يخشى العديد من المراقبين أن تكون الديمقراطية على المحك حاليًا، بما في ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية. ويُلقي بعض المعلِّقين باللوم على أعضاء الطبقات العاملة الأقل تعلُّمًا في تراجع الديمقراطية.

ووفقًا للصورة النمطية، يميل هؤلاء الناخبون إلى التشكيك في العولمة الاقتصادية والهجرة، وربما يكونون أكثر ميلًا إلى دعم السياسيين والأحزاب الشعبوية الاستبدادية. على النقيض من ذلك، ينظر المحللون السياسيون إلى الطبقات الوسطى الحضرية الأكثر تعلُّمًا بوصفهم مدافعين أقوياء عن القيم والمبادئ الديمقراطية.

مترجم: كيف يختلف الربيع العربي الآن عن 2011؟

هل يُعد العمال الصناعيون حقًّا قوةً معاديةً للديمقراطية؟

في دراسة جديدة أجراها الثلاثي: سيريان دالوم، كبيرة الباحثين في معهد أبحاث السلام في أوسلو، وكارل هنريك نوتسن أستاذ العلوم السياسية بجامعة أوسلو، وتور ويج أستاذ مشارك في العلوم السياسية بجامعة أوسلو؛ فحص الباحثون فحصًا منهجيًّا كيف سعى المواطنون لتعزيز الديمقراطية في حوالي 150 دولة.

وتوصل الباحثون الثلاثة – في تحليل للدراسة نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية– إلى أن العُمَّال الصناعيين كانوا أحد العناصر الفاعلة الرئيسية في إرساء الديمقراطية، وكانوا حتى أكثر أهميةً من الطبقات الوسطى الحضرية. فعندما يحشد العُمَّال الصناعيون معارضةً جماهيريةً ضد ديكتاتورية، من المرجح أن يترتب عليها التحوُّل الديمقراطي.

نجاح الاحتجاجات يعتمد على فئات المحتجين

في التاريخ الحديث، نظَّم المواطنون في شتى البلدان احتجاجات جماهيرية سعيًا وراء الحريات السياسية بمختلف أشكالها. وفي بعض الأحيان يُكتب لهم النجاح. وتُعد الاحتجاجات الديمقراطية الحالية في هونج كونج أحدث مثال على الحشد الجماهيري من أجل الحقوق السياسية والحرية في جميع أنحاء العالم.

Embed from Getty Images

وتتضمن الأمثلة الأخرى: المُنادين بمنح المرأة حق الاقتراع في أوائل القرن العشرين، والحركات المعادية للشيوعية في أوروبا الشرقية قبل 30 عامًا، والمتظاهرين المناهضين للأنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إبَّان الربيع العربي.

ومع ذلك، كما توضح المسارات المتباينة لمختلف البلدان بعد الربيع العربي – بمقارنة الديمقراطية التونسية مع الاستبداد المصري– فإن الحشد الجماهيري لا يؤدي دائمًا إلى الديمقراطية.

وفي كثير من الأحيان، لا تسفر الاحتجاجات عن سقوط ديكتاتورية قائمة، كما هو الحال في إيران، حيث نجا النظام القائم من «الحركة الخضراء» في عام 2009، وفقًا للباحثين.

لماذا تنجح بعض الحركات في تحقيق الديمقراطية بينما تفشل أخرى؟

في الدراسة الجديدة، التي قارنت جميع حركات الاحتجاج الرئيسية المناهضة للأنظمة على مستوى العالم من عام 1900 حتى اليوم، وجد الباحثون أن مسألة نجاح حركات الاحتجاج في إرساء الديمقراطية من عدمه تعتمد على مَنْ يقوم بالاحتجاج.

وبتحديد أكثر، يعتمد ذلك على الخلفية الاجتماعية للمتظاهرين: هل المتظاهرون ينتمون أساسًا إلى الطبقة الوسطى الحضرية؟ أم هل هم عمال صناعيون؟ أم موظفون حكوميون؟ أم فلاحون؟

وأشار الباحثون إلى أن حركات الاحتجاج تستقطب مزيجًا من الناس، مثلما كان الأمر في حركتي الربيع العربي التونسية والمصرية.

في عام 2015، مُنِحت جائزة نوبل للسلام للجنة الحوار التونسي الوطنية الرباعية؛ لمساعدتها في انتقال ديمقراطي سلمي في تونس، ومثَّلت هذه اللجنة ائتلافًا مختلف الطبقات واسع النطاق، بما في ذلك العمالة المنظمة.

أما في مصر، فكانت لحركة الربيع العربي المؤيدة للديمقراطية قاعدة اجتماعية أضيق نطاقًا، مستمدةً أساسًا من المهنيين الحضريين من الطبقة الوسطى.

وشهد القرن العشرون العديد من حركات الاحتجاج والثورات التي سيطر عليها الفلاحون بالكامل تقريبًا. وبحسب بيانات الباحثين، نادرًا ما أدت هذه الاحتجاجات التي يقودها الفلاحون إلى إصلاحات ديمقراطية. وقد يكون هذا بسبب افتقار هذه الجماعات إلى القدرة على تغيير النظام أو الدافع لتطبيق الديمقراطية.

الأمر يختلف عندما يخرج العمال الصناعيون

وجد الباحثون الثلاثة أن التحوُّل إلى الديمقراطية يتبع على الأرجح حركات الاحتجاج الجماهيرية التي تهيمن عليها الطبقات الوسطى الحضرية، وبالأحرى عندما يحتج العُمَّال الصناعيون. فغالبًا ما تدمج هذه الجماعات تفضيلها الشديد للديمقراطية (خاصة في المجتمعات الحضرية) مع القدرة على دفع التغييرات الديمقراطية.

ويمكن للعُمَّال الصناعيين – على وجه الخصوص – استخدام النقابات وشبكات العمل الدولية والأحزاب الديمقراطية الاجتماعية لتنسيق التحديات القوية ضد الأنظمة الديكتاتورية.

وهنا، يتفق الباحثون مع دراسات مؤثِّرة ومتعمِّقة عن بلدان معينة في أوروبا وأمريكا اللاتينية، والتي تسلِّط الضوء على الدور التاريخي للحركات العمالية في الدفع من أجل حق الاقتراع العام، والانتخابات متعددة الأحزاب التنافسية.

ومع ذلك، ربما تكون التجارب في تلك الدراسات غير قياسية. وفسَّر الباحثون بأن دراستهم هي الدراسة الأولى التي تقدم بحثًا منهجيًّا في إذا ما كان التكوين الاجتماعي لحركات الاحتجاج مهمًّا لتحقيق الديمقراطية في عينة عالمية من البلدان.

كما أنهم تحققوا في جميع حركات الاحتجاجات الجماهيرية الرئيسية في جميع أنحاء العالم من عام 1900 حتى عام 2006، وسجَّلوا مَنْ سيطر على كل حركة: العمال الصناعيون، أم الطبقات الوسطى الحضرية، أم العُمَّال الريفيون، أم الجماعات العِرقية، أم الجماعات الدينية، وما إلى ذلك.

وبيَّن الباحثون أن أبرز ما توصلت إليه دراستهم، هو أن حركات الاحتجاج التي يهيمن عليها العُمَّال الصناعيون تفوق جميع حركات الاحتجاج الأخرى في تحقيق الديمقراطية. وتفوق حملات العُمَّال الصناعيين بوضوح في المواقف دون أي حملات احتجاج جماهيرية. وهناك بعض الأدلة على أن حركات الطبقة الوسطى الحضرية ترتبط بإرساء الديمقراطية، لكنها أضعف من الأدلة على أهمية العُمَّال الصناعيين.

وقد تُوَجِّه المناقشات الحالية حول الصعود الأخير للشعبويين المستبدين أصابع الاتهام إلى الطبقات العاملة، لكن يشير الباحثون في دراستهم إلى أن العمال الصناعيين كانوا حاسمين في التقدم التاريخي للديمقراطية.

«راند»: 5 عوامل تحدد متى يدعم الجيش مطالب الديمقراطية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد