومية البولندية ضد الاحتلال النازي.

في الواقع، كان للموسيقى دورها في الحرب العالمية الثانية. استخدم الحلفاء سيمفونية بيتهوفن الخامسة رمزًا للمقاومة ضد الألمان .نغماتها الأربعة الافتتاحية تعني الحرف V (رقم 5 في اللغة اللاتينية) في شيفرة مورس. بدأت محطات الراديو البث بصوت «تا تا تا دا» الشهير، الذي تشبهه بيكريا بصوت طرقات القدر على الأبواب.

وفي 1942، عزف شوستاكوفيتش سيمفونيته السابعة للمرة الأولى في أثناء حصار ليننجراد (سانت بطرسبرج الحالية). أكل الناس الجلود واصطادوا القطط والكلاب، وحصدت المجاعة أرواح كثيرين. لكنهم لجؤوا إلى الموسيقى وسط كل هذا، لتصبح سيمفونية شوستاكوفيتش رمزًا للمقاومة وتحدي الحصار، لرفع معنويات أهل ليننجراد.

الثورات تقوم على الأمل، والموسيقى لا تفك حصارًا أو تسقط حكومة، أو تغير
السياسات الأمنية، لكنها تشد من عضد الناس وتلهمهم، في سبيلهم إلى فعل كل
هذا.

بعد الحرب، استخدم الاتحاد السوفيتي سيمفونيته في الدعاية السوفيتية، وظنَّ الجيل التالي أنها ترمز إلى العظمة السوفيتية. لكن الحقيقة أن شوستاكوفيتش كتبها ليس فقط ردًّا على الغزو الألماني، وإنما توبيخًا وتقريعًا لستالين والاتحاد السوفيتي، لتخليهم عن ليننجراد.

لم يكن السوفييت وحدهم في هذا. لطالما استخدمت الحكومات الموسيقى في دعاياها وحروبها السيكولوجية. والأناشيد الوطنية تجسيدٌ لأبسط طرق الدعاية الحكومية وأبلغها تأثيرًا. ويمكن للحكومة أيضًا أن تتحكم في المحتوى الموسيقي وتوجهه ليخدم سردية معينة عن الثورة. كلَّف نابليون الثالث الملحن الفرنسي هكتور برليوز بتلحين سيمفونيته الرابعة والأخيرة، «السيمفونية الجنائزية الاحتفالية الكبرى» Grande Symphonie Funèbre et Triomphale، احتفالًا بثورة 1830. والنتيجة واحدة من أعظم القطع الموسيقية البطولية.

يمكن أن تصبح القطعة الموسيقية رمزًا للثورة. في أحد أبرز مشاهد فيلم «كازابلانكا»، تندفع الفرقة في غناء «البؤساء» La Marseillaise، بهدف التغطية على غناء الضباط النازيين في الحانة. الآن صارت الأغنية نشيدًا وطنيًّا لفرنسا يرمز إلى المقاومة.

وربَّ نشيدٍ ثوري صادق يتغنَّى به الشعب ترتجف له الأنظمة السلطوية وتسعى إلى إسكاته، كما حظرت الصين في عهد ماوتسي تونج كل الفنون التي لا تخدم الاحتياجات الأيديولوجية للدولة، واشترط الاتحاد السوفيتي موافقة الرقابة على كل الأعمال الموسيقية المنشورة.

فالثورات تقوم على الأمل، والموسيقى لا تفك حصارًا أو تسقط حكومة، أو تغير السياسات الأمنية، لكنها تشد من عضد الناس وتلهمهم، في سبيلهم إلى فعل كل هذا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد