مضى عامٌ على تولي الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مقاليد السلطة، تنتهك حقوق الإنسان في مصر «بمعدلات غير مسبوقة»، وفقًا لميشيل دون، متخصصة الشؤون المصرية في مؤسسة كارنيجي الدولية للسلام. مع ذلك، فإن واشنطن تسثمر بقوة في العسكرية المصرية. إدارة الرئيس أوباما طلبت من الكونجرس اعتماد مبلغ 1.5 مليار دولار مساعدات لمصر في السنة المالية المقبلة، كلها تقريبًا مساعدات عسكرية. تقول «دن»: «على الولايات المتحدة أن تهتم بتوجيه المساعدات نحو الحزم الاقتصادية التي تدعم رفاهية الشعب المصري.»

كيف تصفين نظام السيسي بعد مرور عام؟

يتحدث الكثيرون عن أن السيسي يعيد نظام مبارك، لكن نظام السيسي أكثر وحشية بشكل كبير جدًا. هو نظام جاء إلى السلطة بانقلاب عسكري، ما يختلف عما حدث مع مبارك والذي واجه معارضة ولكن ليس بهذه الشراسة. مهما كانت أخطاؤهم وإجراءاتهم غير الديمقراطية فإن جماعة الإخوان المسلمين (والتي كانت ضمن حزب الرئيس مرسي الحرية والعدالة) جماعة كبيرة. عزل مرسي تسبب في مقاومة مؤيديه وأفراد الجماعة على مدى عامين ماضيين. الأجهزة الأمنية تحصل باستمرار على صلاحيات أوسع لملاحقة المعارضين.

إدارة أوباما أعادت المساعدات العسكرية المجمدة سابقًا إلى مصر في مارس الماضي، قالت الإدارة حينها أن مصر تتراجع فيما يخص الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ لكنها مع ذلك استمرت في منح المساعدات لأسباب تتعلق بالأمن القومي. في ملف الميزانية للعام المالي القادم، طلبت الإدارة 1.3 مليار دولار تمويلًا عسكريًا لمصر، و150 مليون دولار مساعدات اقتصادية. كيف يرى البيت الأبيض قدرة النظام المصري على تحقيق الاستقرار الداخلي والإقليمي؟

استثمرت الولايات المتحدة عشرات المليارات من الدولارات وعقود من الجهود في علاقتها مع مصر لتعزيز استقرارها ودورها كدولة بينها وبين إسرائيل اتفاقة سلام، فضلًا عن جعلها قوة للسلام والاعتدال في المنطقة. إذًا الولايات المتحدة مترددة في أن تنأى بنفسها عن النظام الحالي. في الوقت ذاته، أعتقد أن المسؤولين الأمريكيين قلقون من أن النظام يخطو نحو المزيد من عدم الاستقرار، أو نحو فشل نهائي للدولة.

في السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة تمنح مصر قدرًا متساويًا من المساعدات العسكرية والاقتصادية، وكان هناك تركيز على برامج لدعم تنمية مصر وإصلاح البنية التحتية وتحقيق الازدهار فيها. واجهت محاولات الإصلاح مقاومة، لهذا تراجع الدعم الاقتصادي والذي كان يبلغ مليار دولار سنويًا. في ذات الوقت حافظت الولايات المتحدة على الدعم العسكري ثابتًا.

حين قفز الجيش من خلف الستار واستعاد السيطرة السياسية بعد فترة وجيزة من المحاولة الفاشلة للتحول الديمقراطي في مصر، وجدت الولايات المتحدة نفسها في مأزق. عبدالفتاح السيسي الذي كان وزيرًا للدفاع آنذاك، لم يحقق أبدًا الوعود التي قدمها لإعادة مصر مرة أخرى إلى المسار الديمقراطي، كانت الولايات المتحدة مترددة في تغيير علاقتها بشكل جوهري مع الجيش المصري.

العديد من حلفاء الولايات المنحدة البارزين في المنطقة، مثل إسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، يدعمون النظام العسكري في مصر وطالبوا الولايات المتحدة بالمحافظة على دعمها العكسري. علقت إدارة أوباما بعض  الدعم العسكري لحوالي عام ونصف، لكنّها أعادت الدعم كله مؤخرًا.

هل استئناف المساعدات العسكرية يعكس قناعة لدى إدارة أوباما بأنها لا تستطيع التأثير على الشؤون الداخلية المصرية، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان؟

القناعة كانت بأن الولايات المتحدة حاولت تعليق المساعدات كوسيلة ضغط، لكنها لم تنجح، إذ لم نرَ أي تقدم في مجال حقوق الإنسان. لكن لنعد تقييم الموقف: المساعدات لم يتم وقفها بالكامل أبدًا. مسؤولون أمريكيون كبار كانوا يشيرون باستمرار إلى أن المساعدات سيتم استئنافها. لذلك هناك سؤال جاد حول ما إذا كان الضغط قد تم اختباره بالفعل.

التغيير الوحيد هو أن إدارة أوباما أوقفت الدعم النقدي. كان الدعم النقدي قد سمح لمصر أن تدخل في صفقات سلاح مع شركات التسليح الأمريكية لسنوات مستقبلية بالاعتماد على المساعدات المالية التي لم يكن الكونجرس قد اعتمدها بعد. إذا تم إلغاء العقود، سيتعين على الإدارة الأمريكية أن تدفع الشروط الجزائية، عشرات الملايين من الدولارات. لهذا، الولايات المتحدة تعطي نفسها حرية تغيير حجم وتكوين المساعدات في المستقبل بشكل سنوي؛ مما قد يعيد لأمريكا بعض نفوذها وقدرتها على الضغط.

يعاني الاقتصاد المصري منذ 2011، معدلات البطالة بلغت بشكل رسمي 13%، ويحتمل أن تكون الأرقام الحقيقة أعلى بكثير، مركزة بين الشباب، كيف يدير نظام السيسي هذه التحديات؟

الانتفاضات السياسية تسبب اضطرابات اقتصادية. الرئيس السيسي يحاول أن يوقف الاقتصاد على قدميه مجددًا. لكن ليس من الواضح بعد إذا كانت استراتيجيته للتطوير الاقتصادي ستنجح. إنها استراتيجية توجهها الدولة ويقودها الجيش وتعتمد على المشاريع العملاقة. على سبيل المثال،  مشروع تطوير  قناة السويس، والذي تقف فيه الشركات الخاصة موقف المتعاقدين الفرعيين، الأمر الذي سيجعل المشروع في النهاية نقلًا للأرباح إلى الجيش أكثر من كونه خلقًا لفرص عمل.

ما تفتقر إليه مصر هو وجود استراتيجية للتنمية البشرية. تتكون مصر من حوالي 90 مليون نسمة وبها نسبة هائلة من الشباب. أكثر من نصف السكان تحت سن الـ 25. نظامها التعليمي كارثي. كما أن هناك تحديات كبرى تتعلق بالصحة العامة. على سبيل المثال، تواجه البلاد تفشيًا وبائيًا لفيروس الالتهاب الكبدي C. إذا كانت مصر ستحقق أي تقدم اقتصادي، فإن عليها أن تضع استراتيجيات مبينة على تعليم الناس وجذب الصناعات كثيفة العمالة.

بعد سنوات من الاضطراب الداخلي، إلى أي مدى تعتبر مصر لاعبًا هامًا في السياسات الإقليمية؟

تضاءل الدور المصري في الشرق الأوسط لسنوات، حتى قبل 2011، بسبب الاضطرابات الداخلية. حين كان جمال عبدالناصر على رأس السلطة (1956-1970)، كان ينظر إلى مصر باعتبارها نموذجًا لباقي الدول العربية وكانت جاذبة للجماهير في أنحاء العالم العربي. لم يعد الحال هكذا منذ سنوات طويلة. لدى مصر القليل من القوى الناعمة. كما أنها لا تملك قوة ضغط اقتصادية، لأنها تفتقر لنموذج اقتصادي جذاب، وليس بإمكانها مساعدة الدول الأخرى.

مازالت مصر تحاول التوسط في الصراعات الإقليمية من حين لآخر، لكن دبلوماسيتها مقيدة للغاية بالمشاكل الداخلية. اعتادت مصر لعب دور رئيسي في الأزمة الإسرائيلية الفلسطينية، وداخل المعسكر الفلسطيني نفسه بين حماس والسلطة الفلسطينية. الآن، لم يعد ممكنًا لها أن تلعب هذا الدور بفاعلية. بالإطاحة بالرئيس محمد مرسي وإعلان الإخوان المسملين منظمة إرهابية، جعلت مصر قدرتها على التواصل بحماس محاطة بالكثير من التعقيدات. في ليبيا وسوريا، قد ترغب مصر في لعب دور الوسيط، لكنها لن تستطيع التعامل مع الكثير من اللاعبين الكبار على الساحة في كلا البلدين لكونهم إسلاميين.

مازال ينظر لمصر كحليف هام من قبل المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية بسبب حجم الجيش المصري؛ لكن لأنها مقيدة بالصراعات الداخلية، فإن قدرة مصر على إعمال القوة خارج حدودها محدودة للغاية.

كيف هي علاقة السيسي مع إسرائيل والفصائل الفلسطينية؟

للسيسي علاقات جيدة جدًا مع إسرائيل منذ وصوله للسلطة، وهناك الكثير من التعاون بينهما في سيناء. مارس السيسي ضغوطًا كبيرة على حماس وأبقى الحدود مع غزة –بما فيها الأنفاق- مغلقة أكثر مما فعل سابقوه، بما فيهم حسني مبارك. في الواقع لقد مارس هذا الإغلاق بشكل يجده حتى بعض الإسرائيلين مبالغًا فيه. هناك حد للضغط الذي يمكن ممارسته على غزة مع الإبقاء على الأمور هادئة.

مصر كانت على وشك إعلان حماس منظمة إرهابية، لكنّها تراجعت عن ذلك. ربما تكون مصر قد تلقت نصيحة من الحلفاء الخليجيين أو حتى إسرائيل نفسها، بأن هذا قد يكون له نتائج عكسية، حيث ليس هناك من يسيطر على غزة سوى حماس.

نظام السيسي قام بحظر المعارضة ووصم جماعة الإخوان المسلمين التي نبذت العنف بأنها منظمة إرهابية. هل ترين إمكانية للعودة عن هذا؟

المعارضة والغضب يتصاعدان، خاصة بين الشباب المصري. فكرة أنه بمجرد أن يسيطر السيسي على كل شيئ ستهدأ الأمور أثبتت فشلها. في الوقت ذاته المحاكم المصرية تصدر أحكامًا متطرفة، ليس فقط أحكام جماعية بل أحكام إعدام جماعية. كل القيادات العليا لجماعة الإخوان المسلمين تقريبًا تم الحكم عليهم بالإعدام، حتى لو كان من المستحيل أن نعرف إذا كانت هذه الأحكام ستنفذ أم لا. (ملاحظة المحرر: أصدرت المحاكم المصرية 547 حكمًا بالإعدام على الأقل تحت حكم السيسي، نفذ منها حتى الآن 27، وفقًا لمنظمة هيومن رايتس ووتش، الكثير من المتهمين تمّت محاكمتهم وإصدار الأحكام ضدهم غيابيًا.)

هناك تمرد كبير داخل سيناء، ومن الصعب معرفة ما يجري فيها. الجيش يقبض على الصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان. العديد من الناس يقتلون بواسطة الجيش المصري وأنصار بيت المقدس –الجماعة المسلحة الرئيسية في سيناء والتي تربط نفسها الآن مع الدولة الإسلامية- . التمرد، إذا كان ثمة حكم يمكن إصداره بخصوصه، يتصاعد. في الوقت ذاته، الهجمات الصغيرة، والتي في معظمها تستهدف مراكز الشرطة داخل المحافظات الأخرى، تتزايد أيضًا.

تقول الولايات المتحدة أن مصر حليف رئيسي في الحرب على الإرهاب. السؤال الذي يجب طرحه هنا هو: هل تحقق استراتيجية الرئيس السيسي أي نجاحات؟ لا دليل على ذلك. يضع هذا الولايات المتحدة في موقف صعب. انتهاكات حقوق الإنسان تمارس بشكل غير مسبوق. هناك على الأقل 40 ألف سجين سياسي ومئات القضايا الموثقة من التعذيب والاعتداء الجنسي والاختفاء القسري. الحياة السياسية، الإعلام والمجتمع المدني تم إيقافهم تقريبًا. المعارضون العلمانيون والنشطاء الشباب، بالإضافة إلى الإخوان المسلمين والسلفيين والإسلاميين الآخرين تم إسكاتهم.

يلاحق النظام الآن منظمات حقوق الإنسان أيضًا. عدد من المنظمات المحلية الشجاعة استمرت في توثيق الانتهاكات ونشر التقارير، ولكن الحكومة تقوم بإرهابهم. رواد حقوق الإنسان في البلاد غادروا مصر تحت التهديد بالقتل. تُمارس الضغوط على هذه المنظمات لكي لا تقبل التمويل الأجنبي، في الواقع يتم تجويعهم.

فتحت الحكومة تحقيقات ضد أبرز المنظمات. ثمة شائعات في الإعلام أن النظام ماضٍ في تلفيق تهم ضدهم، منها تهم بالتجسس. ستخرس إذًا الأصوات القليلة جدًا الباقية التي تحاول أن توثق وتنشر ما يحدث داخل مصر.

إلى أين يقود هذا سياسية الولايات المتحدة المستقبلية؟

لا تستطيع الولايات المتحدة جعل السيسي يقوم بشيء بعينه أو السيطرة على ما يحدث داخل مصر، لكن على الولايات المتحدة أن تقرر ما إذا كانت ستظل راغبة في أن تظهر كمحتضن وداعم للسيسي. الولايات المتحدة غالبًا ما تقلل من أهمية كيف يرى الناس في الشرق الأوسط وأماكن أخرى إدارتها لهذه العلاقات.

بينما لا تتحكم الولايات المتحدة في جميع الأمور، فإن عليها أن تتخذ قرارات بشأن ما تقوله في العلن وفي الأروقة المغلقة، وما إذا كانت تظن الخطوات التي تتخذها الحكومة المصرية تقود في اتجاه الاستقرار أو عدم الاستقرار. تستطيع الولايات المتحدة على سبيل المثال، أن تعيد التوازن للعلاقة من خلال دعم أكبر لبرامج تحقق رفاهية الشعب المصري، مثل المنح التعليمية، وتقليل الدعم للجيش. يجب عليها أن تتحدث باستمرار عن انتهاكات حقوق الإنسان. الصمت في هذا الشأن، مع أكثر من مليار دولار من المنح العسكرية، يعطي إشارات تأييد للقمع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد